الملتقى

الملتقى (http://www.al-multaqa.net/archive/index.php)
-   ركن الشهيد عبد القادر عودة (http://www.al-multaqa.net/archive/forumdisplay.php?f=1)
-   -   مقالات شهر ديسمبر لسنة 2004 بصورة يومية (http://www.al-multaqa.net/archive/showthread.php?t=62325)

ابن الشاطيء 01-12-2004 12:29

مقالات شهر ديسمبر لسنة 2004 بصورة يومية
 
الكتاب
43094 ‏السنة 127-العدد 2004 ديسمبر 1 ‏18 من شوال 1425 هـ الأربعاء


حــــوار الصـــــم‏!‏
بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي----------------علماني




في ألمانيا ونحن ضيوف علي معرض فرانكفورت الدولي للكتاب‏,‏ كان بعض المثقفين العرب يتحدثون في الفلسفة فيذكرون الحداثة ومابعد الحداثة‏,‏ وتتردد علي ألسنتهم أسماء المشاهير من المفكرين الأوروبيين‏,‏ مارتن هيدجر‏,‏ ورولان بارت‏,‏ وميشيل فوكو‏,‏ وجاك دريدا‏,‏ وغيرهم من فلاسفة الوجود واللغة‏,‏ والسياسة‏,‏ وكان بين المستمعين رجل الماني ساقته المصادفة أو دفعه الفضول ليتابع هذا الحديث او يتعرف علي الطريقة التي يفكر بها هؤلاء العرب‏.‏ وقد ظل ينصت بأدب لما يقال حتي فتح باب النقاش فطلب الكلمة ليقول‏:‏ أحسنتم أيها السادة‏!‏ لكني أعتقد أن حاجتكم لفيلسوف مثل ايمانويل كانط أشد من حاجتكم لجاك دريدا‏,‏ وميشيل فوكو‏!‏

وقد أصاب هذا الرجل كبد الحقيقة لأن حاجتنا الآن لمفكرين يعلموننا احترام العقل‏,‏ ويساعدوننا علي فهم دوره والتمييز بين المعرفة الدينية والمعرفة العلمية أشد من حاجتنا للذين يتحدثون عن تفكيك الخطاب وتاريخ الجنون‏,‏ مع احترامنا بالطبع لهذه الفلسفات المعاصرة التي لانستطيع أن نفهمها أو نستفيد منها إلا اذا فهمنا الاساس الذي قامت عليه‏.‏

ونحن نتعامل أحيانا مع الفكر الاوروبي كما نتعامل مع بيوت الازياء فنجري وراء الجديد المدهش باعتباره صيحة جديدة وزينة نتزين بها لنبدو وكأننا نعيش في العصر الذي أنتجها‏.‏ لكن أفعالنا تفضحنا‏,‏ وتدل علي أننا مازلنا نعيش في عصور مضت وانقضت‏,‏ وأننا مازلنا مسيرين بعاداتنا الموروثة وأوهامنا الشائعة نتجاهل الحقائق الموضوعية حتي نصطدم بها وندفع أثمانا فاحة لتجاهلنا لها‏,‏ ثم نعاود الكرة فلا نتحرر من الوهم‏,‏ ولانتعلم من التجربة‏.‏

واذا كان بعضنا قد ذهب الي المانيا ليتحدث عن الموضات الفكرية الحديثة فقد ذهب بعضنا ليناقش مافرغ الالمان والغرب من مناقشته قبل قرون‏.‏

في الندوة التي تحاور فيها الدكتور أحمد كمال أبو المجد والاستاذ هانز كونج عن الاسلام وتحديات العصر قام الحوار علي أساس يتناقض كل التناقض مع الأفكار والمباديء التي قامت عليها العصور الحديثة‏.‏ فقد بدأ الاستاذ هانز كونج حديثه قائلا مامعناه أن السلام لن يتحقق بين الامم إلا اذا تحقق بين الديانات‏,‏ ولن يتحقق بين الديانات إلا بالحوار الذي يجب أن يقوم بينها‏!‏

وقد دهشت حين سمعت هذا الكلام الذي يسوي بين الامة والديانة‏,‏ بل يجعل الديانة أصلا والامة فرعا كأن الدين ظهر قبل وجود البشر‏!‏

وفي ظني أن الامة شيء والديانة شيء آخر‏.‏ والرابطة الوطنية التي تؤلف بين أفراد الجماعة وتجعلهم أمة واحدة تختلف عن الرابطة الدينية التي تؤلف بين المؤمنين بدين واحد وتجعلهم ملة واحدة‏.‏

الرابطة الوطنية تقوم علي وحدة التاريخ واتفاق المصالح والغايات‏,‏ أما الرابطة الدينية فهي عاطفة تعبر عن مطالب روحية لاترتبط بأرض بالذات‏,‏ أو جماعة بالذات‏,‏ أو ثقافة بالذات‏.‏

وأصحاب الديانة الواحدة لايشكلون بالضرورة أمة واحدة بل ينتمون لأمم مختلفة‏,‏ الالمان مسيحيون والروس كذلك‏,‏ والاحباش‏,‏ والمصريون مسلمون‏,‏ والأتراك كذلك‏,‏ والافغان‏,‏ والسنغاليون‏.‏ والاسلام عقيدة يتبعها الملايين من الاوربيين‏,‏ كما أن المسيحية عقيدة يتبعها الملايين من المصريين‏,‏ والسوريين واللبنانيين والعراقيين‏,‏ والفلسطينيين‏.‏

ولقد كان السلام العالمي مرتبطا بالدين في العصور التي كانت فيها النظم السياسية نظما دينية تشن الحرب باسم الدين وتعقد الصلح باسم الدين‏,‏ لكن التاريخ تقدم وتطورت المجتمعات‏,‏ ونشأت الدول القومية وفصلت النظم الحديثة بين الدين والدولة لأن الدين علاقة بين الانسان وربه‏,‏ أما الدولة فعلاقة بين الفرد والمجتمع‏.‏

والحروب التي اشتعلت خلال العصور الحديثة في أنحاء العالم المختلفة لا علاقة لها بالدين‏,‏ وانما هي طمع وتوسع واستعمار‏.‏ الصهيونيون الذين استعمروا فلسطين معظمهم ملاحدة‏.‏ والامريكيون الذين احتلوا العراق لايحملون راية المسيح بل يريدون أن يضعوا أيديهم علي مفارق الطرق ومنابع البترول‏.‏

والذين يعتبرون مايحدث في فلسطين أو في العراق صراعا دينيا آو حربا ثقافية يزيفون الحقيقة ويضللوننا ويصرفون أنظارنا عن الجهة التي يأتي منها الأعداء ويدفعون بنا الي الهاوية‏.‏

والسيد هانز كونج الذي بدأ حواره مع الدكتور كمال أبو المجد بفكرة تنتمي لعالم العصور الوسطي عاد ليظهر بمظهر المدافع عن حقوق الانسان‏,‏ وبالذات حقوق المرأة في مواجهة المسلمين الذين يضطهدونها‏.‏ ألم يصدر الشيخ المغربي محمد كمال مصطفي خطيب مسجد مدينة فيونجر بولا في اسبانيا كتابا باللغة الاسبانية عن المرأة في الاسلام أفتي فيه بحق الزوج المسلم في تأديب زوجته بالضرب استنادا لبعض الآيات القرآنية؟ فكيف رد الدكتور أبو المجد؟

لقد قال مامعناه أن نؤول هذه النصوص ولانفهمها بمعناها الحرفي ولاشك أنه قصد بهذا الرد أن يدافع عن الاسلام‏,‏ لكنه لم ينف نفيا صريحا قاطعا حق الأزواج في ضرب زوجاتهم‏,‏ ولم يستنكر فتوي الشيخ المغربي الذي قدم للعدالة في اسبانيا وحكم عليه بأن يدفع حوالي خمسة عشر ألفا من الجنيهات غرامة‏,‏ وبالسجن مدة عام كامل فهل استطعنا في هذه الندوة أن نثبت قدرة الاسلام علي دخول العصور الحديثة ومواجهة تحدياتها وفهم مطالبها والاستجابة لها؟

هل استطعنا أن نحاور الغرب ونبين للألمان أننا جادون في مراجعة أنفسنا وتجديد ثقافتنا والعيش معهم ومع غيرهم من أمم العالم في ظل حضارة جامعة نحترم مبادئها ونشارك في صنعها؟

هل أقنعناهم بأننا سنبي نظما ديمقراطية وأننا سنحترم حقوق الرجال وحقوق النساء؟‏.‏

لا‏!‏ فنحن لم نحاور الألمان ولم نقنعهم‏,‏ وانما ذهبنا الي فرانكفورت لنجلس وحدنا ونقول مانقوله في بلادنا‏.‏

وكيف يمكن أن يقوم هذا الحوار وليست بيننا وبين الألمان أو بيننا وبين الغربيين لغة مشتركة؟ صحيح أننا نترجم بعض مؤلفاتهم ونعرف أسماء أدبائهم وعلمائهم وفنانييهم وفلاسفتهم لكنها في الغالب معرفة سطحية لانشارك فيها بجهد ولانختبرها في فهم مسألة أو حل مشكلة‏.‏

وأنا لاأعمم هذا الحكم ولاأنفي ماتحقق منذ بدأنا صلتنا بأوروبا حتي اليوم ولاأقلل من شأنه‏,‏ لكننا تراجعنا عن كثير مما حصلناه وبددنا أكثر الذي جمعناه‏.‏

ماالذي بقي لنا الآن من محمد عبده‏,‏ وأحمد لطفي السيد‏,‏ وطه حسين‏,‏ والعقاد والحكيم‏,‏ وعلي عبد الرازق‏,‏ وشبلي شميل‏,‏ وفرح أنطون‏,‏ وسلامة موسي؟

فاذا كنا قد خسرنا معظم ماربحناه من هؤلاء فنحن لانزال نعيش في عصور الظلام‏,‏ ونحن اذن لانستطيع أن نحاور الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين‏.‏

ليست هناك لغة مشتركة بيننا وبين الغربيين‏.‏ وليست هناك أرض تجمعنا معهم‏.‏ والثقافة السائدة في أوساطنا تؤكد الفروق والاختلافات وتحولها اليعقليات متصادمة وطبائع متخاصمة لاتتغير ولاتتطور فالذي يصح عند الغربيين لايصح عندنا والذي يعقل عندهم لايعقل عندنا‏,‏ واذن فالعقل ليس واحدا كما كان يري إيمانويل كانط‏,‏ والخبرات والتقاليد والعادات المختلفة تظل مختلفة الي الابد لاتتواصل ولاتتفاعل ولايتأثر بعضها ببعض‏,‏ ونحن اذن لانستطيع أن نتحاور مع الغربيين ولانستطيع أن نستفيد منهم أو نقتبس من معارفهم‏.‏

