نداء إلى الإخوان المسلمين

من موسوعة الإخوان المسلمين

اذهب إلى: تصفح, بحث

فهرست

[تحرير] نداء إلى الإخوان المسلمين:

الإسلام مصدر الشرعية فلا تلتمسوها في سواه..

هل يجوز شرعا الحوار – ولو للمناورة – مع الجواسيس أو الكفار.

ليس بيننا وبين الشيوعيين إلا أن يؤمنوا – حقا - بالله الغني الحميد..

ليت الناصريين يقدسون الله تقديسهم لجمال عبد الناصر ويعجبون بالنبي صلى الله عليه وسلم كإعجابهم بهيكل..!!

المؤلف: د. محمد عباس



لا يدرك المرء قيمة حركة الإخوان المسلمين إلا إذا تخيل أنها لم توجد، و لم تنبت عام 1928، ولم تُروَ شجرتها بدماء الشهداء الأبرار التي سفكها بالباطل طواغيت فجار، ولا سرت في عروقها تضحيات الآلاف والآلاف من المجاهدين، ابتداء من ساحة الوطن، وانتشارا في دول العالم الإسلامي، بل وغير الإسلامي، وجهادا في فلسطين والقناة، وعذابا في سجون الطواغيت الهالكين، أقول أنه لا يمكن معرفة قيمة حركة الإخوان المسلمين وتأثيرها إلا لو تخيلنا أنها لم توجد.


نعم.. تخيل أيها القارئ أن حركة الإخوان لم توجد..

وتخيل أيضا أي تصور كئيب كالح لمصر بل وللعالم لو لم تسطع شمس تلك الحركة المباركة كرد فعل على سقوط الخلافة لينفرد العلمانيون بفروعهم الليبرالية والشيوعية والقومية بالساحة.. فهل كان يمكن أن نتصور في ظل غياب تلك الحركة وانفراد العلمانية بالساحة إلا بقايا إسلام وشراذم مسلمين.. وهل كان يمكن أن نتصور إلا أن نكون ككثير من المسلمين في آسيا و أفريقيا اليوم لا يحملون من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه..


إن أي محاولة للإيجاز أو التلخيص لن تكفي أبدا لوصف التغيير الهائل الذي تفجر من حركة الإخوان ورجالها بجهدهم الإيجابي قبل ثورة الطواغيت، وبجهدهم السلبي – إن جاز الوصف مع الاعتذار- بعد ذلك، لأن صمودهم أمام المحاكم الباطشة الفاجرة، وتجلدهم إزاء التعذيب الهمجي المجرم، وصبرهم في السجون لعشرات السنين، كل ذلك، مع دماء الشهداء، جعلت ضوء النبراس الوهاج للإسلام من خلال الإخوان المسلمين لا ينقطع أبدا، كما أدت عمليات التعذيب والبطش والقهر تلك، إلى نزوح الآلاف إلى خارج الوطن، في العالم العربي والعالم الإسلامي، وفي أوروبا و أمريكا، وفي كل مكان ذهبوا إليه كانوا بذورا لحدائق الصحوة الفيحاء، ومناراتها الشامخة السامقة، للدرجة التي أدان فيها طاغوت العصر الأكبر، ومسيخه الأفجر: جهاز الأمن الأمريكي، أدان بطش الأمن المصري وجبروته في التعامل مع الإخوان المسلمين، فقد كان من رأي الهالك الفاجر، أن بطش الأمن المصري هو الذي دفع بخلايا الإرهاب(!!!) للانتشار في الخارج هربا من هذا البطش. وهو الأمر الذي أدي إلى انتشار الإرهاب في العالم كله.


والقول فيه بعض صواب.. فليس مصطلح الإرهاب مذموما عندنا بل هو مصطلح إسلامي مذكور في القرآن له ضوابطه ودواعيه والمنكر له يسقط في إنكار المعلوم من الدين بالضرورة. و أقول بعض صواب، لأن الأهم لم يكن انتشار خلايا الإرهاب بل بذور الصحوة الإسلامية التي قدمت نماذج شامخة للنجاح الباهر لأعضاء الإخوان في المجالات التي خاضوها سواء كان في العلوم التطبيقية أو النظرية كما في النشاط الاقتصادي.


هذا الدور الهائل الذي قام به الإخوان، لم يقتصر على محافظتهم على الإسلام فقط، ولا أنهم رفعوا راية الجهاد فقط، بل الأهم أنهم بدءوا الصحوة، وقد كان يجزيهم – بإذن الله – لو أنهم قاموا بجزء مما قاموا به. فلو أنهم اكتفوا بالدعوة فقط لكفاهم..

ولو أنهم اكتفوا بالتصدي للعلمانية والكفر لكفاهم..


ولو أنهم اقتصروا على إرهاب الإنجليز و أعوانهم لكفاهم..

ولو أنهم لم يفعلوا شيئا سوى الجهاد في فلسطين لكفاهم..

ولو اكتفوا بالجهاد في جبهة القناة لكفاهم..

ولو اكتفوا بتجنيد كل الضباط الأحرار –تقريبا– في التنظيم الخاص ( وليس التنظيم السري كما يشيع المرجفون) لكفاهم ..

ولو أنهم اقتصروا على الصمود المعجز عام 54 وعلى الشهداء الأبرار لكفاهم..

ولو أنهم اقتصروا على مواجهة كيد الشيطان وكلاب النار في السجون عشرين عاما لكفاهم..

ولو أنهم اقتصروا على صمودهم بعد محنة 65 واستشهاد الشهيد العظيم سيد قطب وإخوانه لكفاهم..

ولو أن جهد الإخوان المسلمين منذ نشأتهم حتى الآن قد اقتصر فقط على "في ظلال القرآن" لكفاهم إلى يوم القيامة بإذن الله ..

فكيف بهم إذا كانوا قد فعلوا هذا كله بل وفعلوا ما هو أكثر، وهو ما تضيق الذاكرة عن ذكره والمجال عن حصره.

كان ذلك كله ماثلا في وجداني دائما، وكنت أواجه أي منتقد لهم بقولي:

-لعل الله اطلع على الإخوان المسلمين أعوام 48 و 49 و54 و 65 فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم..


--Anaikhwan ٠٠:٠٠, ٣٠ أغسطس ٢٠٠٨ (AST)


[تحرير] تسامي الإخوان على الثأر

ولم يكن ذلك يعني أبدا أنني أرفعهم إلى درجات المعصومين، لكنني كنت دائما مع المناصحة الخافتة الهامسة، وكانت لي ملاحظات عديدة، لكنني كنت أقول لنفسي أنها الحركة التي دفعت ضريبة الجهاد والاستشهاد والتضحية والصبر، و أن من حقها أن تختار لنفسها طريقها الذي تشاؤه، فقد أُجهض بنيانها الضخم ثلاث مرات، بمنتهى القسوة والخسة، ومن حقها أن تحاول تجنب إجهاضه مرة أخرى، ( دعنا الآن من اعتقادي أن أسباب إجهاضها لم يكن لأنها بادرت بالعنف .. بل على العكس.. أنها لم تبادر به) وكانت نصيحتي وتعليقي للإخوة الخارجين عليها ألا يهاجموها أبدا.. فليجاهدوا كما شاءوا، وليسيروا في طرق موازية، وليسبقوها إذا استطاعوا، ولكن عليهم ألا يبخسوا الحركة الأم حقها، و ألا يهاجموها، خاصة أن بعض المنشقين لم يكونوا سوى اختراقات من أجهزة الأمن عجزت عن جرف الحركة عن مسارها، فانشق أعضاؤها عنها لإحداث انهيار فيها.



كنت أرقب كل هذا بحزن.. وكنت أنظر في إعجاب مشفق إلى جهد الإخوان في تربية أفرادها تربية دينية يكون خلقهم فيها القرآن.. كنت أرى المثالب والعيوب، ونصاعة النظرية وعتامة التطبيق.. وبرغم حبي و إعجابي وتقديري للبطل المجاهد أيمن الظواهري إلا أنني كنت أظن أنه ظلم الإخوان في كتابه عنهم ،

لأنه تجاهل في حكمه عليهم فقه الواقع، كما تجاهل الطريقة البشعة الهمجية الكافرة الفاجرة التي ووجهوا بها،

وأن ذلك لا بد أن يكون قد ترك بصماته عليهم، و أن هذه البصمات ليست بالضرورة صوابا. لكنني كنت أخشى في نفس الوقت أن يتجاهل الإخوان الشريعة إذ يمارسون فقه الواقع.


كنت أرقب جهود الإخوان المسلمين التربوية لإنقاذ الشباب من الهاوية التي تدفعه إليها أجهزة الدولة وفضائيات الأمة وافتقاد المثل الأعلى ومطاردة المتدينين و تقريب الفاسقين ، كنت أرقب هذه الجهود فيملأني الإعجاب والأسى..


وكنت أرقب جهودهم للحفر في الصخر وهم يحاولون تغيير الواقع السياسي الكارثة .. ليس في مصر فقط.. بل في العالم الإسلامي كله.. ذلك أن النظرة العابرة ستكشف على الفور مدى عمق واتساع هذه الكارثة، حيث تتحول أجهزة الأمن والجيش كلها من حماية أمن الوطن أو الأمة أو الدولة أو الدين إلى حماية فرد واحد هو الحاكم ، وهو بالتجربة لم يفلح إلا في محاربة الإسلام، بل لم يحاول إلا ذلك، فذلك هو ثمن العرش، وذلك يتكلف لحراسته 40% من ميزانية بلاده.

ما ينفق على أمن الحاكم في بلادنا كله بلغة الاقتصاد هالك وتالف..

نعم..

هالك وتالف..

بلغة الاقتصاد.. وبلغة الدين أيضا..!!

وهنا يجب أن نقول أيضا أن أي مشروع اقتصادي مهما بلغ ازدهاره ونماؤه، إذا ما حمّل بهذه النسبة للتالف الهالك فإنه ينتهي إلى الخراب حتما. فإذا أضفنا أن هذا الجيش يحمي الحاكم من شعبه كانت الكارثة كارثتين، فإذا أضفنا أن الشعب يكره حاكمه لأن الحاكم يحكمه بغير ما أنزل الله كانت الكوارث أربع، فإذا أضفنا أن أحزاب العلمانيين المعارضة: بأطيافها الليبرالية والماركسية والقومية تؤازر هذا الحاكم ضد أمته ولصالح الغرب خوفا من الإسلام صارت الكوارث بلا عدد .

نعم..

صارت الكوارث بلا عدد.. وتحول السؤال إلى عكسه لينقلب من: كيف وصل الحال بالمسلمين إلى هذا الخزي والهوان؟ إلى: كيف استطاع المسلمون البقاء رغم كل هذه الضراوة للأعداء وخدم الأعداء .




كنت أرقب جهود الإخوان للتغلب على هذا الواقع.. وكنت أدعو لهم.. لكنني – و أعترف- لم أكن أر نهاية للطريق..


