الكلمة الطيبة

من موسوعة الإخوان المسلمين

اذهب إلى: تصفح, بحث

الكلمة الطيبة كحبة القمح المفردة، قد تُهمل وتذهب أدراج الحياة، وقد تكون مباركة فتنبت وتثمر، بل وقد تكون الثمرة خصبة تتضاعف وتتضاعف، وتنتشر هنا، أو تنتقل إلى هناك، فتناسب أرضاً صالحة، ومورداً عدْباً، فتتضاعف إلى سبع مائة ضعف، بل إلى ما شاء الله وتؤتي أكلها بإذن ربها، والكلمة الطيبة في أول مبتدأها (صدقة) كما أخبر عن وصفها الصادق المصدوق ، والصدقة تتضاعف بالنيّة لا وتتضاعف بالأثر منها، فكذلك البهلمة قد تحتفظ بذاتها، وقد تنمو وتنمو حتى تكون كالشجرة الباسقة، ويتحقق في ذلك قوله تعالى:

(ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون)[26]


وللبحث عن خصائص هذه الكلمة المعطاء لابد من البحث عن صفات الشجرة التي شُبهت بها، والتي تظهر من الاَية أنها أربعة خصائص:

(... فالصفة الأولى لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أموراً:

أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل.

وثانيها: كونها طيبة الرائحة.

وثالثها: كونها طيبة الثمرة......

ورابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة.....

والصفة الثانية قوله: (أصلها ثابت) أي: راسخ باق آمن الإنقلاع و الزوال و الفناء....

والصفة الثالثة قوله: (وفرعها في السماء) وهذا الوصف يدل على كمال "حال تلك الشجرة من وجهين:

الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل.

والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات ا لأرض...

والصفة الرابعة قوله (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)..... وهي أن ثمراتها لابد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات..

ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيم )[27]


وهذا يقود إلى بعض ملامح الكلمة الطيبة إذ أنها جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر، ولا تخدش النفوس، جميلة في اللفظ والمعنى، يشتاق إليها السامع ويطرب لها القلب، كما أنها طيبة الثمر، نتائجها مفيدة، وغايتها بنَاءة، ومنفعتها واضحة، وفوق ذلك فإن أصلها ثابت مستمدة من المنبع الصافي كتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- وتمتد إلى السماء بفرعها لأنها نقية صادرة عن نية صادقة، وتؤتي أكلها باستمرار، يسمع السامع فينتفع بها، وينقلها لغيره فينتفع، حتى لينتفع بها الخلق الكثير، بل و يستمر الانتفاع بها إلى ما شاء الله. وليس ألصق بهذه الخصائص وأكثر قرباً من كلمات الدعاة المؤدية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والداعية إلى العمل الإسلامي، وبناء مقوماته، والهادية الناس إلى الخير و مستلزماته، والتي تعلم الداعة البناء وطرقه، وتهديهم إلى الجهاد ومعرفة قواعده الشرعية، وما قد يقود ذلك إلى تخطيط لدولة الإسلام، أو من مناهج لنشر الحق بين الأنام.


وتشبيه الكلمة الطيبة بالشجرة، لأن الشجرة تثمر الثمر النافع، كالكلمة التي تؤدي إلى العمل الصالح، وقد قال بعض السلف: إن الشجرة الطيبة هي النخلة لحديث عبد الله بن عمر في الصحيح، ولا فرق بين خصوص النخلة أو عموم الشجر الطيب، ففي كليهما يتأدى المعنى، والأصل التشبيه بالشجرة والمشبه بها شجرة الإيمان ليحصل التطابق.


(فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسمت الصالح، والهدى والدل المرضي، فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور .. )[28]


وقد قال بعض السلف عن الكلمة الطيبة أنها كلمة التوحيد، وعموم اللفظ أنها كل كلمة طيبة، ولا منافاة بين القولين، فإن الكلمة لا تطيب إلا أن تكون مبنية على أصل التوحيد، وكلمة التوحيد لا تثمر إلا الكلمات الطيبة، والأصل في الكلام الطيب المثمر ما كان مبنياً على أسس الشريعة، وقواعد العقيدة، ولهذا فإنّ أصلها ثابت.


الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنةِ، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة... فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذاِ العمل الصالح الى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلماً كثيراً طيباً يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى:

"إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه"، فأخبر سبحانه وتعالى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب "، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملاً صالحاً كل وقت..)[29]


وهكذا تثمر الكلمة الطيبة- بحسن نية قائلها - أو بحسنها ذاتها، أو لمحض رحمة الله عز وجل بما جعله من بركة العلم مما قد يكون أضعافاً مضاعفة عن أجر العمل ذاته، وما قد تؤديه لصلاح الخلق، وما أخصب تاريخنا الإسلامي بكثرة الخلق الذي انتفعوا بالمواعظ، ثم صاروا من قادة الأمة، وكتب الله لقائل الكلمة مثل أجور أعمالهم من غير أن ينقص منها شيئاً.


ü فهذا التابعي أبو محمد حبيب يقبل على الاجلة، وينتقل عن العاجلة بسبب موعظة البصري حيث وقعت موعظته في قلبه، وأقبل على العلم والعمل بعد الموعظة.


ü وهذا التابعي الكوفي الثقة أبو عبد الله زاذان الكندي الذي كان يضرب ويغني بالدف، وكان له صوت حسن فمر عليه عبد الله بن مسعود فقال: (ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله) فتاب من ضرب العود وكسره، ولازم ابن مسعود حتى صار إماماً في العلم.



ü وانظر ما حصل لسري السقطي وبشر الحافي.. وأمثالهما.


والكلمة الطيبة، قد ينتفع بها سامعها المباشر، وقد ينتفع بها- فيما بعد- بل قد يكون نفعه أشد وأكبر، وقد تلاقي الكلمة قلباً صافياً، ونية صادقة، فتتمكن من القلب، وتثمر الكلمة بالنية، كما تصادف البذرة الماء الصالح، والتربية الصالحة، فتؤتي الشجرة أكلها بإذن ربها، وهكذا (فرب مبلغ أوعى من سامع)، وأجر الكلمة المعطاء، وما يكتبه الله عز وجل ا للسامع وللمبلغ، بل ولسلسلة المبلغين، فلقائل الكلمة كفل منها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، وهذا من فضل الله على عَباده، ومما فضل به المتكلمين بالعلم عن غيره، إذا تبقى ثمرتهم منتجة، وعملهم مستمراً، وفضلهم دائماً إلى ما يشاء الله، والناس في استقبال الكلمة أنواع فمنهم من يسمعها ويعمل بها، ومنهم من لا ينتفع بها إطلاقاً، ومنم من يقوم بنقلها للغير، وما ضر المتحدث أن يتحدث بما يعلم، ويبلغ الرسالة للناس، وينقل الكلمة الطيبة، فسوف يظل الناس على هذه النماذج، ويجب أن لا يقف الصنف الثالث مانعاً من تبليغ العلم، ولا حاجزاً في بث الكلمة الطيبة، وقد شبه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ هذه الأصناف الثلاثة في استقبال الكلمة الطيبة بأنواع من الأرض فقال صلى الله عليه وسلم (مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها ثغبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ

والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثلَ من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). حديث متفق عليه...


(فالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبَول الماء، فشبه من تحمل العلم والحديث وتفقه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبه من لا يفهم، ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه...)[30]


وهكذا، ما على الداعية سوى أن يقول كلمته المعطاء الطيبة ولا يهتم بكثرة الخاسرين الذين هم كالقيعان، فهنالك من الناس من هم كالأرض الصلبة سينقلون الكلمة الطيبة وتنتفع بها خلائق ويشر كثير، وقد تثمر في مكان آخر، أو تؤتي أكلها في زمن آخر، وقد يستمع للكلمة أناس كالأرض الطيبة لا تلبث أن تسمع مع صدى الكلمة تكبيرات مدوية، ولا تمكث حتى ترى لنور الكلمة بريقاً يأخذ بالأنظار، فتحيا بالتكبير نفوس، و بالبروق تبصر عيون، والأجر من بعد ذلك مكتوب لصاحب الكلمة.