الانسان بالنسبة لنا ليس حرا‏,‏ وليس مسئولا‏,‏ وليس مساويا لأي انسان آخر‏.‏ وهو اذن عاجز عن أن ينظم حياته أو يختار أفعاله بما أوتي من عقل وخبرة وضمير‏.‏ والنظم الديمقراطية التي تقوم علي هذا الاساس ليست بالنسبة لنا أقرب النظم الي الخير والمنفعة وليست أقدرها علي تحقيق الامن والعدل والسعادة للفرد والمجتمع‏.‏
كيف نستطيع وهذه هي ثقافتنا السائدة أن نحاور الغربيين؟‏!‏

http://www.ahram.org.eg/Index.asp?C...t1.htm&DID=8322

ابن الشاطيء 01-12-2004 12:34

محي الدين عبد الحليم
لماذا تراجع الإعلام العربى عن تصحيح صورة العرب والمسلمين؟
تاريخ النشر: الأربعاء 1 ديسمبر 2004, تمام الساعة 04:13 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة


في الوقت الذى يتعاظم فيه دور الاعلام كواحد من أهم الاسلحة التي تستعين بها الدول والمنظمات والافراد لبناء الانسان وقيادة الرأى العام ومواصلة الحملات المضادة والتصدى للفساد أو ترسيخ الديمقراطية وتوفير الحرية للمواطن لكي يعبر عن نفسه وعن آرائه ويحقق ذاته لا سيما بعد أن احرزت وسائل الاتصال تقدما مذهلا واصبح لها قوة تأثير هائلة مع توظيف التكنولوجيا الحديثة والكوادر البشرية القادرة على مخاطبة العالم ، الا اننا لا نجد للاعلام العربى وجودا يذكر على الساحة الدولية ، كما أن دوره في التوعية واثراء الحياة الثقافية محدود للغاية ، وقدراته على تصحيح صورة العرب والمسلمين غير ملموسة في الخارج. واذا استعرضنا القدرات الاتصالية لقنوات البث العربية سنجد أن هذه القنوات لم تبكر في توطين التكنولوجيا المتقدمة التي تنافس بها الدعاية الدولية والصهيونية ، ويكفى أن نعرف أن الولايات المتحدة وحدها تنفق ما يزيد على250 مليار دولار سنويا لترويج ثقافتها ، وتتحكم في 85% من حجم التجارة العالمية في حقل الوسائط السمعية والبصرية كما تسيطر على اغلب مراكز البحث والتصنيع ومعظم المواد والتجهيزات اللازمة لصناعة المواد الاعلامية مثل الاوراق والاحبار وآلات الطباعة والتصوير وأجهزة الحاسوب ونظم المعلومات بما يمكنها من السيطرة على الأفكار والاذواق والازياء ، وبما يمكنها بالتالي من تشكيل صورة العالم بما يتوافق مع مصالحها ويحقق اهداف اللوبى الصهيونى المسيطر على وسائل الاعلام بها.
ولعل من الاسباب الجوهرية لتراجع الاعلام العربى غياب الحرية والاستبداد بالرأى ، وتهميش النخب الفكرية ورواد الفكر والمعرفة كالعلماء والمبدعين، انها مأساة النظم الشمولية والدعاية الفجة التي تنتهجها الانظمة التسلطية في الخداع والكذب والتمويه.

كما ترجع اسباب تراجع الاعلام العربى إلى هيمنة المنافقين على كثير من منابر الفكر وقنوات البث وهؤلاء يلاحقون الحكام والرؤساء في الليل والنهار ويتظاهرون لهم بالمودة لينام الزعيم على دقات طبولهم ، ويستيقظ على اصوات هتافهم ، ويحكمون الحصار حوله ، ويقطعون قنوات الاتصال بينه وبين شعبه ، فلا يسمع الا لهم ، ولا يعرف الا منهم ، فيعيش في معزل عن الجماهير لان هذا الصنف من الناس لا يقدم الا الصور الوردية والواقع المغلوط والوجه الآخر للحقيقة التي يقنعون بها صانع القرار. وقد استطاع هؤلاء السيطرة على كثير من قنوات الفكر ووسائل الاتصال من خلال اجادتهم لصنوف الرياء والتملق والمداهنة.

وفى عالمنا العربى لا يتم اختيار معظم العناصر القيادية في العمل الاعلامى على اسس موضوعية أو مقاييس علمية ، ولكن الاعتبارات الشخصية تمثل المقام الاول في هذا الاختيار وقد نجحت هذه القيادات في قصف الاقلام المعارضة واسكات الاصوات الخيرة وتكمن خطورة النفاق في وسائل الاعلام في انتشاره الواسع ، وتأثيره الهائل على غالبية القاطنين فوق الارض العربية لان المناخ في المجتمع العربى يهيئ للمنافقين اوسع الفرص لتحقيق اغراضهم.

وترجع اسباب عجز الاعلام العربى إلى عدم قدرته على وضع سياسة اعلامية تترجم الهوية العربية والمعطيات الثقافية والحضارية للامة مما افسح المجال للافكار الغريبة والعقائد الفاسدة والاعلانات المضللة والمفاهيم الشاذة التي تحملها قنوات البث الاجنبى لافساد الشباب واختراق مرجعية الامة واثارة الطموحات الاستهلاكية التي لا يستطيع المتلقى العربى اشباعها في ضوء الموارد المتاحة مما اسفر عن الاختلال المعلوماتى بين الدول التي تملك والدول التي لا تملك والتى يقتصر دورها على التلقى دون أن تستطيع ايصال ما لديها من رؤى وافكار إلى الاخرين اضافة إلى تهديد هويتها الدينية.

ويعد الاختلال في تدفق المعلومات على الصعيد الدولى واحدا من ابرز مظاهر التفاوت القائم في شتى المجالات ، هذا التفاوت الذى يمنح الدول الاقوى القدرة على السيطرة وتوجيه النظام الاعلامى الدولى لصالحها هذا في الوقت الذى تعرقل فيه الجهود التي تبذلها اطراف اخرى لتحقيق الحد الادنى في متطلباتها في العلم والمعرفة.

ويرجع التراجع الاعلامى العربى إلى حالات التشتت والخلاف وغياب التنسيق بين الانظمة الاعلامية العربية وذلك على الرغم من كل عوامل التوحد والانسجام التي يمكن أن تجمع العرب على كلمة سواء ، فأساء العرب إلى أنفسهم أكثر مما اساء لهم الآخرون.

وقد استفاد اعداؤهم من هذه الخلافات فراحوا يبثون الفتن والكراهية بين الانظمة العربية.

ويكمن عجز الاعلام العربى في عدم قدرته على الحفاظ على لغة الامة فساعد على شيوع الالفاظ الاجنبية والعبارات السوقية التي اسهمت في تحريف الكثير من الكلمات العربية.

ووجدنا من الاعلاميين من يسعى إلى اضعاف لغة العرب بدعوى انها لم تعد قادرة على مسايرة التقدم الذى يسود العالم اليوم ، وقد ادى الابتذال واستخدام الكلمات الهابطة والمفردات الاجنبية على ألسنة الممثلين ومقدمى البرامج إلى تحجيم اللغة العربية ، والاستخفاف بقواعدها واهمالها والترويج للسوقية وشيوع الكلمات والمصطلحات غير اللائقة.

وتشير الدراسات العلمية في هذا الصدد إلى أن وسائل الاعلام قد اسهمت في ايذاء العربية من خلال ما تبثه بالعامية والذى يزيد كثيرا على ما يتم بثه بالفصحى لا سيما في مجال الاعمال الدرامية والمنوعات الاذاعية التي يندر فيها استعمال الفصيح في اللغة لان هذه الوسائل اصبحت المدرسة التي يتعلم فيها كل الناطقين بالضاد في مشارق الارض ومغاربها.

ويتحمل الاعلام العربى مسئولية ارتفاع نسبة الامية وانتشار الامراض الوبائية كما يتحمل مسئولية التخلف الاقتصادى والادارى الذى يلقى بظلاله على كثير من المؤسسات القائمة في العالم العربى ، ويتحمل كذلك مسئولية انتشار الرشوة والفساد والتواكل والسلبية واللا مبالاة السائدة في مواقع العمل والانتاج وكذلك يتحمل مسئولية تصحيح صورة العرب والمسلمين لدى الرأى العام الاجنبى.

ولن تستطيع الدول العربية والاسلامية مواجهة الغزو الثقافى والاختراق الفكرى دون اصلاح لأجهزتها الاعلامية ومؤسساتها النقابية حتى نستطيع مواجهة عمليات الابهار والاستمالة التي تمارسها قنوات البث الفضائية الاجنبية بكل ما تملك من تقنيات عالية وتكنولوجيا متقدمة.

ومن ثم فإنه من الاهمية بمكان امتلاك الشبكات الاعلامية الخاصة وامدادها بالكفاءات المدربة لتواجه المنافسات الحادة للشبكات العالمية وعدم ترك الساحة خالية لوسائل البث الوافد من الخارج ، حتى يستطيع المتلقى العربى أن يقارن بين الغث والسمين في البرامج ، فالبث عبر الاقمار الصناعية في هذه الحالة لن يكون شرا كله ، بل يمكن أن يكون مفيدا إذا ما اعرض المشاهد العربى المسلم بارادته عما يخدش الحياء ، وما لا يتفق مع عاداته وتقاليده وعقيدته ، ويقبل على ما يراه مفيدا ونافعا ، ولن يتأتى ذلك الا في حالة وجود البديل الاقوى تأثيرا والاشد جاذبية والاقدر استمالة وهذا يعنى أن الدول العربية مطالبة بايجاد حل لمشكلاتها الاعلامية من خلال بذل الجهود الجادة والمخلصة للتغلب على هذه الهيمنة كما انها مطالبة بوضع الخطط العلمية التي تمكنها من المواجهة. ولن يتحقق للاعلام العربى تحقيق هذه الاهداف الا بالعمل على تلافى السلبيات التي تسيطر على النشاط الاعلامى من خلال اطلاق حريته ، وتحديث وسائله ، بصدق النوايا وتنسيق وتخطيط جاد وجدية في التنفيذ للتعامل مع كافة الظواهر والمستجدات التي تفرض نفسها على الساحة الدولية ، واقامة مؤسسات اعلامية عربية قوية للانتاج والتوزيع وتأهيل الكوادر البشرية.