كنت أملك اقتراحات غير مدروسة وافتراضات غير مجربة.. كان منها على سبيل المثال أن الوضع السياسي لن يتغير إلا بأمرين: وقف التعذيب ووقف تزوير الانتخابات.. وكنت أتمنى أحيانا أن يحارب الإخوان الطواغيت والجلادين والمزورين بالدم، ولست أعني المواجهة المسلحة، لا لأنها حرام أو باطل أو خروج على القانون، ففي كل دول العالم حدث هذا أو مثله، ولو اكتشف مثل هذا التعذيب والتزوير اليوم في سويسرا أو لندن أو باريس لخرج الشعب هناك ليذبح الجلادين والمزورين، رغم أن هذا التعذيب والتزوير يحدث في بلادنا كل يوم، ولعشرات السنين، دون أن تحاول الأمة ذبح جلاديها، و أنا لا أنادي بمثل هذا، لأن له ضوابطه الشرعية، التي يتحدث عنها الشهيد العظيم في أواخر الكلمات التي كتبها في حياته في أوراقه " لماذا أعدموني" ..( ..في الوقت نفسه لم نكن نملك أن نرد بالمثل لأن الإسلام ذاته لا يبيح لمسلم أن يعذب أحداً، ولا أن يهدر كرامة الآدمية ولا أن يترك أطفاله ونساءه بالجوع، وحتى الذين تقام عليهم الحدود في الإسلام ويموتون تتكفل الدولة بنسائهم وأطفالهم..)


نعم.. لا يملك المسلمون أن يمارسوا مع جلاديهم نفس وسائلهم الخسيسة الكافرة الفاجرة، ثم أن القوة الأسطورية للدولة الباطشة وتعضيد الغرب الصليبي الصهيوني تجعل من المقاومة المسلحة ذريعة للانقضاض والسحق، لذلك كانت المقاومة التي أفكر فيها هي مقاومة السيف بالصدر العاري.. وزخات الرصاص بنافورات الدم المنبثق من القلب، مظاهرات مليونية تلبس الأكفان، استعدادا لتقديم ألف شهيد في كل مظاهرة ، أو حتى عشرة آلاف شهيد. دون مقاومة. يجلسون في الشوارع حتى تأتي الدبابات لتسحقهم فلا يتحركون. ومظاهرات من مئات الآلاف يلبسون الأكفان يحاصرون مقار التعذيب، وجنازات مليونية تخرج لتشييع شهدائه.




وهنا يجب أن أعترف أن من أشد انتقاداتي للحركة الأم أنني لم أكن أؤيدهم فيما ذهبوا إليه من التزام مطلق بعدم العنف مهما بلغ عنف الدولة ضدهم.. ربما أفهم دواعي اتخاذ قرار بعدم ممارسة العنف.. لكنني لا أفهم ولا أقبل اتخاذ قرار بعدم الرد على العنف.. وليس شرطا أن يكون الرد بالعنف. وكنت أرى أن أي نظام باطش يمكن أن يقتل مائة بضمير بارد.. أو ألفا وهو يتوجس.. أو خمسة آلاف وهو يرتعد.. فإذا بلغ العدد عشرة آلاف سيلتهم النظام نفسه وسيسقط.. سيسقط حين يدرك أن الناس لم يعودوا يخشون الموت أمامه. الأمر الآخر هو تسامٍ لم يكونوا هم وحدهم من دفع ثمنه عندما قرروا احتساب ما نالهم من ظلم وتعذيب عند الله سبحانه وتعالى.


في أي دولة حقيقية يحكمها حكام لا وكلاء وسادة لا عبيد يقوم النظام نفسه بالثأر من الجلادين الذين قاموا بالتعذيب.

وكان يمكن أن أفهم – لا أقبل- تسامي الإخوان على الثأر.. لكن ما لم أقبله أبدا هو تنازلهم عن ضرورة قيام الدولة بحساب الجلادين على ما اقترفوه من جرائم.. ولم يكن ذلك من حقهم، وقد ترتب علي تنازلهم ذلك استمرار التعذيب ضدهم وضد سواهم من المسلمين، واستمرار كلاب النار التي مارست التعذيب في الادعاء بأن التعذيب فرية اخترعها الإخوان لتشويه النظام، كلب من هذه الكلاب، وهو لواء فاجر قتل الشهيد كمال السنانيري ( زوج شقيقة الشهيد سيد قطب) وعشرات غيره، ظهر في وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة باعتباره خبيرا في الإسلام السياسي ليحذر الأحزاب من مبادرة الإخوان الأخيرة للحوار مع الأحزاب.




[تحرير] وكيل الصليبيين

- في مناسبة عزاء كنت أعاتب مسئولا كبيرا بالأمن ، كنت أقول له ربما كان يمكن أن تُعذروا بالجهل في فترات سابقة عندما كنتم تصورون لأنفسكم أنكم تحمون الدولة.. ثم تقلص جهلكم لتدركوا أنكم تحمون النظام.. ثم تقلص الجهل لتدركوا أنكم تحمون شخصا واحدا.. ثم انكشفت الفضيحة فإذا هذا الشخص مجرد وكيل للصليبيين والصهاينة.. و إذا به في معظم أرجاء عالمنا الإسلامي دمية يحركونها بالريموت كنترول سابقا.. أما الآن فلم يعد الأمر يحتاج إلى الإخفاء.. انكشف كل شئ .. أنتم الآن تخدمون ثلاثة بصورة مباشرة: إسرائيل و أمريكا والشيطان .. ألا تخجلون.. أليس عندكم ضمير؟.. أليس فيكم رشيد؟!..


وفوجئت بالرجل يقول:

- ماذا نفعل لشعب لا يدافع عن نفسه.. في أي قضية يخرج فيها من الناس ربع مليون للتظاهر ستجدني في مقدمتهم وسوف تستجيب الدولة لهم.


كنت أدرك أن جهود أجهزة الأمن في الداخل تشبه جهود الموساد والسي آي إيه في الخارج.. نفس الآلية ونفس منهج التفكير. وأن سكوت النظام عن الإخوان بعض الوقت لا يعني الاستعداد لفتح صفحة جديدة بل الاستعداد لمذبحة جديدة.

---

كان المنهج واحدا والدافع وحيدا وكان الوقع كارثة.. ولو خضعت الأمور لمقتضيات العقل لوجب انهيار الإسلام منذ زمن لكن :" فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) سورة يوسف. بل إن هذا ما يثير دهشة الغرب وذعره. بالحساب ، كان الغرب ووكلاؤه قد قدموا للرجل المريض أضعاف الجرعة السامة الكافية للقضاء عليه، لكنه لا يموت!! وكانت المقاييس العقلية تنبئ منذ القرن الماضي بأن الإسلام قد أوشك على الاختفاء كدين، لكن هاهو ذا يترعرع.. ويصحو.. وكان من أهم العوامل في ذلك حركة الإخوان المسلمين.

---

إن الإخوان يقدمون لشباب الأمة الغذاء الصالح لتربيتهم.. أما السموم فثمة ألف يد تقدمها.. تنقل لهم دما جديدا لكن الدولة بقوتها الأسطورية تستنزف هذا الدم أو تلوثه.

أنت تنقل الدم لتعوض عن النزيف ولكن سرعة النزف أكبر..

أنت تبني ولكن هناك من يهدم أسرع.. وليس حتما أن يبدو طول الوقت أنه يهدم أسرع مما تبني أنت.. بل قد يكون أنكى أن يدعك تبني جدارا في عام لكي يهدمه هو في لحظة.

وكان ذلك يذكرني بنابليون بونابرت في منفاه في سانت هيلانة.. لم تدخر بريطانيا وسعا في أن تكلف أمهر الأطباء بعلاجه.. لكنها من ناحية أخرى كانت تدس له السم بجرعات محسوبة بدقة ليموت في الوقت المناسب لها سياسيا ( و أظن أن هذا ما تفعله أمريكا الآن مع الرئيس العراقي الحالي والسابق صدام حسين).

في هذا الوضع.. هل تستطيع براعة الطبيب مهما كانت أن تعالج المريض؟!..

في مثل هذه الحالة فإن المجرم القاتل يعرف كل شئ ويحدد دائما الوقت الذي يهاجم فيه ويقتل..

و أظن أن المثل ينطبق على علاقة السلطة بالإخوان المسلمين.. بل ينطبق أيضا على علاقة أمريكا بالعالم الإسلامي كله.. الدواء بيد والسم بيد وميل الميزان لهذا أو ذاك هو الذي يحدد ميعاد الوفاة. دون أي احتمال في أن يستعيد المريض عافيته، وكلما طالت المدة، ازداد استهلاك المريض لمدخراته واحتياطاته لتصبح التجربة غير قابلة للتكرار.

نعم..

نحن أمام مشكلة مروعة..

أمام عدو قوي هائل وخطر يملك الإمكانيات كلها ولا يمل أبدا.. لقد استغرق تحطيم الخلافة قرنين من الزمان.. وكان علينا في مصر أن ننتظر خمسين عاما حتى نكتشف أبعاد الكارثة الفادحة التي دفعت حركة الجيش بالأمة العربية والإسلامية إليها.. وكان علينا أن نتحسر على ما حدث من صلاح سالم وجمال عبد الناصر مع محمد نجيب.. فقد كان هو القاعدة التي تستند عليها الآن أحداث تفكيك السودان..



نعم.. ما تفعله أمريكا في العراق الآن هو استكمال ما فعلته بريطانيا في بدايات القرن الماضي..ولما فعلته فرنسا في بداية القرن السابق له .. نفس الوسائل والأهداف.. وما يتغير فقط هو الزمن.


الشيطان الخارجي الذي يرسم طرق التعامل مع الدول الإسلامية ويخطط لحصارها وغزوها أو تدميرها هو ذات الشيطان الداخلي الذي يحاصر الأحزاب الإسلامية ويجمد النقابات ويقتل الأمة التي تحتضن الإسلام..


نعم.. وليس الشيطان الداخلي إلا وكيلا عن الخارجي.. ونفس القوانين الرهيبة والمناهج المروعة هي بذاتها التي تحكم علاقة أجهزة الأمن بالمسلمين في العالم الإسلامي عموما.. وتجاه الإخوان المسلمين خاصة. تربص و ترصد و إصرار وخطط سابقة التجهيز مصنوعة في الخارج تتمنى الذرائع لكنها لا تتوقف انتظارا لها أو تختلقها إذا لزم الأمر للقضاء على الإسلام والمسلمين .. وكلاب النار لا يكفون عن النباح: لو لم تفعلوا كذا لما حدث لكم كذا وكذا وهم لا يهدفون الحماية مما حدث بل يهدفون إلى شل حركة المسلمين تخوفا مما يمكن أن يحدث بعد أي حركة..


لا تكف كلاب النار أيضا عن النباح: لو أنكم فعلتم كذا وكذا لأحرجتم أعداءكم ولحدث كذا وكذا.. وهم لا يستهدفون بالطبع أن يحقق الإسلام أي نصر بل يستهدفون استدراج المسلمين بعيدا عن الإسلام خطوة خطوة كي يمرقوا من الإسلام كله..


وبين هذا وذلك ليس إلا السم الناقع والهلاك..


انظر إلى الألغام التي وضعتها بريطانيا وفرنسا منذ مائة عام لتقوم أمريكا بتفجيرها الآن.. انظر إلى حلايب وجغبوب والبوريمي وحزب التجمع المصري!!..