وأخيراً.. فلعل هذه الكلمة الطيبة هي من أنواع ما عناه سيد الخلق صلى الله عليه و سلم بقوله فيما رواه البخاري:

(إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).


وقد ركز العلماء السابقون على الشطر الثاني من الحديث لكثرة المتحدثين في المجتمع الإسلامي، ولم يُتحدث عن شطره الأول إلا القليل، ومما قيل:

(والكلمة التي ترفع بها الدرجات، ويكتب بها الرضوان هي التي يدفع بها عن المسلم مظملة أو يفرج عنه كربة، أو ينصر بها مظلوماً.)[31]


فكيف بالكلمة التي تدفع عن مجموع المسلمين المظالم، وتدفع عنهم الكرب بدعوتهم لإقامة شرع الله؟ وكيف بالكلمة التي تقلع الظلم من جذوره بتطبيق حكم الله؟ وكيف بعبارات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وإذا كانت الدرجات ترفع بما يحقق المصالح الدنيوية فكيف بما يحقق المصالح الأخروية؟، وعلى ا لأدنى يقاس الأعلى.


إن الأجر عظيم، والثواب جزيل- إذا صحت النية- في الكلمات التي تقيم خيراً، وتدفع باطلاً، وتحيي سنة، وتميت بدعة، بل ويزداد الأجر، ويرتفع الثواب فيما يدفع العمل الإسلامي وينميه، ويدعو جمهور المسلمين لتبنيه،

أو يدفع عنه السوء وما قد يعتريه، فكيف إذن بما ينشئ العمل ابتداءً ويغذيه؟ ويعلم الدعاة النظام وفنونه، وقواعد العمل و أصوله؟ مما يؤدي إلى هداية الخلق الكثير، وانضمامهم لركب الدعوة وإتمام المسير، ومع هذا يقال أيضاً: ما هو فضل الكلمات التي تقود- فوق ذلك كله إلى قيام مجتمع إسلامي، أو بناء حكومة إسلامية؟ وكيف بما يخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ أو تحويل المجتمع من الجاهلية إلى الإسلام؟ وإقامة شرع الله بدلا عن شرع الطاغوت؟

ومن هنا ينبغي للداعية أن لا يزهد أبداً بما عنده من العلم، أو يبتعد - بحجة الزهد- عن تبليغ الأمانة، فما يدري أين يكون الخير؟ ومتى تؤتي كلمته عطاءها، بل ومتى تثمر؟


فالكلمة الواحدة قد تنشئ دعوة، وقد تبني مؤسسة؟ وقد ينقذ الله تعالى بها قلوباً، أو يعمر بها نفوساً، بل وقد يحيي الله بها أقواماً من السبات، أو يخرج بها الله عز وجل أمما من عالم الأموات، وما على الداعية إلا تبليغ الرسالة، ونقل الأمانة، والله تعالى يختار الأرض الصالحة لها ولو بعد حين، وينبتها نباتاً حسناً ولو بعد سنين، وقد تؤتي الكلمة ثمارها في الكان البعيد حتى يكتب الأجر للداعية دون أن يشعر ولعل الله تعالى يكتب له حجر النية، ويبعده- بحكمته- عن سيئة الرياء...


وما على الداعية إلا التبليغ ولا يترك الفرصة تفوت من يديه لعل الله تعالى يكتب له أجر الكلمة المعطاء التي لا يلقي لها بالاً وترضعه الدرجات، فلا يفوت "ممل!يه فرصة رفيق السفر في القطار أو الطائرة، ولا فرصة اللقاء العابر على وليمة أو مناسبة، ولا جلسة الاستراحة في ناد أو مقهى ا ولا جلسة المرافقة في الدائرة أو الدراسة، ولا يفوت مجال الارتباط في تجارة أو معاملة، ولا يزهد في الكلمة الطيبة الصغيرة في السوق وعند الشراء، أو في الحدائق عند الاسترخاء، أو في المسجد بعد الصلوات، أو عند التعارف مع الغير في السفرات والخلوات، وأشباه ذلك مما قد ييسره الله، والموفق السعيد من وفقه الله لكلمة الخير التي تنتشر في الآفاق فيكتب الله له أجرها وأجر من يعمل بها إلى ما يشاء الله، والله على كل شيء قدير.