وفي الحقيقة أن الدول العربية والاسلامية لم تنجح حتى الان في وضع سياسة اعلامية تترجم معطياتها الحضارية وهويتها الفكرية ، ولم تستطع أن تحدد موقفها من العالم الذى اصبح يؤثر فيها بدلا من أن تؤثر فيه بسمو عقيدتها ورقي اخلاقها وسماحة دينها ، وتتضح الخطورة هنا إذا اخذنا في الاعتبار الهيمنة الفكرية التي تفرضها الدول الكبرى بسبب سيطرتها على قنوات الاتصال الدولية المؤثرة عن طريق هيمنتها على مصادر المعلومات ولعل الصورة تكون اشد وضوحا إذا اخذنا في الاعتبار عصر الفضاء واستخدام الاقمار الصناعية لاسيما إذا ادركنا أن الدول المتقدمة حصلت على نصيب الاسد في مجال توزيع الذبذبات بنص قانونى على بقاء المصالح المكتسبة.

إلا أنه إذا توافرت الرغبة الأكيدة والنوايا الصادقة والاستعداد الفعلى لتصبح صورة العرب والمسلمين في الخارج تعبر بالفعل عن رؤاهم الحضارية فإن وسائل الإعلام العربية يمكن أن تنطلق لتوظيف الامكانات المتاحة لمحو الجهل الغالب عن العرب والمسلمين والخارج وتحقيق ديمقراطية المشاركة من خلال تهيئة المناخ الصالح للحوار والمناقشة بين القيادات والقواعد لمناقشة قضايا المجتمع ، بهدف ازالة عمليات التشويش ، وتجاوز العقبات التي تقف في سبيل التفاهم ، وتحقيق حق الاتصال لمنع اللبس وسوء الفهم واتاحة الفرصة للمعلومات الصحيحة لكي تنساب إلى الناس بيسر وسهولة من خلال كفالة حرية الرأى وحرية التفكير والتعبير شريطة عدم المساس بالثوابت العقدية للأمة.

والحل يكمن في ايجاد مناخ صحى في العالم العربى يحفظ للانسان كرامته وللامة ثوابتها مع إتاحة الفرصة لحرية القول في وسائل الاتصال كى تعكس هموم المواطن العربى وآماله وآلامه بصدق وموضوعية لان ثمة علاقة عضوية بين الحرية والابداع فبقدر مساحة الحرية يكون الخلق والابتكار.
http://www.al-sharq.com/site/topics...26&parent_id=50

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:00

الكتاب
43095 ‏السنة 127-العدد 2004 ديسمبر 2 ‏19 من شوال 1425 هـ الخميس


أوراق ثقافية
هــل يمكن حمايـة أمـن الإنســـــان؟
بقلم‏:‏ السيد يسين



دعاني السيد عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية مع عدد محدود من الخبراء‏,‏ للمناقشة النقدية للتقرير الذي أصدرته لجنة أمن الانسان وصدر بعنوان أمن الانسان الآن وذلك في الخامس والعشرين من نوفمبر‏2004‏ في مقر جامعة الدول العربية‏,‏ بحضور ممثلي الأمم المتحدة وعدد كبير من المندوبين العرب‏.‏ وقد أشرف علي تحرير التقرير صاداكو أوجاتا اليابانية أستاذة العلاقات الدولية ومفوضة الأمم المتحدة السابقة لشئون اللاجئين‏,‏ وأمارتياسن الاقتصادي الهندي المرموق الذي حصل علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام‏1998‏ واشتهر ببحوثه عن اقتصاديات الفقر‏.‏
وقد أدار النقاش في الندوة الأستاذ الأخضر الابراهيمي مساعد الأمين العام للأمم المتحدة‏,‏ بعد ان ألقي السيد عمرو موسي كلمته‏.‏

وقد طرحت فكرة انشاء لجنة مستقلة لأمن الانسان لأول مرة في مؤتمر قمة الأمم المتحدة للألفية الذي عقد قمته‏2000.‏ وكان هناك اتفاق عام علي أهمية التحرر من الثقافة والتحرر من الخوف‏.‏ ومنذ ذلك الوقت برزت مشكلات جديدة تحتاج الي مواجهة فعالة‏,‏ تتمثل في الهجمات الارهابية والعنف العرقي والأوبئة‏,‏ والانتكاسات الاقتصادية المفاجئة‏.‏ ويوجد خوف أيضا ـ كما يقرر تصدير التقرير ـ من عدم قدرة المؤسسات والسياسات الموجودة حاليا علي مواجهة ضعف تعددية الأطراف‏,‏ وتهاوي احترام حقوق الانسان‏,‏ وتآكل الالتزامات بالقضاء علي الفقر والحرمان‏.‏
وقد عرض التقرير عن أمن الانسان الآن موضوعات هامة شتي أهمها الناس المحاصرون في صراعات عنيفة والناس المتنقلون والانتعاش بين الصراعات العنيفة والأمن الاقتصادي‏,‏ وتحسين الصحة‏,‏ والفرق والمهارات والقيم لتحقيق امن الانسان‏,‏ وطرائق تعزيز أمن الناس‏,‏ والتوعية لتحقيق أمن الانسان‏.‏

القيادة والرؤية والالتزام
وقد دعيت لأكون أول متحدث في الندوة‏,‏ واخترت عبارة مهمة وردت في نهاية تصدير التقرير لتكون موضوع مداخلتي‏.‏ تقول العبارة مهمة أمن الانسان تتطلب قيادة ورؤية‏,‏ فضلا عن أنها تتطلب التزاما من المجتمع العالمي‏.‏
غير أنني في مناقشتي النقدية للتقرير حرصت علي وضع مسألة القيادة والرؤية والالتزام في السياق التاريخي للمرحلة التي يمر بها المجتمع العالمي الآن‏,‏ وهو الأمر المهم الذي غاب للأسف عن التقرير‏,‏ فبدت توصياته مثالية‏,‏ لأنها لم تنبع من تشخيص واقعي للمشكلات‏,‏ وبيان جذورها الكامنة أساسا في مناخ الهيمنة الذي يسود العالم في الوقت الراهن‏,‏ والذي يؤدي في الواقع الي تهميش الدول الصغري والمتوسطة‏,‏ لحساب الدول العظمي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي كشفت عن وجهها الحقيقي النقاب بعد الأحداث الارهابية التي وقعت ضدها في الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ وتجلت باعتبارها امبراطورية كونية مشروعها هو الهيمنة المطلقة والأبدية علي العالم‏!‏

وقد لفت النظر في بداية مداخلتي الي ان مفهوم المجتمع العالمي الذي ورد في صدر التقرير عن أمن الانسان يحتاج الي وقفة‏.‏ ذلك ان العالم ـ بفضل عمليات الاعتماد المتبادل بتأثير العولمة‏,‏ وثورة الاتصالات‏,‏ أصبح يكون مجتمعا عالميا هو وحدة التحليل الأساسية لفهم مايحدث الآن‏.‏
والمجتمع العالمي لحقته في العقود الأخيرة تحولات شتي اجملتها في خمسة جوانب أساسية‏.‏

التحول الأول هو الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي الي نموذج مجتمع المعلومات العالمي‏(‏ الذي يفترض سيادة الديمقراطية والشفافية وحق كل مواطن في الحصول علي المعلومات مجانا‏)‏ والذي يتحول ـ ببطء وان كان بثبات ـ إلي ما يطلق عليه مجتمع المعرفة‏,‏ الذي ينمو الآن مصاحبا لتحول الاقتصاد الي اقتصاد معرفة‏.‏ بحيث ستصبح العملية الأساسية في أي مجتمع متقدم هي عملية انتاج المعرفة‏,‏ التي ستفوق أهميتها كل عناصر الانتاج التقليدية‏.‏
والتحول الثاني هو انتقال المجتمع الانساني عموما من الأمن النسبي الي مجتمع المخاطر‏.‏ ذلك ان المخاطر الجسيمة الناجمة عن عديد من العوامل مثل الانتشار الذري وظهور أمراض جديدة غير مسبوقة‏,‏ وسلبيات عمليات الهندسة الوراثية‏,‏ وسوء استخدام التكنولوجيا‏,‏ بالاضافة الي الارهاب‏,‏ أصبحت تهدد المصير الانساني ذاته

والتحول الثالث هوالانتقال من الاقتصاد العالمي‏WorldEconomy‏ إلي العولمة‏,‏ والتي في تعريفها الاجرائي تعني حرية تدفق السلع والخدمات والأفكار والبشر بغير قيود ولاحدود
والتحول الرابع هو سقوط نموذج الأمن القومي التقليدي الذي كان يقوم علي حراسة حدود الدول وسيادتها‏,‏ إلي نموذج جديد للأمن القومي المطلوب منه ان يجابه تحديات الحروب الفضائية‏CyberWars‏ وحروب الشبكات‏NetWars,‏ والتي تتمثل في شبكات الارهاب التي تستخدم أدوات ثورة الاتصالات وكذلك جماعات المافيا العالمية‏,‏ وتجار السلاح‏.‏

والتحول الخامس والأخير هو زيادة الاعتماد المتبادل بين الدول‏,‏ وزيادة معدلات الاتصال بين الشعوب نتيجة للثورة الاتصالية الكبري‏.‏ وسيادة ثقافة الصورة التي أصبحت المصدر الأساسي الآن في تشكيل الوعي الانساني علي ثقافة الكلمة المكتوبة‏.‏

القيادة وأمن الناس
وإذا كنا تحدثنا عن اطار جديد لحماية امن الناس يتمثل في ثلاثية القيادة والرؤية والالتزام‏,‏ فإننا نري ان المشكلة الحقيقية التي تهدد امن الناس في العالم اليوم‏,‏ هي القيادة العالمية المنحرفة والتي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ والتي منذ اعلانها الحرب ضد الارهاب اصبحت هي المصدر الأساسي لتهديد امن الدول‏.‏
وستشهد العقود القادمة معركة دولية ضارية سياسية واقتصادية وثقافية‏,‏ بين النموذج الامبراطوري الأمريكي الذي يسعي انصاره الي تخليد الهيمنة الأمريكية المطلقة‏,‏ وبالتالي يصبح العالم عالما أحادي القطب‏,‏ وبين النموذج الصيني الذي يسعي لحشد التأييد الدولي له لتأسيس عالم تعدد الأقطاب‏,‏ متحرر من الهيمنة الأمريكية المطلقة‏.‏