ليس معنى هذا أنني أسد كل طريق.. على العكس.. أنا أصرخ بضرورة البحث عن طريق.. وأن يكون طريقا لا هاوية.. وخلاصا لا فخا.. وكنت أدرك أن عدم العثور على طريق يشكل كارثة غير مسموح بها مهما كانت الصعوبات.

لكم أزعجني تحذير الكاتب الأمريكي المسلم جيفري لانج حين كتب تحذيرا وثيق الصلة بما نحن فيه.. فقد كتب يقول:

أنه لنا أن نفرح بالأعداد المتزايدة لمن يعتنقون الإسلام كل عام في الولايات المتحدة الأمريكية.. لكن.. علينا أن ننزعج إلى أقصى حد من عدد الذين يتسربون من الإسلام من أبناء الجيل الأول من المسلمين.. وقدر جيفري لانج نسبتهم بـ90%.. فهؤلاء يكونون مسلمين بالاسم فقط دون شعائر ولا فروض.. بل ودون إيمان. هذا بالضبط ما أخشاه.. أن يحاول الإخوان تربية الشباب..وأن يزداد عدد المنضمين إليهم.. و أن يتضاعف في نفس الوقت عدد المتسربين منهم.. فالدولة بقوتها الأسطورية مدعومة بالمخابرات الأمريكية واتحاد الدول الأوروبية و إسرائيل تقدم للشباب السم..


هل ستجدي تربية الإخوان إذن؟!.


لو أن الإخوان ظلوا يربون الشباب والشابات ألف عام فهل سيردع ذلك جندي الأمن المركزي من منع الناخبين من الوصول إلى صندوق الانتخاب؟ وهل سيمنع العاهرات اللائى يجلبهن الأمن للاعتداء على المحصنات العفيفات اللائى يذهبن للإدلاء بأصواتهن ؟.


ولو أنهم ظلوا ألف عام يربون الناس وظل كمبيوتر الداخلية يزور الانتخابات فهل يمكن أن يشاركوا في السلطة في أي وقت؟.


وكان التساؤل لا يكف عن قرع رأسي دائما: هل نصمت؟ هل يصمتون؟..

بالمقاييس العادية فسوف تستنزف السلطة الباطشة الخائنة الإسلام والمسلمين..

أعرف أن هذا لن يحدث.. فالإسلام حق بذاته مستغن بصفاته ونحن لا نحميه بل هو يحمينا..

نعم ..

تلك هي المعضلة.. ولست أملك لها حلا جاهزا لكن على الحركة أن تجد حلا..



[تحرير] المناورة

إذن.. لم تكن فكرة البحث عن حل غريبة عني.. ولا كانت المناورة مرفوضة.. وعندما أتى الأستاذ محمد مهدي عاكف كنت معجبا بتاريخه وبصموده وبجهاده وبطاقته على العمل في مختلف البلاد والظروف والأعاصير، وبحيويته الفائقة وقدرته الواسعة على المناورة، وهي قدرة لم تحدث منذ المرشد الأول الإمام حسن البنا ( وليس في ذلك تفضيل لهذا أو انتقاد لذاك) ، هذه القدرة غير المتوقعة على المناورة أربكت السلطة الغشوم التي ردت بالاعتقال والتعذيب والقتل –تعذيبا وإهمالا-.. لكنني كنت أخشى أن توقعه المناورة في أخطاء شرعية.. أو أن تتسبب هذه المناورات نفسها في مزيد من النزف .. أو أن تعطي الخصوم ما لا يستحقونه أو تلقي إليهم بطوق نجاة ينقذهم من الغرق.


نعم..


كان ثمة وضع بالغ الأهمية، أظن أنه لم يظفر باهتمام جدير بخطورته، ألا وهو التأصيل الشرعي لجواز التحالف أو حتى الحوار مع العلمانيين بفروعهم الثلاثة: الليبرالية والقومية والشيوعية.

المسلم مكلف بمنهج وهو ما سيحاسب عليه وليس مكلفا بنتيجة.. ولن يحاسب عليها.

والحكم ابتلاء لا نسعى إليه و إنما نسعى أن يحكم سوانا بما أنزل الله. ليس اختيارا منا.. بل ليس لنا الخيرة من أمرنا في أمر قضى فيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.


من الجانب الآخر كنت أسمع متفهما ما يشكو منه كثير من الفصائل الإسلامية الموازية للإخوان، عن تعالي الإخوان عليهم، ورفضها للتعامل معهم. ولقد أثبت من قبل إدانتي للفصائل التي تهاجم الإخوان.. لكنني أيضا أعاتب الإخوان الذين مدوا مناورتهم إلى مجال أظنه يدخل في إطار المحظور الشرعي، كما قبضوها، وكان القبض أيضا حين حدث، ومع من حدث، يدخل في إطار المحظور.


لقد عزيت نفسي في وقت ما، بأن الإخوان ربما يناورون ببراعة، لا بهدف التحالف مع هذا أو ذاك، و إنما بهدف شقهم وزلزلة صفوفهم، ذلك أن أي كتلة من الكتل التي سعوا إلى التحالف معها تنقسم إلى فصيلين رئيسيين: فريق على الباطل لأنه لا يفهم، وفريق على الباطل لأنه يفهم ويقصد ويستفيد، وأولئك هم الانتهازيون والخونة، وهم على استعداد لبيع كل شيء حتى رفاقهم في الحزب نفسه، ولما كانت كل هذه الأحزاب راكدة ركود الطين في المستنقع، فربما ظن بعض قادة الإخوان أنهم بمناورتهم سيحركون هذا الطين.. وربما يحرضون بعض من فيه على الخروج منه.

كنت أعزي نفسي بذلك.. لكنني تلقيت تأكيدات بأن هذا ليس مقصودا.. بل لم يخطر لأحد على بال.




[تحرير] سفينة الإخوان

كنت مقتنعا بضرورة المناورة.. وكنت مدركا لخطورتها.. عندما تهب العواصف والأنواء ويصبح الموج كالجبال فإن أخطر ما يهدد السفينة أمران: الأمر الأول أن تطول حبالها التي تربطها بالمرساة لتتشابك أو لتتركها تندفع إلى قلب الموج فتغرق.. الأمر الثاني أن تكون هذه الحبال قصيرة جدا بحيث لا تسمح للمركب أن تناور.. فتتحطم..


كنت أدرك ذلك وما أزال أدركه..


أدرك أن المناورات كحبال مرساة السفينة.. و أن الإفراط في طولها يغرق كما أن الإفراط في قصرها يحطم..


وفي هذه الأثناء روعني تصرفات – أو مناورات - بعض رجال الصف الثاني والثالث من الإخوان .. حين بدا أنهم لا يعرفون قيمة الإخوان المسلمين في الشارع الإسلامي .. في الجغرافيا وفي التاريخ أيضا.. فبدا أنهم يتسولون اعتراف الآخرين بهم.. فيطير الواحد منهم فرحا بنشر مقال له في قومية حقيرة.. متوهما أنه بذلك يخترق الحصار المضروب على الإسلاميين.. و أعترف أنني كنت أشعر مع هذه المحاولات بالعار وبالخزي.. و بدا أن هؤلاء غفر الله لهم قد انزلقوا من على الصراط المستقيم وهم يبحثون عن أي قناة تربط بينهم وبين الشرعية ( وهي شرعية لا شرعية لها على الإطلاق).. فضلا عن أنها كانت تشكل قصورا مخيفا في الفهم يهبط بفهم الصراع من مستواه المعقد المتشابك المتصل بصراع الأديان والحضارات ، والتي تدبر مؤامراته على أعلى مستويات السرية في أروقة الحكومات ويجند أعوانه وعملاؤه في كواليس المخابرات.. يهبط بفهم الصراع ومفهومه من ذلك المستوى إلى مستوى آخر متدن.. كأنه صراع شوارع وحارات.. يكفي فيه أن يقبل كل واحد منا رأس الآخر كي ينتهي الصراع.


ولقد وصل الأمر بهذا البعض إلى درجة لا تتصور في نفاق القوميين، وتشويه الإسلام كي يوافق هواهم..

متجاهلا.. أن الإسلام نفسه قد رسم له الطريق لإرضائهم.. بأن يترك ملة الإسلام ليتبع ملتهم.. لم يكن عندي أي مانع من مناورة صحيحة في المكان الصحيح وفي الاتجاه الصحيح..


ولقد كان الأمر بالنسبة لي يشبه سفينة ضخمة (هي سفينة الإخوان)، تجري مناورة مع قارب صيد ( هو القوميين أو الشيوعيين أو الليبراليين).. حيث لا تقتصر خطورة المناورة على غرق القارب – وهو كان سيغرق على أي حال – بل يتعداها إلى الخطر على السفينة الضخمة التي يمكن أن تجنح إذا ما اضطرتها المناورة إلى عبور ممر ضحل.. خطر.. لا يجدر بها...خاصة إذا كان هذا القارب الحقير لا يتبع قوات حليفة.. بل هو عميل من الأعداء..


إنني أعتقد أن جزءا آخر من خطورة الأمر يكمن في فخ نستدرج إليه عبر طريق فيه فتحات تغلق وفتحات تفتح لإرغام السفينة على السير في اتجاه معين يتم فيه أو بعده أسرها أو تحطيمها أو إغراقها. نعم..



[تحرير] هل ما يحدث الآن مناورة بارعة من الإخوان المسلمين؟

لذلك لابد أن أتساءل في خوف: هل هناك ما لا أعرفه.. وهل يختبئ فيه ما يمكن أن يطمئنني؟..

وهل ما يحدث الآن مناورة بارعة من الإخوان المسلمين؟..


أم أنه – بالتعبير العسكري – طريق قتل يُجبر الإخوان علي السير فيه تحت ضغط إقناعهم – دون كلمة أو إعلان- أنه لا يوجد سوى هذا الطريق.. وما على القارئ إلا أن يراجع كتبا ككتب مايلز كوبلاند وجلال كشك ليدرك مدى خبرة وبراعة أجهزة المخابرات في ذلك.. بل عليه أن يراجع كيف شرب جمال عبد الناصر نفسه من نفس الكأس عندما استنفدوا أغراضهم منه وبعد أن حقق لهم أغراضهم دفعوه هو إلى طريق قتل طوله عشرة أعوام..( بدا له أنه لا يوجد طريق سواه) .. لكن.. كان في نهاية هذا الطريق مصرعه.


لقد كررت حتى الإملال أن الطرق التي تستعملها أمريكا و إسرائيل ضد الدول الإسلامية هي بعينها التي تستعملها الحكومات العربية مع المؤسسات والهيئات الإسلامية.

وإنني أرجو أن يحتمل القارئ استطرادا طويلا أبين فيه كيف أن أمريكا المجرمة – شعبا وجيشا وحكومة وحاشية- تبدو كما لو كانت تدفع الأمور في اتجاه وهي تقصد شيئا آخر.


في سوريا على سبيل المثال – كما يقول الأستاذ عبد الحميد حاج خضر - كانت كل الأمور تتم تحت السيطرة الأمريكية، ليس بمجرد الخونة والعملاء بل بمساهمة الغباء.