إن قول الكلمة بهذه النيات ظاهرة من ظواهر الإيجابية في حياة الداعية.

.*.*.* كنز العجز وثروة الافتقار إلى الله .*.*.*.


ويظل شعور المؤمن بالعجز وافتقاره إلى توفيق الله تعالى وعونه وتسديده هو العامل المحرك والمولد لكل أسباب هذه الإيجابية، وبمقدار تذلله لربه تعالى واستمداده منه "تكون إلهامات تنويع العمل لدية والمبادرة والإبتكار، حتى ليسن سُنناً في الخير لم يسبقه إليها أحد، ثم يصبر على لأواء مرافقة وطول طريق، فيكون النصر.

إن عجزًا لداعية عن وصوله إلى هدفه- أياً كان ذلك الهدف- بعد أن يستفرغ وسعه، ويبذل جهده، ويفني طاقته، هو الكنز الحقيقي الموصل إلى الله، لأنه قد وصل بهذا العجز إلى مرحلة الافتقار إلى الله، واستشعر أن لا ملجأ إلا إليه، فقطع العلائق مع الأسباب، وترك بعد ذلك الإختيار، واسترسل في مجاري الأقدار، فزاد يقينه بقدر الله، وعلم قلبه بكفاية الله، ورضي بالمقدور، وصحَ منه التوكل، وقد يدرك المؤمن التوكل بعمومة، ولكن معنى (العجز) أدق وأخص، وفيه لا يبقى اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل اللجوء لله الواحد القهار.


فاسمع- أيها الداعية. صرخة النورسي رحمه الله في (المثنوي العربي): "كنزي عجزي "


ومن هذا المنطلق فإن النصر معلق بالله عز وجل، حتى تبذل النفوس كل طاقاتها، وما معنى الجهاد اللفظي إلا استفراغ الوسع كله، فإذا فرغت النفوس من حظ النفوس، انطبقت عليها القاعدة (إن تنصروا الله ينصركم)، وما عمل الداعية إلا ستاراً للقدرة، فما عليه إلا أن يعمل حتى يصل إلى الكنز المخبوء تحت ظلال العجز.


(نحن في هذه الحياة الدنيا نتحرك، تحركنا أشواق وهواتف، ومطامع ومطامع، وآلام وآمال، وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة، والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار، ولا تدركها الأبصار، يد المدبر المهيمن القهار. 000)[32]


ولعل من أسرار ذلك، ومما أراده الله أن نعلمه، أن العمل قد لا يؤدي إلى النجاح وإن كان الداعية يتقن عمله ليصل إليه، إذ أن النجاح خير يسوقه الله لعبادها والنصر موهبة من الله تعالى على العمل لا نتيجة له، لأن الله تعالى وهو خالق النفوس، عرف محبتها للنصر، فوعدها به. (وأخرى تحبونها، نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)

وإلا فهنالك من الأنبياء، والقدرة تحوطهم، ومع هذا قد يأتي أحدهم- يوم القيامة- وليس معه أحد، وفي هذا عزاء أيما عزاء لكل العاملين الذي يستبطئون النصر.


(عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوماً، فقال: عُرضت عليّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبيُ معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد[33]



وإدراك (التوكل) ليس بالأمر السهل لأنه من مقتضيات الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، وكذلك شُعَبهُ تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي، فالمؤمن يدرك القدر وسريانه، والقضاء وجريانه بحدهما الأدنى، ولكن التوكل بمعناه الأعلى وإدراك (كنز العجز) مرحلة من التوفيئ لا يوصل لها إلا بالطاعات، وترك الهوى، واجتناب الشهوات،

وقد قال الفضيل بن عياض: (من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق)[34]

وكان الأنبياء السابقون على هذا المنهج تنال منهم (البأساء) بالشدة والفقر والمسكنة، وتضييق جهات ا لخير، (والضراء) بالآلام والأوجاع وضروب ا لخوف، وانفتاح جهاز ا لشر، وينال منهم (ا لزلزال) بأنواع ا لبلايا والرزايا، تم مع هذا ينتظرون النصر، ويتساءلون عنه- دون شك أو ارتياب- لأنهم بذلوا من الجهد أقصاه، ومن العمل نهايته، فيأتيهم النصر إذ وصلوا إلى مرحلة العجز إلا من فضل الله وقوته.


(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و ألا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معها متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب)[35]


(فبينّ سبحانه وتعالى: أنه أرسل رسله، والناس رجلان: رجل يقول أنا مؤمن به مطيعة ، فهذا لابد أن يمتحن حتى يعلم صدقه من كذبه...)


ثم يقول شيخ الإسلام لجماعته عن اللذة التي يحصل عليها المرء عند معرفته الله بعد الإمتحان والبلاء، واكتشافه الكنز الذي سماه اللذة والسرور، فيقول متحدثاً عن سجنه:

(.... فأنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم، وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته، والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات، واُعَرف أكثر الناس قَدْرَ ذلك، فإنه لا يُعْرَف إلا بالذوق والوجد، لكن ما من مؤمن إلا له نصيب من ذلك، و يستدل منه بالقليل على الكثير، وإن كان لا يُقدر قدرُه الكبير.. )[36]


وقال الإمام الرازي في تفسير الآية السابقة بما يشهد لنفس المعنى من وصول الرسل لمرحلة العجز:


الآن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: (ألا إن نصر الله قريب)..... وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آتً قريب....)[37]


ومن هذا كله ونظائره لابد من استنفاد الجهد، واستفراغ الطاقة حتى مرحلة العجز، وحصاد الكنز. وعلى مستوى الجماعة، وطلب النصر الدعوي، فليعلم _ الداعية _ أن نصر الله قريب إذا وصل الغاية. ( إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى (نصر الله)، لا إلى أي حل أخرا ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عندا لله .. )[38]


وليس ( كنز العجز ) على مستوى الجماعة فقط، بل ولك _ أيها الداعية _، وفي كل إطار عمل أنت فيه.. ففي الخطط المرحلية، وفي طلبك للنجاح دون النصر النهائي، إذا ما ادلهمت عليك الخطوب، وسدت عليك المنافذ فاركن إلى الكنز الذي لا يضيع ولا ينفذ، واستمع إلى قول أحد الزهاد في دعائه:

(اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك)[39]

(وإذا عظم المطلوب، وأعوزك الرفيق الصالح، فارحل بهمتك بين الأموات، وعليك بمعلم إبراهيم... ومن الله سبحانه الإستماد، وعليه التوكل، وإليه الإستناد، فإنه لا يخيب من توكل عليه، ولا يضيع من لاذ به، وفوض أمره إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل)[40]



[تحرير] الهوامش:

[26] ابراهيم 24 _ 25

[27] تفسير الرازي 19 / 116

[28] إعلام الموقعين 1 / 189

[29] ‘لام الموقعين 1 / 187

[30] شرح السنة للبغوي 1 / 289

[31] فتح الباري 11 / 311

[32] في ظلال القرآن 4 / 233

[33] متفق عليه

[34] روضة المحبين / 479

[35] البقرة 214

[36] فتاوى ابن تيميه 28 / 41

[37] تفسير الرازي 6 / 20

[38] في ظلال القرآن 1 / 219

[39] البيان والتبيين للجاحظ 3 / 220

[40] مفتاح دار السعادة / 32

المصدر:http://www.khayma.com/islamissolution/iis/index.htm

أدوات شخصية