ومن هنا يمكن القول انه علينا في الدول الصغيرة والمتوسطة ان نعي اولا طبيعة الصراع الدولي القادم‏,‏ وان نسعي بفاعلية لتشكيل تحالف دولي ضخم من الدول الكبري مثل الصين وفرنسا والمانيا وروسيا‏(‏ وهي الدول التي عارضت في مجلس الأمن التدخل العسكري الأمريكي في العراق‏)‏ وغيرها من الدول في مختلف القارات‏,‏ سعيا وراء تأسيس عالم متعدد الأقطاب‏.‏
أما الركن الثاني من الاطار الجديد المقترح لحماية امن الناس فيتمثل في ضرورة صياغة رؤية استراتيجية جديدة للعالم ومفهوم الرؤية الاستراتيجية يعني أساسا تصورا لما ينبغي ان يكون عليها العالم في العقدين أو الثلاثة عقود القادمة‏.‏ وهذه الرؤية لها مكونات أساسية أشار اليها تقرير أمن الناس‏,‏ وهذه من ايجابياته البارزة‏.‏ وتتمثل هذه المكونات في أن الزمن ينبغي ان يتمحور حول الناس وليس حول الدول‏.‏ ومن ناحية اخري هناك حاجة الي وجود هوية إنسانية عالمية مع احترام حرية الأفراد في أن تكون لهم هويات وانتماءات متنوعة‏.‏ وأخيرا ضرورة تشكيل تحالف عالمي لتعزيز السياسات المؤسسية التي تربط بين الأفراد والدول‏.‏

ويبقي ركن الالتزام‏,‏ وهو يعني تدعيم دور الدولة في حماية الأفراد من سلبيات السياسة الاقتصادية الجديدة‏,‏ والتي تتمثل أساسا في العولمة وتوابعها مثل سياسات التكيف الهيكلي‏,‏ والخصخصة‏,‏ وتسريح العمال‏.‏ بالاضافة الي تدعيم دور الدولة في مجال الرعاية الاجتماعية‏,‏ ومقاومة الاتجاهات البازغة التي تدعو الي انسحاب الدولة من عديد من ميادين التنمية وتركها للقطاع الخاص‏,‏ وعدم الاهتمام بالضمانات الاجتماعية‏,‏ والدعوة الي تقليصها لتخفيف العبء علي الدولة‏,‏ أو في بعض الحالات المتطرفة الغاؤها كلية‏!‏
غير انه لابد هنا من التأكيد علي المسئولية الاجتماعية لرأس المال‏,‏ وفرض نسبة علي الأرباح الفاحشة التي تحققها الشركات المتعددة الجنسيات لصالح صياغة برامج عالمية للقضاء علي الفقر‏,‏ وتحسين نوعية الحياة لملايين البشر

وتبقي اخيرا ضرورة زيادة فاعلية الجمعيات التطوعية غير الحكومية وكافة مؤسسات المجتمع المدني‏,‏ للقيام بدور فعال في التنمية الشاملة‏,‏ واشراك المواطنين في حل مشكلاتهم من خلال رفع وعيهم لتوسيع فرص الحياة امامهم‏.‏

كيف نبدأ؟
واذا كانت الملاحظات السابقة صحيحة وهي مبنية علي تشخيص دقيق للأوضاع الراهنة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية‏,‏ فان السؤال الملح هو كيف نبدأ بداية جديدة في مجال حماية أمن الانسان وفقا للخطوط السابقة؟
في تقديرنا انه ينبغي ان نبني علي ماتحقق فعلا من انجازات مرموقة في العقد الماضي‏.‏

وأبرز هذه الانجازات هو المجهود الخلاق الذي قامت به هيئة اليونسكو لتشخيص الاشكاليات المعرفية التي ستجابه الانسانية في القرن الحادي والعشرين‏.‏
ومن نماذج الاشكاليات المعرفية التي تم تحديدها ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين‏,‏ وضرورة صياغة عقد طبيعي جديد بين الانسان والطبيعة‏,‏ وضرورة صياغة عقد اخلاقي جديد يضبط التعاملات الاقتصادية والدولية‏.‏

والانجاز الثاني المرموق هو صدور تقرير حالة المستقبل عن المشروع الألفي الذي تشرف عليه جامعة الأمم المتحدة في طوكيو‏,‏ والذي حدد خمس عشرة مشكلة عالمية ستواجه الانسانية في القرن الحادي والعشرين‏.‏ من ابرزها الفجوة المتزايدة بين الموارد والسكان‏,‏ وظهور امراض جديدة لم تعرفها الانسانية من قبل‏,‏ وضرورة وضع كود أخلاقي للأسواق الاقتصادية‏.‏
وآخر هذه الانجازات هو التقرير الذي صدر عن الأمم المتحدة‏,‏ بمبادرة من كوفي أنان الأمين العام والذي شكل لجنة من حكماء العالم‏(‏ حوالي‏40‏ شخصية‏)‏ لكتابة تقرير عن حوار الحضارات صدر بعنوان الخط الفاصل‏Crossingthedivide‏ وصلب التقرير نقد عنيف للنظام العالمي الراهن الذي يقوم علي أساس هيمنة الدول الكبري والاجحاف بحقوق الدول الصغيرة‏,‏ والدعوة لصياغة نموذج لنظام عالمي جديد يقوم علي أساس الحرية والمساواة بين الدول‏.‏
http://www.ahram.org.eg/Index.asp?C...t1.htm&DID=8323

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:02

الصفحة الرئيسية:المنتدى
آخر تحديث: الخميس2/12/2004 م، الساعة 12:46 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة

جاك بيرك.. ذكري استعادية

د. عبدالله إبراهيم-كاتب وأكاديمي عراقي-يعدّ المستشرق الفرنسي جاك بيرك، أحد أهم الدارسين للثقافة العربية-الإسلامية، وقد توّج حياته الطويلة بترجمة القرآن الكريم إلي الفرنسية، وفيما كان يترجم كان يكتب عن كيفية قراءته للقرآن، فانتهي إلي تأليف كتاب تصدّر الترجمة بعنوان (كيف قرأت القرآن؟). ويختلف بيرك عن كثير من المستشرقين ممن كانوا يصدرون عن موجهات ثقافية غربية فيها درجة التعصب وهم يعالجون الثقافة العربية الإسلامية، إذ اتصف بالموضوعية التي جعلته يتبوأ مكانة كبيرة في الاستشراق الفرنسي في القرن العشرين. وأود أن استعيد لقاء خاصا جمعني به منذ نحو سبع عشرة سنة.

لقد تغيرت أمور كثيرة منذ ذلك الوقت، ووقعت أحداث جسام لم يكن يتوقعها أحد، بما فيهم بيرك نفسه، وتطور وعيي أنا بكثير من الأحداث التي سأذكرها، واختلف موقفي عما كنت عليه آنذاك، وهو أمر طبيعي يحدث لأي امرئ شهد تغيرات كثيرة في العراق. ومن المفيد بالنسبة للقارئ أن يأخذ بالحسبان ما كان الأمر عليه في الحقبة التي وقعت فيها هذه الأحداث، فقد كانت الثمانينيات من القرن العشرين حبلي بأمور كثيرة، واستنادا إلي يومياتي التي دونت فيها تفاصيل ذلك اللقاء حرصت علي إيراد ما دار بيننا. وفي جميع الأحوال فهي ذكري استعادية أوردتها بأقصي ما أستطيع من الدقة والحيادية، ولا أريد منها غير التذكير بتلك الحقبة التاريخية، وفي كيفية التفكير بها. في يوم 23/11/1987 رافقت وفود مهرجان المربد إلي جبهة الحرب، ولم تكن لدي عنها أية معرفة مباشرة من قبل سوي ما يعرفه البعيدون عن الجبهة، وكانت لدي رغبة لمعرفة ما يدور فيها. انطلق بنا رتل سيارات من نحو عشر حافلات مدنية كبيرة في الثامنة صباحا نحو القطاع الأوسط من جبهة الحرب، وهو من أقرب المناطق إلي بغداد، وكان هذا من التقاليد المفروضة علي ضيوف المهرجان، أن يمضوا يوما في زيارة الجبهة، ليظهروا مؤيدين لموقف العراق في الحرب. وكان العراق يفتخر بأنه يدعو إلي المهرجان أكثر من ألف كاتب وشاعر، فضلا عن مئات العراقيين. ضم الوفد الفرنسي من بين ما ضمّ المستشرق بيرك، ولما وجدته يجلس وحيدا في الحافلة، استأذنته وجلست إلي جواره، فقد كنت قرأت بعض كتبه، انتبهت إلي أنه وهو الذي يناهز السبعين من عمره، يرتدي بذلة جندي عراقي، ويحمل بيده بيريه عسكرية، وفي قدميه جزمة سوداء طويلة مما يوجد في مستودعات الجيش. زيه نسخة طبق الأصل من أزياء الجنود، البذلة فضفاضة وغير مكوية ذكرتني ببذلات الجنود المساقين حديثا إلي الخدمة العسكرية، بل إنه أقرب إلي كبار السن ممن سيقوا إلي الجيش الشعبي في ظل الحرب، فتساءلت مع نفسي عن السبب الذي يدفع مفكرا مرموقا، وشخصية ثقافية عالمية مثل بيرك لارتداء ملابس الجندي العراقي؟ ألم يفكر بأنه يستدرج للانخراط في موقف سياسي وإعلامي؟.

أخبرته بأنني مهتم بالدراسات الأدبية والفكرية، وأنتظر الأشهر القليلة القادمة لمواصلة دراسة الدكتوراه في الآداب، وأبديت إعجابي بالنقد الفرنسي الجديد، وذكرت أسماء تودروف، وغريماس، وبارت، وجنيت، وكلها كانت طازجة، وجديدة، وبدأت تعرف لتوّها في الثقافة العربية، لكنها كانت جزءا أساسيا من مشهد النقد الأدبي في العالم في تلك الفترة. نظر بيرك بقوة إلي، كمن يفاجأ، ودون أن يدير جسده البدين، راح يتحدث باستفاضة عن تفاصيل المشهد النقدي في فرنسا، قال إن الذين ذكرتهم هم من أصدقائه، وإذا كان بارت توفي منذ سنوات( دهس بسيارة أمام إحدي الجامعات الفرنسية) فأهم الأحياء هو غريماس، لكنه ابتلي بمجموعة من الأمراض(= سيموت بعد سنوات قليلة من هذا اللقاء) وهو مؤسس لل"سيميوتيك". استخدم بيرك المصطلح بصيغته الفرنسية. وأبدي شكا في القيمة النقدية لجيرار جنيت الذي كنت اطلعت علي كتابه"خطاب السرد" بالإنجليزية، ويتضمن تحليلا استقصائيا لرواية بروست" البحث عن الزمن الضائع" وهو جزء من كتاب كبير يتكون من عدة مجلدات بعنوان" أشكال" أو "مجازات" أو"صور". وفيه وضع القواعد الأولي للسرديات.