يروي مايلز كوبلاند صاحب كتاب " لعبة الأمم " ، وهو رجل المخابرات الأميركية المعروف، أن جهاز السي آي ايه لا يعتمد على العملاء المباشرين الذين يقبضون رواتبهم ومخصصاتهم منه فقط، يقول أن هذا الجهاز يعتمد بشكل رئيسي على صنف يطلق عليه اسم " الأعداء الحمقى " فالعدو الأحمق أكثر فائدة من الصديق في كثير من الحالات، من ذلك ما يؤكده الأستاذ أحمد عسة صاحب جريدة الرأي العام الدمشقية، قال أنه التقى بعد مغادرته سورية عام 1963 إلى لبنان، التقى في منزل الشاعر سعيد عقل بأحد كبار رجال الخارجية الأميركية، ويومها أكّد له هذا الرجل أن سياسة الولايات المتحدة تقوم على دعم الأنظمة اليسارية في المنطقة، فخبراء السياسة في الولايات المتحدة، أدركوا بدراساتهم أن اليساريين في المنطقة مفيدين لواشنطن بحماقاتهم، أكثر من أي عميل مأجور! وقد برهنت تجربة العقود الأخيرة من السنين مدى صحة هذه المقولة عن فوائد الحمقى . ولنتأمل مثلا في الضغوط الأمريكية الأخيرة على سوريا بسبب تواجد القوات السورية في لبنان. لقد دخلت هذه القوات إلي لبنان بمباركة أمريكية وتغاض إسرائيلي وموافقة عربية وكان نتيجة هذا التدخل كما يقول الأستاذ عبد الحميد حاج خضر هو تصفية التواجد الفلسطيني المقاوم علي الأرض اللبنانية. أيامها وظفت أمريكا سوريا في اتجاه مصالحها، لهم الجعجعة كما يشاءون، ولهم أن ينالوا بريق الصلابة والصمود والتصدي، ووسام المقاوم لأمريكا، ولهم إعجاب العامة وهتافات المخدوعين: بالروح بالدم .. نفديك يا بشار أو يا حافظ.. لكن حافظ أو بشار – بعد أن يبيعا لنا الوهم و الإحساس بالأمل والعزة – لا يملك في اللحظة الحاسمة التخلف عن داعي الجهاد أبدا.. الجهاد الأمريكي.. كما حدث وسط انصعاقات عقولنا المذهولة غير المستوعبة عام 1990 في حفر الباطن.. والآن يحدث نفس الشيء. لأن المطلوب من سوريا أن ترسل جيشها.. ليس إلى حفر الباطن هذه المرة بل إلى الفلوجة ..


في وصف جامع يتناول الأستاذ خضر السلطة في إمبراطوريات الشر والدول التابعة أو التي تقوم بدور وظيفي ضمن هذه الإمبراطوريات ( وهي كل دولنا.. أما بريطانيا و إسرائيل فشركاء و أنداد لا خدم و أتباع).. نعم.. الخدم والأتباع .. أعني دولنا وحكوماتنا ورؤساؤنا وملوكنا وصحفنا وحتى مؤسسات المجتمع المدني عندنا تستحوذ عليهما جماعات أشبه ما تكون بالعصابات، تعرفهم بسيماهم: يكذبون ويتصنعون الصدق، يدعون للدين والفضيلة ويمارسون الإلحاد والهرطقة، يقتلون ويسرقون ويتظاهرون بالسلم والأمانة، يفعلون المنكرات والموبقات ويدّعون المعروف والفضائل، يخونون الأمانة وينتهكون الكرامة ويستمرئون الخيانة، وإذا بطشوا بطشوا جبارين.


ويستطرد الأستاذ خضر:


هل نحن اليوم أمام أحد فصول الباطنية السياسية؟ لقد أتى السيد وليم بيرنز إلي دمشق قبل أيام وبمعيته جوقة كاملة من حملة أسرار الدولة من الطراز الأول. علي سبيل المثال لا الحصر: بيتر رودمان مساعد وزير الدفاع، ماك كيميت الناطق باسم الجيش الأمريكي بالعراق، وروبر دينين مسؤول الشؤون العربية والإسرائيلية في مجلس الأمن القومي، وجوقة علي مستوي رفيع من أهل الاختصاص في وكالة المخابرات الأمريكية والتخطيط العسكري، حيث عقدت جلسة عمل مع نظرائهم من الجانب السوري من أهل القرار في الجيش والمؤسسة الاستخبارية. المسألة اللبنانية كانت هامشية إلي درجة لا تصدق ولا تتناسب مع الزخم الإعلامي الذي أثارته المعارضة اللبنانية، وكأن الأمور تسير وفق المثل العربي (إياك أعني واسمعي يا جارة). المطلبان الأساسيان اللتان طالبت أمريكا سوريا بهما هما:


أولاً : الكشف عن الحسابات السرية لرجال النظام في البنوك السويسرية تمشياً مع قانون مكافحة الإرهاب، وهو المطلب الذي يعتبر أخص خصوصيات السلطة في سورية وفي كل دولة شمولية.


والثاني: أن تبدي السلطة في سورية استعداداً مبدئياً لإرسال قوات كافية إلي العراق لضبط الوضع هناك. ويبدو أن المطلب الأول كان ابتزازا لفرض المطلب الثاني.


ولقد تدخلت مصر كالعادة للقيام بوظيفة المحلل الديوث – التعبير من عندي- للاستجابة للأهداف الأمريكية البعيدة كل البعد عما أوحت به الظواهر من اعتراض أمريكي على وجود القوات السورية في لبنان، أو مد الرئاسة للرئيس لحود، كان المطلوب الذي تسعي أمريكا إليه هو تعريب الاحتلال للعراق، أن تقوم قوات سورية في الأساس – كتلك القوات التي هدمت حلب وسحقت حماة وضربت العراق من حفر الباطن– لتسحق المثلث السني في العراق ولتقتل عشرات الآلاف في الفلوجا ، تحت تغطية وتبرير وتعتيم أمريكي.


القارئ المغيب المخدوع لا يتصور أن سوريا ستفعل ذلك أبدا مستندا إلي عمليات غسيل المخ التي روجت لرومانسيات البعث النضالية- ويمكن للقارئ أن يطبق ذات الكلمات على الناصرية - .


القارئ المغيب المخدوع الذي ما زال يرفض أن يصدق أو حتى يتصور مثل هذه الخيانات لأنه ما زال يرفض أن يصدق أن أقصى آمال أهل السلطة في عالمنا العربي أن تجد لهم المخابرات الأمريكية وظائف - عملاء وخونة – في دولابها الوظيفي.. فتلك الوظيفة: " عميل وخائن" هي أهم مسوغات التعيين في سدة الحكم و أهم مبررات الاستمرار فيه.



هل لاحظ القارئ الآن كيف يبدو الضغط الأمريكي في اتجاه مخادع كي يغطي على الأهداف الحقيقية.. هذا الضغط الأمريكي يشبه ضغط صاحب العمل الداعر على فتيات يعملن عنده، سوف يتصيد لهمن ألف خطأ وخطأ، ويظل هذا التصيد يتصاعد في جميع الاتجاهات، إلا الاتجاه الذي يسعى ذلك الداعر إليه, وهو أن تستسلم تلك الفتاة لغوايته، وبمجرد أن تستسلم، تنتهي كل الضغوط والادعاءات الأخرى على الفور. أليس هذا ما حدث في ليبيا.. مع القذافي..


وفي السودان .. مع البشير..


وفي وضع كهذا.. ستكون أقل الفتيات فضيحة هي أسرعهن استسلاما.. لن يسمع صراخها وهي تنتهك أحد.. لأنها أصلا لن تصرخ .. وانظر إلى الأردن والسعودية.. وإلى مصر أيضا.. بل وتطورت الأمور حتى وجد من يتسول الاغتصاب.



إنني أضرب الأمثال لمجرد تقريب الصورة، و أسوأ ما يمكن أن يفعله القارئ أن ينشغل بالمثال – الخيال- عن الواقع – الحقيقة-.


فما أريد أن أقوله هنا، أنه منذ عام 1945، بداية العصر الأمريكي، كان الصراع وحشيا وهائلا ورهيبا بين إمبراطوريات الشر، ومن المضحك أن نجد من يقول اليوم أن أمريكا فوجئت بحركة الضباط الأحرار كي لا يتورط في الاعتراف بالحقيقة. رغم أنه يستطيع أن يدافع بطريقة أخرى، وهي أن ضباط الحركة وجدوا تناقضا بين القوى التي تحكم العالم فأرادوا اللعب على هذه الحبال..


و أريد هنا أن أقول أيضا، أنه ما من حكومة عربية و إسلامية إلا كانت تحت نفس السيطرة أو سيطرة أشد، وكان بعض هذه الحكومات والدول، كالجواري، أو كالعبيد ينتقلون من السيد البريطاني أو الفرنسي إلى السيد الأمريكي دون تمرد أو ثورة، في خضوع كامل، ودون إحساس بالظلم، ولابد أن القارئ يدرك من أعني، ولا داعي لذكر أسماء هذه الدول لأسباب قانونية، لكننا نقرر، أن عبد الناصر وثورة 23 يوليو ، بدوا وسط هذا الإطار أشجع و أفضل من الجميع.. لكن ما لم يدركوه في الوقت المناسب.. أنهم كانوا جميعا في نفس السلة، و أنه حتى بين الجواري والعبيد، تتفاوت الأسعار والقيمة.. بل والقيم أيضا.. فهناك جارية لا تصلح إلا للأعمال القذرة بشتى أنواعها.. وهناك عبيد يقودون دولا وجيوشا مثل كمال أتاتورك. لكنه يظل في النهاية عبدا، يضخم سيده من قيمته طالما ظل عبدا.. فإذا تمرد سحقه.


وهنا أيضا لابد أن نقول أن الكثيرين من هؤلاء العبيد لا يكتشفون الخدعة في الوقت المناسب.


وهنا أخشى أن يفلت مني الخيط وأطيل..

لكنني في هذا الإطار أؤكد أنه ليس هناك إلا حل واحد.. هو المواجهة.. وفي إطار خلل توازن القوى المروع.. فإن هذه المواجهة لا يمكن أن تتم إلا بالجهاد.. الجهاد كما فرضه الإسلام.. وحذرنا أننا سنذل بدونه.


و لشد ما أخشى أن يكون ما يحدث مع الإخوان المسلمين ليس مناورة بارعة منهم بل استدراجا لهم بسد جميع المنافذ أمامها وترك منفذ واحد فقط لإرغامها على السير فيه. هذا الطريق هو طريق القوميين واليساريين أو حتى الليبراليين. وهذا الطريق هو طريق الهلاك.



[تحرير] إنما هو الإسلام فقط ..

نعم.. لقد ساق الله قوميا ناصريا حتى النخاع لكي يكشف وجها من وجوه المسألة طالما حذرنا منه كمخطط، وهاهو الآن يأتي كاعتراف، إذ اعترف الأستاذ حسنين كروم في إطار إدانته الصارخة وعتابه المرير لحزبه الناصري العاجز، والذي لم يستطع استغلال الظرف وانتهاز الفرصة التي أتاحها له نظام الحكم في مصر لكنه لم يستغلها و: " لم يفعل الحزب شيئاً رغم أن النظام أفسح له المجال سنوات ليضرب به الإخوان والجماعات الإسلامية فلم يتمكن من استغلال الظروف .. "..


ومع ذلك نفاجأ برجال طيبين أفاضل مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح يبحثون عن شرعية للإخوان على صفحة من صفحات صحيفة الحزب الناصري، الذي لم يكن له أن ينشأ أو يستمر إلا بغرض وظيفي واحد، هو إعادة تمثيل الدور الذي قام به صلاح دسوقي وشمس بدران وحمزة البسيوني وفؤاد علام ، ليس ضد الإخوان المسلمين ، بل ضد الإسلام، في الخمسينيات والستينيات، برعاية مباشرة وتخطيط كامل من المخابرات الأمريكية. ليس الأمر أمر اختلاف أو خلاف.. ولا يتعلق برؤى داخلية.. و إنما كان من البداية قيام قوة خارجية عدوة للإسلام بتوظيف فئة من الأمة ضد باقي الأمة.


إن السذاجة السياسية هي وحدها التي تصور للبعض إمكانية التصالح أو التحاور بين مثل هذه الفئات.. السذاجة السياسية..


و أرجو ألا يكون الأمر أسوأ من ذلك.. لأنني أفترض حسن النية.. ولا أتصور أن يسعى أحد لمثل هذا الصلح أو الحوار لأنه تعب من الجهاد ..


نعم..

سذاجة..

كتلك التي تخيل للبعض أن إسرائيل يمكن أن تتعايش وتعيش في المنطقة.. أو أن الذئب يتصالح مع الغنم والحية الرقطاء مع فراخ الطير.


إسرائيل وجدت لكي تؤدي وظيفة.. والوظيفة هي تفتيت العالم الإسلامي و إضعافه.. ووجودها مرتبط بوظيفتها.. فإن توقفت عن أداء وظيفتها انتهى وجودها.. العلمانية أيضا – بفروعها الثلاثة:- الناصرية والوفد واليسار- تركيب وظيفي.. ووظيفته القضاء على الإسلام.. فإذا انتفت وظيفتها انتهى وجودها. الصلح إذن غير وارد.. والحوار غير ممكن..

نعم أخشى من أن يكون كل ما يحدث مجرد استدراج للإخوان.. استدراج يتم فيه اختزال الوضع العالمي لحركة الإخوان إلى مجرد حزب مصري كبقية الأحزاب.. واستدراج يتم فيه اختزال الوضع الهائل للمرشد ليحبس في تلك النماذج الكاريكاتورية الهازلة لرؤساء أحزابنا المعارضة.. الأمر استدراج يتم فيه تقزيم العملاق وتلويث النظيف وتدنيس الطاهر كي تتساوى الرؤوس. المرشد العام، حتى لو اختلفنا معه، بل ومهما اختلفنا معه، أكبر من كل هذا الصغار الذي يليق بصغار هم أشد سوءا من السوء ذاته، وأقصد بالسوء ذاته حكومتنا ، أما الأشد سوءا فأحزابنا الرسمية المعتمدة بخاتم النسر من مباحث أمن الدولة، أحزاب معارضتنا، حيث الكذب والتآمر وحسابات المكسب والخسارة والتجارة والشطارة والاستعداد للخيانة عند أول مفترق طرق خاصة إذا كان ثمن الخيانة مقعدا يحمل الحصانة. فضيلة المرشد أكبر من يزايد عليه أفراد كسامي شرف ورفعت السعيد بله أن يظنوا أنهم أصبحوا أقرانه.... والأمر ليس كبرياء مرذولا ولكننا نحب استعلاء المؤمن وغلظته على الكافر.. نعم.. الكافر.. عميل المخابرات السوفيتية بالأمس، والأمريكية اليوم وغدا، والموساد أمس واليوم وغدا!!.. مكانة المرشد يجب أن تكون كمكانة الإمام المجاهد العز بن عبد السلام حين أتاه من يعده أنه إذا ذهب إلى السلطان وقبل يده فسيعفو السلطان عنه.. فإذا بالعز يجيب: يا مسكين أنا لا أرضى أن يأتي السلطان إلى ليقبل يدي فأعفو أنا عنه فكيف أقبل أنا يده؟!.. وفضيلة المرشد أكبر من أن يزايد عليه الفاسق أيضا.. أو عميل المباحث العامة أو المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة.. مكان ومكانة فضيلة المرشد أكبر من مقام الحكام والسلاطين والملوك، لا تقديسا لبشر، فأي فرد مستقيم، بل محدود الانحراف، في عالمنا الإسلامي، هو أفضل من حكام باعوا وخانوا وفرطوا وحالفوا الأعداء لهدم دينهم وهزيمة أمتهم.. المرشد إذن أكبر من السلطان وليس فقط أكبر من خدم السلطان الذين يدعون أنهم يعارضون السلطان بينما هم لا يفعلون إلا أنهم يقومون بتمثيل دورهم في الخطة.. خطة مواجهة الإسلام للقضاء عليه... أقول أن الأستاذ محمد مهدي عاكف يجب أن يتردد كثيرا لو دعاه الحكام للاجتماع بهم.. فما بالك إن كان لا يذهب لمقابلة الحكام بل لمقابلة خدم الملوك وصبيانهم و أدواتهم لحرب الإسلام والمسلمين. أكرر أن أشد ما أخشاه أن ما نحسبه مناورة منا قد يكون طريق قتل استدرج الإخوان المسلمون إليه، و إن الذي تفعله السلطة الباطشة الغاصبة طول الوقت بإيحاء من الصليبيين واليهود هو محاولة حشر الإخوان المسلمين في حزب يمكن القضاء عليهم فيه.. و إنه ليخجلني، أنني بدلا من أن أذهب إلى شيوخنا في الإخوان لأتلقى عنهم ، أن أجد نفسي مرغما على تذكير بعضهم وعلى تعليم بعضهم الآخر، بعضا مما أفاءه الله علينا، لا من علمنا نحن، بل من علم شهداء الإخوان.. وعلى رأسهم الشهيد العظيم – بإذن الله- : سيد قطب. ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم من مثل ذلك الاستدراج ومثل تلك المناورات؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا في : " معالم في الطريق": ".. ليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان .. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل .. فالجاهلية هي الجاهلية ، الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي .. الإسلام وهو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام ! الجاهلية هي عبودية الناس للناس : بتشريع بعض الناس للناس ما لم يأذن به الله ، كائنة ما كانت الصورة التي يتم بها هذا التشريع .. ! والإسلام هو عبودية الناس لله وحده بتلقيهم منه وحده تصوراتهم وعقائدهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم والتحرر من عبودية العبيد ! هذه الحقيقة المنبثقة من طبيعة الإسلام ، وطبيعة دوره في الأرض ، هي التي يجب أن نقدم بها الإسلام للناس : الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء ! إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية . لا من ناحية التصور ، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية . وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية ، يقبله الإسلام ويرضاه .. فنظرة الإسلام واضحة في أن الحق واحد لا يتعدد ، وأن ما عدا هذا الحق فهو الضلال . وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج . وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ، وإما شريعة الله ، وإما الهوى .. ألم يحذرنا شهيدنا الغالي ؟! ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا: لم يجيء الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم .. سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام ، أو ما تخوض البشرية فيه الآن ، في الشرق أو في الغرب سواء .. إنما جاء ليلغي هذا كله إلغاءً ، وينسخه نسخاً ، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة . جاء لينشئ الحياة إنشاءً . لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقاً ، وترتبط بمحوره ارتباطاً . وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية . ولكنها ليست هي ، وليست منها . إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع . (...).. ولأن هذا هو الفارق الأَصيل بين طبيعة منهج الله ومناهج الناس ، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد ، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد . ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك . وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به . فكذلك هو لا يقبل منهجاً مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء . لأن هذه هي تلك على وجه اليقين . ألم يحذرنا شهيدنا الغالي ؟! ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا: يجب ألاَّ ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية ، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية .. بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعاً .. وإنما هو الإسلام فقط ! الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل ، وأوضاعه المستقلة . الإسلام الذي يحقق للبشرية خيراً مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع . الإٍسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير . وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو ، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام ، في ثقة وقوة ، وفي عطف كذلك ورحمة .. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل . وعطف الذي يرى شقوة البشر ، وهو يعرف كيف يسعدهم . ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى ! لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً . ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة .. سنكـون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هـذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فهيا خبث ، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون ، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد ، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم (...) هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام . لأن هذه هي الحقيقة ، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة . سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم . أم في أي مكان خاطب الناس فيه . انظر إليهم من عل ، لأن هذه هي الحقيقة . وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته . وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته .. ولم يقل لهم أبداً : إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة ! أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها .. كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان : " ديمقراطية الإسلام " ! ومرة تحت عنوان " اشتراكية الإسلام " ! ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة !!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات !


[تحرير] ألم يحذرنا شهيدنا ؟!