وكما كان معروفا للمثقفين العرب في منتصف الثمانينيات فقد كانت المصطلحات الجديدة في مجال الفكر والنقد الجديدين غامضة، ودلالاتها ملتبسة، وكنا نعاني محنة إبهام المصطلحات النقدية التي وصلتنا بمعزل عن سياقاتها الثقافية، من ذلك"سStructuralism" التي بدأت ترجمتها ب"البنيوية" تشيع، لكن ترجمات أخري لها مازالت شائعة تتردد في بعض البحوث والكتب، منها" الهيكلية"و"الإنشائية". استحسن بيرك ترجمة"البنيوية" وأقرّها، وهو يعيد نطق الكلمة ببطء وتمعن، وسألته عن مصطلح" "poetics " وذكرت له أنها تعرب ب"الشعرية" أو "صناعة الأدب" أو" فن الشعر" تمهل قليلا، وأقر التعريب الأول، واستشهد ببيت ل" هلدرلين عن" شعرية الحياة "ولما ذكرت له مصطلح"سDeconstruction" وكنت بدأت الاهتمام ب"دريدا"وذكرت له أن الترجمات الشائعة هي"التفكيكية" لكن هنالك ترجمات أخري منها" التشريحية" و"التهديمية" اختار فورا الأول، وأمتعض من البقية. سررت بذلك إذ كنت انتهيت لتوّي من كتاب بعنوان" التفكيكية: الأصول والمقولات" وبعثت به إلي المغرب حيث يطبع وحينما وجدت، فيما بعد، أن "التفكيكية" ليست مذهبا إنما هي منهج، لجأت إلي تصحيح العنوان ليصبح" التفكيك: الأصول والمقولات" وهو العنوان الذي نشر الكتاب به عام 1990م كانت هذه التوضيحات ثمينة بالنسبة لي، فقد مرت سنوات بعد ذلك قبل أن تستقر تلك المصطلحات في الثقافة العربية.

وجدت بيرك يتحدث، ثم يتوقف، ويستأنف، حتي ليبدو عليه أنه ينسي سياق الحديث. اكتشفت أنه يفكر ويتأمل ببطء، وهو يعرض أفكاره. وكانت مناسبة مهمة بالنسبة لي أن يدور بيننا حديث ليس عن الصعاب الأدبية التي كنت أواجهها فحسب، إنما عن الأوضاع العامة، فهو علي دراية وخبرة في شؤون العرب، وله كتابات كثيرة في ذلك. ولما انزلقنا إلي هذا الموضوع، أكد أن العرب يتجهون إلي الطريق السليم، لكنهم بحاجة إلي العقلانية الذاتية لنقد أخطائهم، وكان مسرورا بزوال الاستعمار، واعتبر ذلك أهم خطوة حققها العرب في القرن العشرين، ولما اعترضت بالقول إن الاستعمار عاد إلينا ممثلا بالتبعيات السياسية والاقتصادية، اعترف بهذا التسلل الخفي، لكنه عدّ ذلك دون الاستعمار المباشر، الذي شبهه ب"الجحيم" وسرعان ما قادنا الحديث إلي العراق، وصارحته بالقول إنني أحس بتشاؤم كبير من المستقبل، وأحيانا أشعر بضياع حينما استحضر الوضع الذي نحن فيه، فالحرب هدمت كل التطلعات التي تخيلناها في السبعينيات، ودفعت بالبلاد إلي خيارات مهلكة. نظر إلي وقال إن عدم اليقين هو من الميزات الفكرية للشباب، والعراق يمر الآن بالدور" اليعقوبي" الذي يشبه دور فرنسا في القرن الثامن عشر، فاليعقوبية هدفت إلي بلورة الكيان الوطني والقومي الفرنسي، وهي مرحلة لابد أن تمر بها الشعوب والأمم قبل استكمال شروط تكونها.

كان يتلكم وهو ينظر إلي الجبال البعيدة التي بدأت تلوح لنا، ونحن نعبر مدينة بعقوبة باتجاه الحدود حيث ميدان الحرب. قال كأنه يستأنف حديثا انقطع "الحرب التي تخوضونها هي ضريبة النهوض الحضاري في بلادكم، سوف ينتج عن هذه الحرب موقف عقلاني نقدي" وأطنب في الحديث عن الحرب وشجونها، وكأنه يضبط معادلة كيماوية، فوجدتني في حيرة من الأمر، فلم يتحقق من الحرب كل ما توقعه بيرك من موقف عقلاني نقدي!! ثم انعطف إلي الماضي، فذكر أنه كان جنديا في تونس، وشهد هزيمة الألمان أمام القوات الإنجليزية والأمريكية، وذكر كيف أن كثيرا من المثقفين الفرنسيين قاتلوا النازيين ومنهم مالرو، لكن المفاجأة الكبري حلّت حينما ذكر لي بأنه صديق ل"فركور" صاحب رواية "صمت البحر" التي كنت تعلقت بها من قبل، وهي عن المقاومة الفرنسية ضد الألمان، وفركور اسم حركي لأحد الكتاب الفرنسيين.

عاد مرة أخري إلي الواقع الذي نحن فيه، فذكر أن وضع العراق في الحرب أفضل من وضع فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، فالعراق لم تحتل أرضه علي الرغم من طول الحرب، ويبدو أنه نسي أن مدينة (الفاو) ومناطق عراقية أخري كانت محتلة من قبل الإيرانيين، وأننا كنا نتهاوي من الداخل بعد تفاعلات الحرب علي الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقادنا الحديث إلي"الثورة الإيرانية" استشهد بكلام للشاعر الباكستاني "إقبال" الذي قال إن ما يهدد الإسلام ثلاثة" الصوفية، والتعصب، والملالي" وذكر أنه في حالة الثورة الإيرانية فقد توافر اثنتان من مخاوف"إقبال" التعصب، والملالي" وأكد أن رجال الدين يشكلون طبقة متميزة لها مصالح خاصة، وتوقف كثيرا عند عبارة"رجال الدين" وقلبها علي لسانه، وتساءل" هل للدين رجال؟". ثم اتجه بنا الحديث إلي الثقافة الغربية، وتناثرت نبذ من الأحاديث عن ديكارت ودريدا، فوجدت، قبيل الظهيرة، أنه بدأ يجهد نفسه للتعبير عما يريد قوله.

ظهر الإرهاق عليه، فصمتنا، وانكفأت أنا علي نفسي متسائلا إن كنت مبالغا في تشاؤمي فيما يخص الأوضاع التي كانت عليها بلادنا، فها هو مفكر معروف يتقدم برؤية مخالفة لما كنت أشعر به. ولما بلغنا المواقع العسكرية تجمعت الوفود لرؤية المدافع والدبابات والجنود، وفيما كانت المذيعة التلفزيونية "شميم رسام" المكلفة بإجراء لقاءات تلفزيونية مع الوفود في الجبهة تسأل بيرك رأيه ب"العدوان الإيراني علي العراق" انطلقت ستة من المدافع الكبيرة دفعة واحدة، اهتزت لها الأرض، فابتسم بيرك، وقال"هذا هو رأيي". كنا تآلفنا، فأمضينا النهار بكامله معا، وعدنا مرهقين في السابعة والنصف مساء، تلازمت أيدينا بقوة، علي أمل لقاء آخر، لكن ذلك لم يقع، فلم أره بعد ذلك، وتوفي في مطلع التسعينيات .

abdullah_ibrahem@yahoo.com


http://www.raya.com/site/topics/art...24&parent_id=23

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:04

الصفحة الرئيسية:المنتدى
آخر تحديث: الخميس2/12/2004 م، الساعة 12:48 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة

الهزائم النكراء في فكرنا العربي (الحديث)!

أ.د. عمر بن قينة- كاتب وأكاديمي جزائري-ربّما كان عنوان هذا الموضوع كبيرا، وربّما بدا فيه تجنّ، وربّما مجازفة في الحكم أيضا؛ ففكرنا العربي الذي نصفه (بالحديث) منذ القرن التاسع عشر الميلادي حافل بالمواقف والرجال الأعلام وإنجازاتهم، وقد أسهموا في إشاعة الوعي الفكري، وعملوا للنهوض السياسي ودعوا للتحرر الوطني في كل قطر عربي، كما كان لهم دورهم الإصلاحي في تخليص حياة الأمة الدينية ممّا لحقها من تحريف وتشويه، وغيبية واتكالية كان يكرسّها أشباه المنتسبين للدين - وقد عادوا اليوم - من أنصاف المتعلمين في علوم الدين نفسها، هؤلاء الذين لا يفرقون بين نهاية آية، وبداية أخري، بل يقرأون الآيات مجزأة أو منقوصة، فلا يختلف أذاهم للدين عن الأذي الذي يلحقه به خصومه المعلنون، وهم يتوقفون عند: ويل للمصلين استغناء منهم عن الصفة الذين هم عن صلاتهم ساهون .

عذري في ذلك ان العدوان يوجز النتائج التي انتهينا إليها بعدما يقرب من قرنين من مجاهدة الاحتلال ووكلائه وذيوله وقيمه، وليس هناك تجن ولا مجازفة بقدر ما هو نقد ذاتي لقصورنا وتقصيرنا معا في معاضدة الأجيال السابقة من رجال الفكر والإصلاح، وترجمة أفكارهم في حياتنا، ومتابعتها بالتثمين والتطوير، فكريا وسياسيا في البدء وفي (الختام) والسياسة كانت الأذي الأكبر، في الحيلولة دون تطوّر مجتمعاتنا، فكانت الخندق العميق الذي دقت فيه عنق الفكر العربي، وهي السبب في كل الهزائم النكراء في فكرنا العربي (الحديث) الذي ليس له من صفة (الحديث) شيء، من دون مضمون سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، وإلاّ ما بات (أشباه المتعلّمين) في علوم الدنيا والدين جسورا لأشباه سياسيين، يحفونهم في (مواكبهم) و(مهرجاناتهم) بالطبل والمزمار، إشادة بالحاكم الذي لم تلده عربية في الأولين، ولن تنجبه واحدة في الآخرين.