ألم يحذرنا شهيدنا ؟! ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا : " وليس في إسلامنا ما نخجل منه ، وما نضطر للدفاع عنه ، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً ، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .. " المسلمين " .. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية ، أو يتلمس من أعمال " الحضارة " الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور .. إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس . وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب ، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية . وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه ، كأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتهام ! ألم يحذرنا شهيدنا ؟! ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا: " إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية . ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية والسير معها خطوات في أول الطريق ، كما قد يخيل إلى البعض منا .. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق" .. (...) ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات ، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا ، إنما هي المخالطة مع التميز ، والأخذ والعطاء مع الترفع ، والصدع بالحق في مودة ، والاستعلاء بالإيمان في تواضع . ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم ؟! ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا : " أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها ، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ، وردّه كله إلى الله .. السلطان على الضمائر ، والسلطان على الشعائر ، والسلطان على واقعيات الحياة ، والسلطان في المال ، والسلطان في القضاء ، والسلطان في الأرواح والأبدان .. كانوا يعلمون أن " لا إله إلا الله " ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية ، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب ، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله ..".. ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم ؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يكشف لنا حيل أعدائنا في عبقرية لا تساويها عبر قرون عبقرية، إلا عبقرية وصفها الأستاذ على الطنطاوي بقوله: سيد قطب وقع على كنز من كنوز القرآن، كأن الله ادخره له، فلم يعط مفتاحه لأحد قبله، حتى جاء هو ففتحه..".. ألم يكشف لنا عمق الهاوية وهاوية الخراب التي قد نندفع إليها إذا ما نحينا العقيدة في سبيل السياسة أو الاقتصاد أو العصبية أو.. أو .. ألم يقل لنا الشهيد العظيم محذرا من عمق الهاوية التي يوشك الإخوان الآن على بلوغ مشارفها: " لقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين ، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب ، إنما هي في أيدي غيرهم من الأجناس ! بلاد الشام كلهـا في الشمال خاضعة للروم ، يحكمها أمراء عرب من قِبَل الروم ، وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس ، يحكمها أمراء عرب من قبل الفرس ، وليست في أيدي العرب إلا الحجاز وتهامة ونجد ، وما إليها من الصحاري القاحلة التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك ! وربما قيل : أنه كان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الأمين الذي حكَّمه أشراف قريش قبل ذلك في وضـع الحجر الأسود ، وارتضوا حكمه ، منذ خمسة عشر عاماً قبل الرسالة ، والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسباً .. إنه كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات ، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الامبراطوريات المستعمرة .. الرومان في الشمال والفرس في الجنوب .. وإعلاء راية العربية والعروبة ، وإنشاء وحدة قومية في كل أرجاء الجزيرة . وربما قيل : أنه لو دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة ، بدلاً من أن يعاني ثلاثة عشر عاماً في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة! وربما قيل : أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان خليقاً - بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ، وبعد أن يولّوه فيهم القيادة والسيادة ، وبعد استجماع السلطان في يديه ، والمجد فوق مفرقيه - أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعث بها ، في تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَّدهم لسلطانه البشرى ! ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجِّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا التوجيه ! إنما وجهه إلى أن يصدع بـ " لا اله إلا الله " ، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء ! لماذا ؟ إن الله - سبحانه - لا يريد أن يُعَنِّت رسوله والمؤمنين معه . إنما هو -سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق ، ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي ، إلى يد طاغوت عربي . فالطاغوت كله طاغوت ! إن الأرض لله ، ويجب أن تخلص لله . ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية : " لا إله إلا الله " . وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو فارسي ، إلى طاغوت عربي . فالطاغوت كله طاغوت ! أن النـاس عبيد لله وحده ، ولا يكونون عبيداً لله وحده إلا أن ترتفع راية : " لا إله إلا الله " - لا إله إلا الله كما يدركهـا العربي العارف بمدلولات لغته ، : لا حاكمية إلا الله ، ولا شريعة إلا من الله ، ولا سلطان لأحد على أحد ، لأن السلطان كله لله ، ولأن " الجنسية " التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة ، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله . وهذا هو الطريق .. وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين ، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعاً للثروة والعدالة . قلة قليلة تملك المال والتجارة ، وتتعامل بالرِّبا فتتضاعف تجارتها ومالها . وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع . والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة ، وجماهير كثيرة ضائعة من المال والمجد جميعاً ! وربما قيل : أنه كان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعها راية اجتماعية، وأن يثيرها حرباً على طبقة الأشراف ، وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ، ورد أموال الأغنياء على الفقراء! وربما قيل : أنـه لو دعا يومها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدعوة ، لانقسم المجتمع العربي صفَّين : الكثرة الغالبة مع الدعوة الجديدة في وجه طغيان المال والشرف والجاه ، والقلة القليلة مع هذه الموروثات ، بدلا من أن يقف المجتمع كله صفّاً في وجه " لا اله إلا الله " التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس ! وربما قيل : أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة ، وتوليه قيادها ، فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها ، أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه ، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبَّدهم لسلطانه البشرى! ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجهه هذا التوجيه.. لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق .. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثـق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل ، يرد الأمر كله لله ، ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة التوزيع.. ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم من ذلك؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا: لَمَّا تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء .. لَمَّا تقررت في القلوب " لا إله إلا الله " .. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون .. تطهرت الأرض من " الرومان والفرس " .. لا ليتقرر فيها سلطان " العرب " . ولكن ليتقرر فيها سلطان " الله " .. لقد تطهرت من سلطان " الطاغوت " كله .. رومانياً ، وفارسياً ، وعربياً ، على السواء . ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم من ذلك؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا : " والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وأن يصوغ قوالب نظام ، وأن يصوغ تشريعات للحياة .. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلاً تحكيم شريعة الله وحدها ، ورفض كل شريعة سواها ، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه .. الذين يريدون من الإسلام هذا ، لا يدركون طبيعة هذا الدين ، ولا كيف يعمل في الحياة .. كما يريد له الله .. إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية ، ومناهج بشرية، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم ، رغبات إنما تنشئـها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة .. يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض ، تواجه مستقبلاً غير موجود .. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده .. عقيدة تملأ القلب ، وتفرض سلطانها على الضمير ، عقيدة مقتضاها ألاَّ يخضع الناس إلاَّ لله ، وألاَّ يتلقوا الشرائع إلاَّ منه دون سواه .. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم ، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم ، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية ، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك . هذا ما يريده الله لهذا الدين .. ولن يكون إلا ما يريده الله ، مهما كانت رغبات الناس ! ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم من ذلك؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا: " ولقد يخيل لبعض المخلصين المتعجلين ، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين ، وطبيعة منهجه الرباني القويم ، المؤسس على حكمة العليم الحكيم وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة .. نقول : لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس ، مما ييسر لهم طريق الدعوة ، ويحبب الناس في هذا الدين ! وهذا وَهْمٌ تنشئه العجلة ! وَهْمٌ كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون : أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية ، أو راية اجتماعية ، أو راية أخلاقية ، تيسيراً للطريق! إن القلوب يجب أن تخلص أولاً لله ، وتعلن عبوديتها له وحده ، بقبول شرعه وحده ، ورفض كل شرع آخر غيره .. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه ! إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله ، والتحرر من سلطان سواه ، لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل . إن نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يوماً كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيّاً كان ، ورفض كل شرع غيره أيّاً كان ، هو ذاته الإسلام ، وليس للإسلام مدلول سواه ، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية ، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان ! ألم يحذرنا شهيدنا الغالي العظيم من ذلك؟! ألم يحذرنا؟!.. ألم ير بنور الله؟!.. ألم يقرأ بنور الله؟!.. ألم يقل لنا : " إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا - نحن أصحاب الدعوة الإسلامية - منهجاً خاصاً للتفكير ، نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض ، والتي تضغط على عقولنا ، وتترسب في ثقافتنا .. فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا الدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته ، من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة ، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية ، وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا ، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا . والأمر من هذه الناحية يكون خطيراً كذلك ، والخسارة تكون قاتلة." (...) إن الجاهلية التي حولنا - كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية ، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي - هي كذلك تتعمد أحياناً أن تحرجهم . فتسألهم : أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه ؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة ! كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية والبحوث الفقهية الإسلامية . وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون بأن تحكمهم شريعته ، ولكنهم فقط لا يجدون من " المجتهدين " فقهاً مقنناً بالطريقة الحديثة ! .. وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمة ! إن الجاهلية لا تريد بهذا الإحراج إلا أن تجد لنفسها تعلة في نبذ شريعة الله ، واستبقاء عبوديـة البشر للبشر .. وإلاَّ أن تصرف العصبة المسلمة عن منهجها الرباني ، فتجعلها تتجاوز مرحلة بناء العقيدة في صورة حركية ، وأن تحول منهج أصحاب الدعوة الإسلامية عن طبيعته التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة ، وتتحدد ملامح النظام من خلال الممارسة ، وتسن فيها التشريعات في مواجهة الحياة الإسلامية الواقعية بمشكلاتها الحقيقية . ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة ! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم ! من واجبهم ألا يستخفهم الذين لا يوقنون ! ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج ، وأن يستعلوا عليها ، وأن يرفضوا السخرية الهازلة في ما يسمى " تطوير الفقه الإسلامي " في مجتمع لا يعلن خضوعه لشريعة الله ورفضه لكل شريعة سواها . من واجبهم أن يرفضوا هذه التلهية عن العمل الجاد .. التلهية باستنبات البذور في الهواء .. وأن يرفضـوا هذه الخدعة الخبيثة ! ومن واجبهم أن يتحركوا وفق منهج هذا الدين في الحركة . فهذا من أسرار قوته . وهذا هو مصدر قوتهم كذلك . إن " المنهج " في الإسلام يساوي " الحقيقة " . ولا انفصام بينهما . وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية . والمناهج الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية . ولكنها لا يمكن أن تحقق منهجنا . فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية .. { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } ..


[تحرير] حركة الإخوان حركة شرعية

لو تركت العنان لنفسي يا قراء ويا معشر الإخوان المسلمين لما تركت الكتابة حتى آتي على المعالم كلها ثم أنتقل لآتي على الظلال كلها ثم أنتقل إلى باقي كتب الشهيد العظيم.. لكنني أكتفي – رغم ما أعج به من لواعج الشوق والحنين – بالكف عن الاستطراد والعودة إلى ما كنا فيه.. إلى الحوار المقترح بين الإخوان المسلمين الأخيار والعلمانيين الأشرار.. إلا أنني هنا أقول أنني تعمدت هذا الاستشهاد الطويل من الشهيد العظيم لأسباب عدة، ربما يكون آخرها التأثير على الحوار الذي اقترح بين الإخوان والعلمانيين:(وفديين وناصريين وشيوعيين)، فمن الناحية العملية على الأقل، فقد فشل هذا الحوار، بسبب رفض الأحزاب الشرعية(!!!) انضمام الإخوان إليهم( الإخوان هم أصحاب المبادرة أصلا). والأمر يشبه أن تعقد الدول العربية اجتماعا فترفض حضور الفلسطينيين لأن الإسرائيليين لا يعترفون بهم. إلا أن الأمر المهزلة يتجاوز في سخريته ذلك، فإن هذه الأحزاب الشرعية (!!!) المطالبة بالإصلاح والديموقراطية، ترفض انضمام الإخوان المسلمين لسببين.. أحدهما حقيقي .. السبب الأول هو إدراك هذه الأحزاب الديموقراطية جدا أن الإخوان يشكلون أغلبية كاسحة ستبتلعهم، لذلك فلا أمل في مواجهتهم إلا بمنعهم ( الحل الديموقراطي حتى بمفهومهم يفرض عليهم جهدا لم يتعودوا على بذله، لقد تعودوا على العطايا والهبات والرشاوى والعضويات الممنوحة هبة من السلطان) والعضوات وكم هو مضحك أن يستعملوا نفس الوسائل التي يستعملها النظام، ألا وهي المنع. أما السبب الثاني الذي يدعونه فهو أن حركة الإخوان حركة شرعية لأن النظام لا يعترف بها.. إذن.. إن كانوا ينظرون بكل هذا الاحترام إلى سلطة الدولة التي تمنح الشرعية لمن تشاء و أن تمنعها عمن تشاء، و إذا كانوا يبيحون ويعترفون بشرعية حق الدولة في إقصاء الإخوان المسلمين، فلماذا لا يتبعون النسق ذاته، ليعترفوا بحق الدولة في إقصائهم هم أيضا!!.. إنني لا أملك هنا إلا إحساس الاشمئزاز والغثيان.. فهذا الذي يجري ليس سياسة أحزاب متصارعة بل أمر داعرات متنافسات على قواد.