ماذا كان مصير المفكرين الرواد، من الجيل الأول في هذا العصر وبعضهم لنباهته كان (عالم دين) وعالم دنيا، وفي مقدمة أبناء هذا الجيل (ابن العنابي) من (الجزائر) والطهطاوي من (مصر) وخير الدين التونسي من (تونس) وغيرهم، ممّن كانت آراؤهم أرضية للفكر السياسي الحرّ مثل (حمدان خوجة) الجزائري، و(روحي الخالدي) السوري، وغيرهم ممن أجهضت جهودهم الفكرية والأدبية والسياسية ذات المضمون الديني والاجتماعي ارتباطا بهوية الأمة الإسلامية من (طنجة) إلي (جاكرتا) أجهضها أشباه السياسيين الموالين للاحتلال علي الأرض يعمل بهم فيستغلهم، أو وكلاء له بعد رحيله يرعون أهدافه ذات المدي البعيد.

رغم أن جهود الرعيل الأول أجهضت فقد كانت أرضا طيبة لجيل لاحق من رجال الفكر وعلماء الدين، من أمثال (الكواكبي) و(الأفغاني) و(محمد عبده) و(ابن تيمية) و(عمر بن قدور) المسلم الجزائري الذي عكست حياته الصورة الواضحة لهزيمة الفكر الثانية، وهو يمثل الجسر الفولاذي الرابط بين رجل الفكر وعالم الدين من جهة والصحفي والمفكر والشاعر من جهة أخري، المؤمن بأمته الإسلامية في شتي بقاع المعمورة، لهذا بكّر: كمفكّر، وعالم دين، وشاعر وصحفي له جرائده التي من آخرها (الفاروق) التي كان يستلقي علي جبينها بيت شعري لصاحبها نفسه:

قلمي لسان ثلاثة بفؤادي

ديني ووجداني وحبّ بلادي

وقد بكرت ملامح الانكسار علي قلمه، في صورة أقرب إلي الرثاء للمآل الذي آلت إليه حال الأمة الإسلامية، والتشويه الذي لحق العقيدة الإسلامية:

أيا قوم ما تحلو لقلبي حياته

وقد دوّخ السمحاء هول فناها

ولا تتأخر زفرة الإحساس بالهزيمة النكراء سياسيا وفكريا للتعبير عن نفسها لديه سنة (1913م) كمن يستعد لإلقاء أسلحته، وقد خذلته سياسة إسلامية قاصرة، وأشباه سياسيين، فضلا عن (رجال رأي) مهزومين، فلّت أسلحتهم أو باعوا ذممهم أو أنشب اليأس أظفاره في نفوسهم، وكان هو من هؤلاء اليائسين تآزرت عليه قوي (الاحتلال) الأوروبي، وخنوع ابن الوطن أو ولائه للأجنبي، فقال قبل أن يلوذ بعزلة لم يخرج منها إلاّ إلي قبره:

دنف عراه اليأس حتي قلبه

يقضي السنين بحسرة وتململ

يا شرقنا إنّ ظننتك ناهضا

فجعلت ظني الماء وسط المنخل

هذا الانكسار هو الذي غصّ به (الأفغاني) وأجبر (محمد عبده) علي (المسالمة) للاستعمار، بل ربّما خدم الرجل الاستعمار معنويا غير عامد كحاله في زيارته (للجزائر) التي تمت علي نفقة السلطات (الفرنسية) حيث كان يقضي رجال فكر وعلماء دين كمدا، ولم يمهل الاحتلال الأوروبي ولا قوي الحكم الظالمة (الكواكبي) حينما استعصي عليهم، فقضي الرجل مسموما في (القاهرة) يائسا أو كاليائس.

هذه الانكسارات والهزائم بدل أن يستفيد منها جيل لاحق، لم يتخذ احتياطاته في ذلك، كما لم يحصنّ نفسه بالمناعة ضدّ الهزيمة: استسلاما لواقع أو زهدا في الحياة، أو بيعا لذمة، أو مجاراة ومسالمة، في مقدمات (استقلال) أو في عهود (التحرير) خصوصا، بعد رحيل الاحتلال تاركا (الوكلاء) غير المباشرين، فلقي رجال الفكر وعلماء الدين والإصلاح العنت، من أمثال (الشدياق) و(ابن باديس) و(العقبي) و(الإبراهيمي) و(طه حسين) و(العقاد) و(مالك بن نبي) و(ميخائيل نعيمة) الذي انزوي في قريته (بسكنتا) مستطيبا رعي بقرات علي الصراع في الحياة، يائسا من تحريك الهمم حتي في مجال الفكر، في محيط سرعان ما بات بعد (التحرير) أكثر تلوّثا، فغياب العدوّ الشاكي السلاح المكشر الأنياب أوحي بسلام كاذب، لم يلبث حتي أعلن نفسه جحيما مقيما، فبعد قضاء المجاهدين الحقيقيين شهداء في ميدان شرف ناب عنهم (أشباه ظافرون) خرجوا من حيث نعلم ولا نعلم، ليتآمروا في (صفقات) رخيصة، مقابل امتيازات لهم ولذريتهم في الحياة وبعد الممات، يسلّمون بمقتضاها الأوطان لذوي الياقات الأنيقة، المقبلين من قريب أو من بعيد من قصور، أو من دور، ونحوها.. أخلاها لهم (سلف) لمتابعة المهمة، متواريا خلف (الأكمات).

فماذا كان حال المشهد الفكري؟ لقد تراجع الوهج الفكري في مواجهة المحتل الأجنبي المتواري، كما بات (القمع) بالتهم الكاذبة قدر كل مفكر وطني شريف حرّ، يدان بنقص في الوطنية الشوفينية، وباسم المصلحة الوطنية، وأولويات المعركة مع (التخلف) و(العدو الصهيوني) وهي الملاذ الأخير للسياسيين الظالمين المصادرين لحريات الشعوب.

وهنا راجت من دون شك (سوق النخاسة) الفكرية، فأعلن (الجبن) نفسه في نفوس خلت من المناعة، وغدت المناصب السياسية غاية معظم حاملي الأقلام، يزحفون إليها علي (البطون) زحفّا من دون كلال، فإذا وصل أحدهم رمي علي قارعة الطريق كل مبادئه، وداس علي كل علاقاته، وتنكّر لما تقدم من رأي له وفكر، بل يكفّ عن الذهاب للمسجد خوفاً من تهمة تصادر منه المنصب أو صونا (لذاته) من أن يكون كتفا لكتف مع مواطن بسيط في مسجد، فضلا عن تبكيره بتغييره أرقام هاتف، وإقلاع عن مواعيد لأهل أو أصدقاء.

ويكبر الإحساس بهذا النكد حين يتلبس بالأمر جامعي ذو قلم ومواقف في مجال الفكر، فيكلفه الحرص علي المنصب السامي: كرامته الإنسانية، وشرفه الفكري، فضلا عن حريته الشخصية.

وما أكثر الوزراء والسفراء الذين صاروا مخلوقات جديدة بفعل المنصب، وهو أمر عام في الحياة العربية لكنّه يأخذ الأمر بعدا كارثيا حين يتلوّث به الجامعي المفترض فيه ما ليس في سواه، وإنّي لأنكر جامعيا مرموقا وصل الي رئاسة جامعة، وهو ذو قلم متميّز، وفكر كنّا نحسبه علي قدر كبير من المناعة، ما أن أسند إليه منصب وزاري حتي انقلب علي عقبيه، وقد سبق للمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر - رحمها الله بفعل مسيّريها الذين وصلوا إلي قمتها زحفا علي البطون من دون أدني مؤهل - أن أحالت لهذا الأستاذ قبل أن (يستوزر) كتابا للتقييم لطابعه السياسي، فأعطي رأيه بما يفيد النشر، لكنه ما أن وصل إلي (وزارته) حتي أرسل علي جناح السرعة للدار يسحب رأيه في كتاب، لا برفض النشر ولا بالموافقة عليه، مقترحا تحويله إلي (محكّم) آخر، ألم يصبح وزيرا، كلماته من (ذهب) ومنصبه تنبغي حمايته من الآثار التي قد تنجم عن ذلك الكتاب الذي كتبه سياسي حين غادر السلطة، فاعتري صاحبنا تحوّل فظيع حتّي في لغته، وهو تحت الأضواء في التنقلات (السياسية) لذا ما أن بات خارج الوزارة حتي أصيبت معنوياته بانهيار شديد، فحين ظهر بعد (السقوط) بشهور بدا كأنه قادم من قلب المجاعة في (أثيوبيا) أو في (الصومال) كأنما حسب أنه خالد في المنصب لا يخرج منه إلاّ إلي (مقبرة الشهداء)؟! ورحمه الله الآن، علي كل حال! والعبرة بالموقف لا بالشخص ذاته، هي العبرة التي تفرض علينا ألاّ (نغيّب) حرمه المصون، فما أن بلغهم - في حياته طبعا - أمر بإخلاء البيت الحكومي، في منطقة (نادي الصنوبر) حتي بادرت غيظا وحنقا بتهشيم كل ما استطاعت تهشيمه في البيت انطلاقا من المطبخ ذاته، بعدما ظنت أنها (خالدة) فيه، كما ظن الرجل رحمه الله أنه باق في المنصب فرمي كل فكره وراءه، وهكذا خسرناه كما خسرنا مئات من أمثاله في الوطن العربي.

هزيمة هذا الرجل الفكرية في النهاية أمام إغراء السلطة، لم تختلف عنها هزائم غيره من رجال الفكر في الوطن العربي، مع اختلافات فرعية، لكنّها جميعها تعلن حقيقة الهزائم النكراء، في فكرنا العربي (الحديث) فانتهي المآل به وراء منصب مخادعا نفسه والناس ملخصا بذلك شتّي ضروب الانكسار والهزيمة، يكبر الإحساس بنتائجها في مناخ وطني تقنا إليه مناخا نظيفا حرّا، وطنيا كريما.

E-Mail:beng@ayna.com

http://www.raya.com/site/topics/art...24&parent_id=23

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:06

الصفحة الأولى> رأي ودراسات
02:01 آخــر تحديــــث 2004-12-02

إلى عالم متعدد القطبية أكثر عدلا وإنسانية...د. عبد الهادي بوطالب
قام الرئيس الفرنسي “جاك شيراك” بزيارة عمل إلى انجلترا يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2004 وأجرى مع الوزير الأول البريطاني محادثات صريحة ومعمقة حول المصير العالمي بعد حرب العراق المستمرة.