الأمر الآخر الذي دفعني للإطالة في الاستشهاد بشهيدنا الغالي العظيم أن أجذب مزيدا من الشباب لقراءته، أولئك الذي قُــدم إليهم الشهيد محاطا بإعلام الشيطان على غير حقيقته، كأعظم كاتب في العالم الإسلامي خلال القرون الخمسة الأخيرة كما يصفه كاتب علماني هو محمد جابر الأنصاري. الأمر الثالث ، هو لكي أكشف جزءا من المؤامرة، لأن أخطر ما اتهم به سيد قطب، اتهامات حقيقية لا اتهامات ذلك اللواء الخائن الرقيع المجنون، ولا تلك الكلاب المسعورة التي لم تكف عن نهشه، أقول أن أخطر ما اتهم به هو كتابه: " معالم في الطريق".. وفي هذا الكتاب ، يظهر بلا أي شبهة في الخطأ، أن ما سعي إليه الشهيد العظيم ، لم يكن الوصول إلى الحكم، ولا تحقيق العدالة الاجتماعية، ولا حتى تحرير الأجزاء المغتصبة من بلادنا، و إنما كان كل جهده لتربية الناس على مفهوم لا إله إلا الله.. وعندما يفهمها الناس على حقيقتها سيتحقق لهم النصر والعدالة والحكم. الأمر الرابع، و إن كان ليس الأخير، هو أن أحذر الأمة، من أن عبد الناصر ليس حلا، والقومية ليست سوى كارثة، و أن أمريكا، التي استفادت من عبد الناصر أكثر من استفادتها من أي زعيم آخر في المنطقة (القضاء على الشيوعية في العالم العربي، سحق تنظيم الإخوان المسلمين في مصر وإصابة التنظيم العالمي بالشلل، أما الهدف الثالث، والذي حقق عبد الناصر بصورة غير مباشرة، فهو أنه منح إسرائيل أعظم انتصارات في حياتها، انتصارات تفوق أعظم أحلامها جنونا). لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية إلا بقدر ما يشكل ذلك هاوية يمكن أن نهوي إليها مرة أخرى كي ننزلق إلى أرض التيه نصف قرن آخر، نتأخر فيه عن " لا إله إلا الله" لتطول هزائمنا وتتأخر انتصاراتنا .. لأنه لا انتصار لنا بغير لا إله إلا الله.. لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية.. ولا أنا أهرب من واقع مذل مهين إلى أضابير التاريخ كي لا أواجه الحاضر.. و إنما أكتب في التاريخ كي أواجه الحاضر ولكي أحذر من تكرار الكوارث كما تكررت كارثة 56 العسكرية في 67.. والقارئ الذي يتابع هذه المقالات يذكر أنني عندما بدأت الكتابة عن حادث المنشية منذ شهور صارحت القارئ منذ البداية أنني لا أكتب ما أكتب إلا تحذيرا من تكرار المأساة في الرياض.. وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك.. ودعنا من التفاصيل.. فقد تمكنت السلطة الحاكمة في النهاية من ترويع الشعب العربي هناك.. ومن ترويع العلماء.. وتحويل الكثيرين منهم إلى فقهاء سلطان.. يفتون في سبيل الشيطان الرجيم وليس الله الرحمن الرحيم.. نعم.. يجب أن نعترف ونحن نواجه الكارثة أن شعبنا العربي في المملكة العربية السعودية قد هزم في مواجهته للسلطة تماما كما هزم الشعب المصري في مواجهته للسلطة عام 54 .. وفي الحالين.. كان الشعب يمثل الإسلام.. وكانت السلطة تمثل أعداء الإسلام.. لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية.. ولا أنا أهرب من واقع مذل مهين إلى أضابير التاريخ كي لا أواجه الحاضر.. وعندما كتبت عن السودان منذ 54 كنت أكتب كي أكشف غباء العسكريين في تناول شئونه وكيف يقودون الأمور إلى الكارثة.. وهو ما حدث عام 1954.. وهو ما يحدث الآن عام 2004.. لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية.. ولا أنا أهرب من واقع مذل مهين إلى أضابير التاريخ كي لا أواجه الحاضر.. ولو أن عبد الناصر رغم كل أخطائه وجرائمه قد ترك لنا على سبيل المثال جيشا قويا أو سلاحا نوويا.. نعم.. سلاحا نوويا.. سلاحا نوويا يحمينا من كل المذلة والهوان والخضوع والانكسار التي نعانيها الآن لدعوت الله أن يغفر له.. لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية.. ولا أنا أهرب من واقع مذل مهين إلى أضابير التاريخ كي لا أواجه الحاضر.. إنما أعود إلى التاريخ.. محاولا التخلص من شعوري بالغضب كلما تذكرت أنني كنت واحدا من المخدوعين.. ليس في الاعتراف بعبد الناصر كبطل بل في عدم الاعتراف به كمجرم.. و أعود إلى التاريخ مكتشفا من جديد أنه ما من نبي اتبعته هذه الكثرة الكاسحة بل كان الأنبياء يمكثون بضعة عشر عاما فلا يتبعهم إلا بضعة عشر فردا من المؤمنين.. إلا مسيلمة الذي اتبعه عشرات الآلاف في بضعة شهور.. أما أتباع عبد الناصر فقد كانوا أكثر من أتباع مسيلمة.. واستغل هو أنهم يهيمون به حبا بل يكادون يموتون فيه عشقا لا ليأمرهم بالزحف على قصور الحكم كي تتوحد أمة العرب – دعنا الآن من المسلمين فنحن نحاكمه بمبادئه هو- ولا هو ساق هذه الجماهير لتحارب إسرائيل – هل كانت إسرائيل – بل أمريكا – تصمد لحرب شعبية استشهادية جهادية في الخمسينيات ( قبل هزيمة 67 الساحقة ) استغلهم لا ليبنى جيشا هائلا بل ليبنى رعبا هائلا وشرطة هائلة .. واستغلهم لا ليصنع قنبلة نووية بل صواريخ عاجزة لم تستعمل قط استغلهم لا ليدخل انتخابات ينجح فيها بل ليعلمهم تزوير انتخابات كان يمكنه النجاح فيها دون تزوير لكنها الاستهانة بالدين وبالقيم وبالأمة.. استغلهم ليحول بلاغة اللغة العربية إلى بلاغة العامية – وليس للعامية أي بلاغة إلا هدم التراث والموروث- استغلهم ليعلم صفوته القسوة والوحشية.. أليس هو الذي جعل من الضابط الحر صفوت الشريف مسئولا عن قسم الفنانات والباقي يعرفه الناس.. أليس هو من جعل التعذيب شيئا طبيعيا لا يخجل الناس من ارتكابه لنظل نتلظى بذلك حتى اليوم.. أليس هو من ضيع السودان.. بل وسوريا.. بل والقدس.. أليس هو الذي مهد التربة لنجاح كل خطط الأعداء ضدنا.. أليس هو أول من جعل الدولة تحتفل بالكفر وتدافع عنه وتذكروا الكتب الحمراء.. وتذكروا دفاع سلطته و إصرارها على أغنية تقول بعض كلماتها الكافرة – أستغفر الله العظيم – تقول: قدر أحمق الخطى. لست شغوفا بالهجوم على عبد الناصر والناصرية والقومية.. ولا أنا أهرب من واقع مذل مهين إلى أضابير التاريخ كي لا أواجه الحاضر.. وما كان أغناني عن كل ذلك.. ولو إكراما لخاطر بعض إخوتنا من الفلسطينيين المخدوعين فيه.. و إكراما لخاطر الكثيرين من إخوتي و أصدقائي وزملائي في الصحيفة- صحيفة الشعب- مثل الأستاذ محمود شنب الذي أعرف أنه يكن لعبد الناصر الكثير من الحب وما زال يعتبر في اتباع طريقه وطريقته حلا.. و إنني أناشده أن يعبر عن وجهة نظره لا يخشى في الحق لومة لائم.. ولست أدعي أبدا أنني على صواب مطلق. ما كان أغناني أيضا أن أجرح مشاعر أخ عزيز كالأستاذ صلاح بديوي.. بل كالأستاذ مجدي حسين و إن كان على مستوى آخر.. ليس هو مستوى الحب و إنما مستوى المواءمات السياسية خاصة أن عتابا كثيفا كان يوجه إليه في المؤتمرات التي يحضرها خارج مصر من القوميين العرب بسبب مقالاتي.. خاصة أنه شغل في فترات عديدة مراكز الصدارة في هذه المؤتمرات التي تحاول التقريب بين القومية والإسلام. ما كان أغناني.. ويعلم الله كم أتألم إذ أكتب.. وكم أتألم إذ أبتعد عن الساحة المشتعلة لأكتب فيما أكتب فيه.. لكنني أدرك أننا استدرجنا جميعا إلى أرض قتل سوف نهزم في كل معاركنا فيها ما لم نغير منطلقاتنا. وما لم نفهم.. وما لم نعد إلى الولاء والبراء و إلى صلابة الإيمان الكفيلة بكسر أعدائنا. ما كان أغناني عن كل ذلك لولا أنني أرى أن كل نبتة شر سامقة نراها الآن لها بذورها في فترة عبد الناصر. حين تم تدشين الفصل ما بين الحلال والصواب والحرام والخطأ وتم تجريح القداسة واللغة والدين والديموقراطية والحرية و إنسانية الإنسان.. ما كان أغناني عن كل ذلك لولا أنني أرى أن ما نجح فيه عبد الناصر بنجاح ساحق حين أضعف رابطة الإسلام و أعلى رابطة القومية فانفصمت كل الروابط ولم تبق إلا الرابطة الأمريكية حتى أن الدولة العربية لا تستطيع مساعدة دولة عربية إلا بإذن أمريكي. كانت القومية هي السلاح الفاسد الذي ارتد إلى صدور المسلمين. ما كان أغناني عن كل ذلك لولا أنني أري أن أمريكا قد استعملت مصر في تجربتين طبقتهما بعد ذلك على العالم آملة أنها غيرت بهما وجه العالم وتريد أن تسيطر بهما على التاريخ. التجربة الأولى هي كيف يمكن لفرد، ليس له خلفية سياسية ولا حزب ولا ماض فكري، كيف يمكن لمثل هذا الشخص، لا بالوسائل الفكرية، بل بوسائل أجهزة الأمن والمخابرات والإعلام أن يقضى على قوى سياسية هائلة.. لا بمجرد الخوف والترويع بل بغسيل المخ والإقناع. ولم تكن القوى السياسية بالذات هي ما يهم أمريكا بل كانت قوة تنظيمات الإسلام بالذات وكانت المعجزة فعلا أن يستطيع فرد أن يفعل بها ما فعله عبد الناصر. التجربة الثانية كانت في مصر أيضا.. وكانت متعلقة بعبد الناصر أيضا و إن لم يكن هو الذي قام بها، بل كانت التجربة على حسابه، حين قام السادات بنقض كل غزله و إدانة كل سياساته، وكان رد فعل الأمة لا يكاد يذكر. في التجربة الأولى تم تغيير توجه الأمة الديني وتنحية الشريعة كمرجع.. وكان المذهل أن الأمة لم تفهم ولم تقاوم أنها تجرد من أمضى أسلحتها لتساق بعد ذلك إلى مقتلها. وفي التجربة الثانية تم تحويل اتجاه الأمة من القومية إلى القطرية.. و أيضا ..كان المذهل أن الشعب الذي بدا يومي 9 و10 يونيو 67 و 28 سبتمبر 70 وكأنه يعبد عبد الناصر من دون الله.. كان المذهل أنه تخلى عنه بلا مقاومة وبلا ثمن.. وبدا أنه فقد الثقة في الجميع.. وكان هذا هو نجاح أمريكا الأكبر الذي مهد لعصر البلطجة الأمريكية.. وامتهان كل شئ حتى المعنى. في التجربتين استطاعت أمريكا إعادة توجيه أمة، ثم إلغاء التوجيه الأول وتوجيهها إلى توجيه ثالث.. و أظن أن التجربتين كانتا مقدمة لما تم مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي كله. ما كان أغناني عن الدخول في كل هذا لكنني أخاف من أن أمريكا الفاجرة تريد أن تعيد التجربة كلها من جديد.. فقد كانت التجربة التي نجحت نجاحا يفوق أعظم أحلامهم جنونا.