واغتنم الرئيس الفرنسي الفرصة فألقى في رحاب “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن” محاضرة دعا فيها إلى إقامة عالم جديد متعدد القطبية وأكثر عدلا وإنسانية، حسب تعبيره الذي جعلْنا منه عنوان هذا المقال الأسبوعي.

يرى الرئيس “جاك شيراك” أن النظام العالمي الذي أقيم في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبح متجاوَزا بإفراغه من محتواه، واعتبر أن ما جدّ على المسرح الدولي من معطيات سياسية إنما نتج عن اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية قرار غزو العراق من دون موافقة منظمة الأمم المتحدة، وأن ما ترتب على ذلك من تفرق المجتمع الدولي - وخاصة أقطابه الكبار- حول تقييم جدوى الحرب على العراق وعدم ملاءمتها للظرفية السياسية، كل ذلك - يقول الرئيس شيراك- يستدعي إعادة النظر في النظام العالمي القائم اليوم، بل أكثر من ذلك يفرض إقامة نظام عالمي جديد مغاير وبديل عن النظام الدولي الحاضر. وركز الرئيس “شيراك” على ضرورة التخلي عن الهيمنة الأحادية على العالم، والعودة إلى نظام التعددية القطبية التي تتعاون وتتساند لحل مشكلات العالم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية، وما أكثرها ! مما ينوء بحمله كاهل قطب واحد مهما عظُم أو رجحت قواه العسكرية.

إنها صيحة قطب عاقل حكيم لم يتردد في الجهر بها، وسيكون لها صدى مُدو في العالم كله. وستلقى بكل تأكيد مساندة الأقطاب الآخرين باستتناء الولايات المتحدة التي عملت منذ 11 سبتمبر/ ايلول على فرض هيمنتها الأُحادية، لكن لم تَلْق من العالم الاستجابة والقبول، لأن العالم ظل وسيبقى مناهضا للحكم الأُحادي أو متحفظا منه.

تدرّجت فرنسا شيراك على طريق مناهضة الهيمنة الأمريكية وانتقاد تصرفات الولايات المتحدة في التعامل الدولي ومؤاخذتها على عمليات الابتزاز التي مارستها على حلفائها ومنظمة الأمم المتحدة. وكانت فرنسا أولى الدول التي وقفت في وجه هذا الابتزاز ونجحت في مواجهة تحديه عندما قالت لا من فوق جميع المنابر العالمية : لا للمشاركة في حرب الإرهاب بحضور الجيش الفرنسي بالعراق تابعا للجيش الأمريكي ولو ضمن قوات التحالف الدولي، ولا لحرب العراق التي اعتبرها “شيراك” غير قانونية، ولا لتهميش الولايات المتحدة منظمة الأمم المتحدة في إطار تهميش القطبيات، ولا لقَصْر المساهمة في إعمار العراق على دول قوات التحالف الدولي، ولا لعقد مؤتمر دولي حول العراق لا تشارك فيه دول الجوار، ولا لعزل الرئيس عرفات من رئاسة فلسطين، ومقاطعته وتحييده ونعته بالإرهابي. إن فرنسا ظلت مصرة على التعاون مع الرئيس الفلسطيني، والتضامن معه، والتعامل معه كرئيس دولة مستقلة كاملة السيادة، وظل وزير خارجية فرنسا يزور الرئيس الفلسطيني في مقره برام الله بالرغم من قرار شارون القاضي بأن من زار عرفات بمقره لن يُستقبَل من شارون وأعضاء حكومته.

وكان آخر مظاهر الاعتراف برئاسة عرفات لدولة فلسطين عزف النشيد الوطني الفلسطيني فالنشيد الوطني الفرنسي على جثمان الرئيس يوم توديعه في باريس إلى قبره برام الله، هذا إلى الزيارتين المتواليتين اللتين أداهما “شيراك” إلى عرفات وهو على سرير الموت ليعرب بذلك عن تعاطفه مع فلسطين، ورئيسها الذي تنعته “اسرائيل” بالإرهابي وتؤمن على ذلك الولايات المتحدة رُبّما على مضض، لأنها لا تقدر أن تقول لا ل “اسرائيل”.

من حق الرئيس الفرنسي أن يطالب بإقامة نظام عالمي جديد بعد أن أنزلت الإدارة الجمهورية الأمريكية بنظام سنة 1945 ضربات قاتلة، وبعد أن عملت لإفراغه من محتواه بالتمرد على سلطته، وجعل القرار الأمريكي يعلو عليه، وبوضعها قوانين طوارئ استثنائية جعلت منها قوانين أسمى من القانون الدولي، بل باعتبارها أن الحرب على الإرهاب لا تطولها قوة أي قانون، وبسعيها إلى تعطيل قوانين الشرعية الدولية عن العمل بها وتعويضها باللاقانون أو بالقوانين الاستثنائية. وهذا هو ما طبقته الإدارة الجمهورية على معتقلي “جوانتانامو” وما ارتكبه جيشها من جرائم ضد الإنسانية في سجن أبي غريب بالعراق، وبمباركتها وتأييدها لجرائم الحرب المرتكبة من لدن شارون وتبريرها بذريعة حق “اسرائيل” في الدفاع عن نفسها وإبادة “الارهابيين” الفلسطينيين. وما كان لهذا كله أن يصدر من أية دولة عضو في الأمم المتحدة صغيرة أو كبرى لو كانت منظمة الأمم المتحدة موفورة الحرمة مهيبة الجانب كما كانت عليه قبل أن تشن الإدارة الجمهورية الأمريكية حربها على المنظمة الأممية : حرب التهميش والاحتقار والمس بمصداقيتها.

واليوم تغيرت الخريطة العالمية عما كانت عليه عند وضع الميثاق الأممي سنة ،1945 حيث ارتفع عدد أعضاء دول المنظمة الأممية إلى ما ينيف على 180 دولة، وحيث ظهرت قوات عظمى إما سياسيا أو اقتصاديا لا تنتمي إلى الغرب لم تكن موجودة من قبل. ومن حقها أن يكون لها تمثيل متميز في مجلس الأمن وحضور أكثر فعالية في الأجهزة العاملة بمنظمة الأمم المتحدة. وهذه الدول العظمى أو الصاعدة على سُلم العظمة تنتمي إلى حضارات وثقافات مختلفة عن الثقافة الغربية، وبالتالي فهي قادرة على بذل عطائها المتميز الذي يشكل رديفا رافدا للعطاء الغربي. ومن شأن فسح المجال له داخل منظمة الأمم المتحدة أن يمدها بدم ونفَس جديدين. وجميع ذلك يخدش في تصور نزعة الهيمنة الأُحادية، لأنها وحدها لا تقدر على حكم العالم الذي هو في حاجة إلى عطاء مختلف الأقطار والحضارات والثقافات والخصوصيات. والتعددية وحدها هي القادرة على سد الفراغ الذي تخلقه الأحادية والانفرادية.

وقد تبين خلال السنوات الأربع الماضية (ولاية الرئيس الأمريكي) عجز الإدارة الأمريكية عن قيادة سفينة العالم وحدها ولم تنجح في فرض قيادتها بالقوة العسكرية، بدليل ما تعانيه من صعوبات في أفغانستان والعراق، وما تعانيه هي و”إسرائيل” في فلسطين. صحيح أن الإدارة الأمريكية حققت نجاحا يُذكر لها حيث قسّمت العالم إلى من يؤيدها ومن يعاديها. ونجحت بالتالي (مثلا) في تفريق أوروبا على معسكريْ من لبوا دعوتها للمشاركة في حرب العراق، ومن رفضوا المشاركة. لكن عدد هذا الفريق الأخير ضعيف بالنسبة للفريق الذي قال لا للولايات المتحدة. ومن بين هذا الفريق الأخير الدولتان العُظْمَيان : فرنسا وألمانيا والتحقت بهما إسبانيا. لكن في النهاية عادت أوروبا إلى تفاهمها وتضامنها. أما الولايات المتحدة ففي جميع الظروف لم تنجح في توحيد العالم على تبعيته لها، لأنه بطبعه يرفض أن يكون مجرورا بالتبعية مثلما يرفض نزعة الهيمنة الأحادية. والتاريخ يعلمنا أن نزعة الهيمنة الأحادية لا تحقق السيطرة على العالم، وأنها مهما طال وجودها فعمرها قصير. وعلى الولايات المتحدة أن تستخلص من التاريخ هذا الدرس المحتوم.

لا يكفي أن تدعو فرنسا لنظام عالمي جديد متعدد القطبية أكثر عدلا وإنسانية وإن أيدت رغبتها وتمنياتها نظم سياسية عالمية أخرى، فما نيل المطالب بالتمني، ولكن بأن تتولى فرنسا ومن يحالفها طرح مشروع إصلاح النظام العالمي على الأمم المتحدة للنظر فيه والتداول بشأنه وتبنّيه والتصويت عليه ليصبح نافذ المفعول جاهزا للتطبيق.

إن الخروقات التي ارتكبتها نظم سياسية للميثاق الأممي (1945) والانحراف عن تطبيق القانون الدولي، وعدم الامتثال للشرعية الدولية - وتميزت بها خاصة “اسرائيل” والولايات المتحدة- أصبح معها ميثاق سنة 1945 متجاوَزا لعدم العمل به، وبالأخص عندما حاولت الولايات المتحدة تهميش دور منظمة الأمم المتحدة، أما “اسرائيل” فتمتاز في المجتمع الدولي بأنها هي الوحيدة التي لم تنفذ ولا قرارا واحدا للأمم المتحدة.

أقترح على الرئيس “جاك شيراك” أن يؤلف لجنة من دول أوروبية تشاطره دعوته إلى خلق نظام عالمي جديد لإعداد مشروع ميثاق أممي يُقدم للأمم المتحدة للنظر فيه للتداول بشأنه وتبنيه وطرحه للتصويت عليه في المنظمة الأممية، على أن تتضمن بنوده العقوبات التي تطبق على الدول الماردة على الأمم المتحدة والخارجة على قوانينها، ومنها طرد هذه الدول من المنظمة. كما ينبغي أن يتضمن الميثاق بنودا زاجرة للذين يعملون من بين الأعضاء على احتقار الأمم المتحدة أو تهميشها، مثلما ينبغي وضع نصوص لعقوبة النظم السياسية التي تقوم على العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الإسلام، أو لا تطبق حقوق الإنسان، وفي طليعتها التمييز العنصري ضد المرأة، ونكران حق مساواة الرجال والنساء، إلى غير ذلك مما تمارسه بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على سمع وبصر المنظمة الأممية دون أن تحرك هذه ساكنا.