لقد أردت أن أنبه إلى التشويه الذي لحق بالإخوان بفعل عملاء المخابرات الأمريكية والسوفيتية والموساد، إزاء الكلاب المسعورة والخنازير المأجورة التي اصطنعتها الدولة أحزابا شرعية ومولتها ونشرت الإعلانات في صحفها كوسيلة للتمويل، وكل ذلك لسبب واحد وهدف واحد.. هو إعلان الحرب على الإخوان المسلمين وتشويه صورتها ونسبة ما ليس فيها إليها لصرف الناس عنها وتبغيضهم فيها.. والآن.. وبصرف النظر عن فشل الحوار قبل أن يبدأ.. إلا أننا نناقش المبدأ أصلا.. هل كان صحيحا أن نبدأ حوارا – من الأصل – مع مثل هؤلاء..؟!..

أحد الناصريين – سامي شرف- شن هجوما بذيئا على الإخوان إذ كتب يقول للإخوان المسلمين: "اعتذروا عما قمتم به أنتم مرتين ضد ثورة يوليو.. واعتذروا لروح القائد والزعيم والمعلم على الأقل بزيارة ضريحه وقراءة الفاتحة له، ثم اطلبوا الكلام وساعتها قد نفكر في اللقاء من عدمه." الحمد لله على كل حال.. وعلى الرغم من اشمئزازنا مما يقوله سامي شرف فلا ريب أن ثمة إيجابية موجودة تشى بأن الرجل يستطيع الآن قراءة الفاتحة.. ربما استطاع حفظها بعد هذا العمر كله.. ربما.. هنيئا له إن استطاع.. والعقبى لأقرانه.. فبعد ما عرفته عنه لا أستطيع أن أستيقن إلا إذا سمعتها منه.. وتحت رقابة مشددة.. فالرجل من أساطين الغش والتزوير..فلقد زور حتى على أخويه.. واتهم بسرقة أوراق سيده ومولاه.. لكن سامي شرف عندما طلب من الإخوان المسلمين قراءة الفاتحة على ضريح عبد الناصر لم يقل لنا هل يتوجب على الإخوان أن يقرءوها كما أنزلها الله، أم أن عليهم أن يقرءوها مقلوبة كما أمرهم اللواء، زميل سامي شرف، الجلاد المجرم الذي حاكم الإخوان في محاكم الثورة والشعب بل محاكم الشيطان حين كان يطلب منهم قراءة الفاتحة مقلوبة!!. الجلاد المجرم الخائن الذي أسر عام 56، أو على الأحرى استسلم، ليهاجم مصر ويشيد باليهود من إذاعة تل أبيب.. رجع الفاجر ليحاكم الشهداء والأبطال ويطالبهم بقراءة الفاتحة مقلوبة، فيرد عليه الشهيد يوسف طلعت مشيرا إليه بسبابته وهو يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ثم يكمل الفاتحة كما أنزلها الله.. ورغم أنه لم يكن مسموحا بدخول القاعة إلا لخدم السلطان وعبيده وخصيانه و أغواته فقد ضجت القاعة بالضحك للمفاجأة، لقد قال الشهيد العظيم للواء الخائن الفاجر: أنت شيطان رجيم.. لن نقول لسامي شرف ما قاله الشهيد للواء الخائن الفاجر لكننا نسأله: وهل يتوجب الاعتذار أيضا على جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي وخالد محيي الدين وكمال الدين حسين و إبراهيم الطحاوي وعبد المنعم عبد الرؤوف ومعروف الحضري؟ هل يجب عليهم الاعتذار لأنهم كانوا جميعا أعضاء في التنظيم الخاص – وليس السري كما يسميه المنافقون- و أقسموا يمين الولاء ليخونوه بعد ذلك، وهل يجب عليهم الاعتذار لأنهم هم الذين كانوا يمدون الإخوان المسلمين بالسلاح ويدربونهم عليه . هل يتوجب الاعتذار على عبد الناصر وعامر بشكل خاص لأنهما احتضنا عبد الرحمن السندي الذي انحرف بمهمة التنظيم الخاص من مواجهة اليهود والبريطانيين إلى الاقتتال الداخلي.. ففصله الإخوان فاحتضنه عبد الناصر وعامر وكرماه حتى مات.. بينما نكلوا وقتلوا الشهداء الذي رفضوا الانحراف بالجهاد.

لن نتوقف كثيرا عند سامي شرف، لن نتوقف إلا بالقدر الكافي لمعرفة نموذج من النماذج المشوهة التي يتفاوض أو يتحالف معها وفد الإخوان. ولن نأخذ بشهادة أي واحد من الإخوان المسلمين ضده .. بل سنأخذ بشهادة أحد زملائه من الضباط الأحرار، وهو اللواء جمال حماد. قد يحتاج الأمر إلى تفصيل لا يتسع له المجال لكنني أشير إلى النقاط التالية التي أوردها جمال حماد في كتابه: الحكومة الخفية في عهد عبد الناصر.. ولكي أريح القارئ الذي يرغب في الاستزادة فسوف أذكر أرقام الصفحات: - ص 132: وقد بلغ عدد زجاجات الخمر التي تم ضبطها في منزل سامي شرف وحده 54 زجاجة من مختلف الأنواع والأحجام (فودكا- شمبانيا- ويسكى- كونياك) - ص 69 : وهناك دلائل تحملنا على الاعتقاد بأن سامي شرف أصبح عميلا يتحكم فيه جهاز المخابرات السوفيتية منذ عام 58، وبعد هذا العام لم يكن سامي شرف يذكر باسمه الحقيقي سواء في المركز في موسكو أو في الرسائل الشفرية التي كان الجهاز يبعث بها، وأن الجهاز يشير إليه بالاسم الرمزي المخصص لأمثاله من العملاء، وكان الاسم الرمزي لسامي هو: الأسد!. - ص 82 يصرخ جمال حماد مناشدا سامي شرف أن يدافع عن نفسه بعد أن يؤكد اقتناعه الشخصي بأنه جاسوس: " إن الواجب يحتم علينا في ختام بحثنا أن نناشد سامي شرف أن يبعث إلينا بوجهة نظره وأوجه دفاعه عن هذه التهمة النكراء التي وجهت ضده منذ أكثر من عشر سنوات والتي لم يقابلها إلا بالسكوت المشبوه والصمت المريب، وسوف نكون أسعد الناس طرا لو استطاع أن يدحض هذه التهمة الشائنة (...) وأود أن يعلم سامي أن هناك محكمة كبرى لا يمكن أن ينجو من الوقوف أمامها إلى أبد الدهر، تلك هي محكمة التاريخ التي تذل الجبابرة والطغاة، ومع الظالمين والبغاة، وتكشف العملاء والخونة، وتنصف الأبطال والأحرار. والويل لمن استهان بأحكام هذه المحكمة وظن أنها قاصرة عن كشفه، أو عاجزة عن إدانته مهما طال الزمن. - ص 129: يؤكد جمال حماد أن سامي شرف هو الذي سرق خزانة جمال عبد الناصر ويعضد شهادته بأقوال هدي عبد الناصر أمام النائب العام حيث أصرت على اتهامه رسميا و أصرت على التوقيع ( كان النائب العام- ربما تكريما – يريد إعفاءها من التوقيع على أساس أن توقيعه الشخصي كاف). سوف نترفع عن ذكر السرقات ، لكننا نذكر ما قاله جمال حماد في ص 111: وملخصه أن سامي شرف وشي بشقيقيه كي يكتسب ثقة جمال عبد الناصر حيث اتهمهما بأنهما عناصر خطيرة في الإخوان المسلمين، وتم اعتقالهما، وثبت كذب ما نسب إليهم تماما، و أفرج عنهما فذهب سامي شرف إلى جمال عبد الناصر ليقول له أنه للمرة الأولى والأخيرة في حياته يعارضه و أنه يعترض على قراره بالإفراج عن شقيقيه .

هذا نموذج من نماذج الناصريين.. وهو كما يقولون هم نموذج من أفضل نماذجهم.. نموذج واحد.. ومثله كثير.. نموذج لا يقدم انحراف فرد بل انحراف جماعة.. والآن نسأل شيوخنا و أساتذتنا هل يجوز التحاور مع مثل هؤلاء؟ وهل يجوز التحاور مع سكير.. أم يجوز التحاور مع من تطارده اتهامات الجاسوسية والخيانة واللصوصية.. وهل يجوز الحوار مع عفن معتق في كواليس مخابرات الغرب والشرق منذ أكثر من ألف عام..

انتهينا من سامي شرف.. ولأكن واضحا منذ البداية.. فأنا لا أقصد أشخاصا.. إنما أقصد منهجا.. منهجا كله مرفوض.. انتهينا من سامي شرف لنقدم نموذجا آخر هو نموذج الاعتداء على الفقيه الدستوري عبد الرازق السنهوري عام 54، لا نذكره للتشهير ولا للإدانة ولا حتى للتذكير.. و إنما نذكره كمنهج للقوميين ولأخلاقهم، منهج كان وكائن وسيكون، لم يتغير ولن يتبدل، وهو المنهج الذي سيتعاملون معنا به. وهو المنهج والأخلاقيات التي سيتحاورون بهما مع الإخوان المسلمين. هذا النموذج يرويه أحمد حمروش أيضا- نفس المرجع ص 846- عن الضابطين: حسين عرفة زوج شقيقته أحمد أنور- من الضباط الأحرار-.. يتحدث حسين عرفة عن تدبيره - بأوامر من أحمد أنور- للاعتداء على السنهوري، ثم ادعائه السقوط مغشيا عليه من فرط جهده للدفاع عنه، بل وإحداث جروح بجسده كي يحبك التمثيلية.. ليبدو وكأنه أصيب وهو يدافع عن السنهوري من بطش الجماهير الغاضبة التي كادت تفتك به.. ولم تكن جماهير غاضبة.. بل مخبرين وبلطجية.. ومن نسلهم جاء البلطجية الذين يزورون الانتخابات حتى اليوم والساقطات اللائي يمنعن المحجبات من الإدلاء بأصواتهن. كان عبد الناصر يخشى أن يصدر مجلس الدولة قرارات تدينه فدبر للاعتداء على السنهوري.. وينوه الضابط الجلاد حسين عرفة بنجاح تدبيره وتأثيره، فقد كان هناك اجتماع مقرر لنقابة الصحفيين في نفس اليوم، لكن بعد ما حدث للسنهوري لم يحضر أحد. يا إلهي.. كم هي مؤلمة تلك الحادثة.. لا لما ترمز إليه من اعتداء على شخص في حجم السنهوري أو امتهان القضاء..