إن خلق “عالم جديد متعدد القطبية أكثر عدلا وإنسانية” لا يتأتى بالاقتصار على طرح هذا الشعار الجذاب، بل بتحديد مسلسل صيروري لهذا المشروع، بدءا من إعداد الميثاق والتصويت عليه وتبنيه دوليا إلى جعله حقيقة واقعة، وقرارا نافذا.



contact@abdelhadiboutaleb.com

www.abdelhadiboutaleb.com

http://www.alkhaleej.ae/articles/sh....cfm?val=124815

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:07

رفيق عبد السلام
الغرب بين الولادة والأفول «3-3»
تاريخ النشر: الخميس 2 ديسمبر 2004, تمام الساعة 03:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة


لا نعلم إن كان من سوء حظ العرب والمسلمين أو من حسنه أن توالت عليهم موجات العدوانية الغربية واحدة تلو الأخرى، ما أن يدفعوا حلقة منها حتى تكر عليهم الأخرى، فإذا بموعودات التحرير التي دونها رجال الأنوار تستحيل في أرضهم إلى احتلال مقيت، وإذا بالديمقراطية الموعودة تستحيل إلى وطأة ثقيلة من الاستبدادية السياسية مدعومة ومحروسة أمريكيا وغربيا، ولعل الوجهين الأكثر كثافة اليوم عن حالة الهوة السحيقة التي تفصل دعاوى الحداثة الغربية في الحرية والتحرير وتجسداتها العملية في منطقتنا العربية هما مشروع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما يلقاه من أشكال الدعم الخفي والمعلن من القوى الغربية وفي مقدمة ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ثم أخيرا وليس آخرا الاحتلال الأمريكي للعراق للسيطرة على مقدراته والتحكم في مصائره باسم دعاوى التحرير، وهكذا في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات بعض المنظرين الغربيين والأمريكان بتأكيد انتصار القيم الثقافية الغربية واكتساحها الضارب لكل مناحي المعمورة الكونية تزداد إرادة السيطرة والتحكم الغربيين شراسة على شراستها وتزداد معها عوامل النقمة والشكوك في جدية وصدقية القيم الثقافية والسياسية التي تبشر بها، بل أكثر ماتبدو الجيوش الأمريكية وكأنها ترج الأرض من تحت أقدام النخب العربية والإسلامية المعبأة بالنموذج الحداثي الليبرالي، أو كأن أولى مهماتها تفكيك مواطئ قدم النخب السياسية والفكرية التي يفترض فيها أن تكون طلائع التبشير بالمشروع الغربي الأمريكي الجديد.
ولعل الاختبار الأكبر لمدى جدية وصلابة القيم السياسية الغربية وفي مقدمة ذلك مقولات الديمقراطية وحقوق الانسان أنما يكون في الأجواء غير العادية وفي مناخات الحروب والأزمات الكبرى، وقد شهد العالم كيف أدارت بعض الديمقراطيات الغربية آلتها الحربية ضد العراق بأساليب الخداع ومخاتلة مواطنيها و الرأي العام، و كيف تحولت أم «الديمقراطيات الليبرالية» إلى آلة ضخمة من الرقابة الأمنية والأكاذيب المفضوحة التي تسوغ شن الحرب والعدوان، ففي الوقت الذي كانت الألة الاعلامية والسياسية الأمريكية تغلف أهدافها التوسعية والاستحواذية في العراق بجلب الديمقراطية وحقوق الإنسان كانت البوليس الأمريكي يعتقل المتظاهرين ويغل أياديهم في الساحات العامة وعلى مرأى ومسمع من الكاميرات العالمية، أي أن هذا النموذج السياسي والثقافي الذي يراد تصديره إلى العالم والذي تشن الحروب من أجله لم يستطع أن يصمد حتى في موطنه الأصلي فضلا عن صموده خارج حدوده القومية.

صحيح أن هذه الهوة السحيقة بين القيم السياسية والثقافية الغربية وبين المسلكية على الأرض ليست أمرا جديدا أو طارئا فقد ولدت الحداثة الغربية مسكونة بهذا التوتر ومحاولات المواءمة والتوفيق المستمر بين هذين البعدين، بما في ذلك محاولة المواءمة بين مطلب التحرير وخيار الاستعمار، ولسنا نضيف شيئا جديدا في تبيان هذه الهوة، إذ سبق للفيلسوف الألماني هابرماز أن فصل القول حول تزايد المسافة بين مبشرات المشروع الثقافي الأنواري في التقدم والتحرير والعقلنة وبين مشروع التحديث الغربي وما لازمه من مظاهر التشوه والانحراف، ولكن يبدو أن هابرماز حاول أن يتداوى بالتي كانت هي الداء ذاته فقد رأى في التراث الأنواري مركز الإسناد لمراجعة مشروع الحداثة وتدارك عثراته وإخفاقاته محاولا النسج على منوال أسلافه من الأنواريين بتأكيد الإدعاءات العالمية لمشروع الحداثة الغربي «مع الإقرار بالتنوع والاختلاف ولكن داخل حدود النموذج الليبرالي الغربي».

إن ولادة الغرب الحديث واكتسابه طابع العالمية كانت يوم شيوع الحلم الليبرالي الغربي في التقدم والتحرير، كما أن نهايته أو موته ستكون بموت هذه الأحلام والأوهام التي صنعها وروجها في كل مناحي المعمورة الكونية، وحينما نتحدث عن نهاية أو موت الغرب هنا لا نعني بذلك نهاية موضعية جغرافية قد تواضع أهلها والعالم على تسميتها بالغرب، بل نعني بذلك نهاية إدعاءاته الكونية بعد إرجاعه إلى نسبته التاريخية ومحدوديته الثقافية شأنه في ذلك شأن الظواهر التاريخية الكبرى التي تولد ثم تموت، صحيح أن الغرب الحديث بما امتلكه من ناصية العلم والتكنولوجيا وبما يختزنه من منظومة قيمية ورمزية ذات ادعاءات عالمية قد ترك بصماته في كل مناحي المعمورة الكونية كما أشاع الكثير من مكاسبه وثمراته، بقدر ما ورث ندوبه وأمراضه لكل شعوب العالم تقريبا. يبدو أن ما اسماه الفيلسوف الألماني هايدجر بأوروبا أو تغريب الكوكب مجافي لحقائق الأمور على الأرض، لسبب بسيط هو أن العالم بكل تنوعاته وتعقيداته لا يمكن أن يتغرب على المنوال الأوروبي والأمريكي ليس لمجرد كونه رافضا لأن يكون مرآة عاكسة للصورة الأصلية، بل لأن هذا الغرب الحديث لا يستطيع ولا يريد ايضا أن تغيب تلك الحدود السميكة والفاصلة بين الصورة الأصلية وبين نسخها، أي بين غرب الولادة والأصل والنقي وغرب المحاكاة والمماثلة، فالعالم مثلا لا يمكن أن يتحول ديمقراطيا ليبراليا ليس لأنه يرفض قبول القيم الديمقراطية بل لأن المركز الغربي المتحكم والمهيمن لا يحتمل عالما ديمقراطيا وليبراليا على شاكلته لأن ذلك معناه تفكيك الحدود الفاصلة بين المركز والأطراف وبين ديمقراطية الغرب وديمقراطيات العالم الواسعة.

الخلاصة هنا أننا نحن أبناء هذا العصر قدر علينا طوعا وكرها أن نحمل في دواخلنا بعضا من ملامح وشخوص هذا الغرب الحديث نلبس ملابسه ونستعمل الكثير من مصنوعاته بل نتكلم في الكثير من الأحيان لغته ونقرأ بلسانه وقد نتذوق بعضا أو كثيرا من فنونه ولكن قدرنا أيضا وقدر العالم من حولنا أن يحرر ما بقي من وعيه وهيأته ومختزنات شعوره من سطوة الأحلام والأوهام ومن المبشرات الغربية ليس لأننا نكره الغرب أو نجهله بل ربما لأننا قد بلغنا درجة كافية من الرشد ورصيدا كافيا من الخبرة والتجربة بما يجعلنا نميز بين الحلم والحقيقة، وربما سيكون أبناؤنا وأحفادنا أكثر قدرة على امتلاك ناصية الوعي التاريخي واقدر منا على التحرر من الأوهام المريضة.

http://www.al-sharq.com/site/topics...58&parent_id=50


http://www.al-sharq.com/site/topics...641%u0648%u0644

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:11

"ابن رشد والرشدية" لرينان: رجل حرية أم فيلسوف؟
ابراهيم العريس الحياة 2004/12/2

"انه كتاب عرف في الوقت نفسه كيف ينزع الطابع الأسطوري عن مادة بحثه, ثم كيف يفرض أساطير جديدة على كل أولئك الذين استأنفوا دراسة الملفات المتعلقة بالموضوع. وهو, أيضاً, كتاب إذا كان صحيحاً انه يبدي شيئاً من الرفض لجوهر الموضوع الذي يطرحه, عرف كيف يخرج من وهاد النسيان, لحظة أساسية من لحظات تاريخ الفلسفة والثقافة". في شيء من الاختصار هذا هو الحكم المفصل والمبرر, عبر نص طويل, الذي يطلقه باحث فرنسي ينتمي الى أيامنا هذه, على واحد من أشهر كتب مواطن له, فرنسي هو الآخر, عاش في القرن التاسع عشر. وهذا الأخير هو ارنست رينان الباحث والمفكر الفرنسي الذي يجابهه ويجابه أفكاره في العالم العربي, نقد كبير يطاول عادة نظرته الاستعلائية الى العرب وحضارتهم. أما المتحدث عنه في زمننا هذا, فهو آلان دي ليبيرا, أحد كبار الباحثين في فلسفة العصور الوسطى في فرنسا, والذي ينفق منذ سنوات كثيرة وقته وجهده لدراسة الفيلسوف الأندلسي ابن رشد وفلسفته. أما الكتاب الذي يعنيه دي ليبيرا في حديثه فهو, تحديداً "ابن رشد والرشدية" الذي وضعه ارنست رينان للمرة الأولى في العام 1852 ثم عاد وعدله وأضاف عليه بعد ذلك بثلاثة عقود لكي يصدر في حلته النهائية. والحال ان كتاب "ابن رشد والرشدية" كان واحداً من أولى الكتب الغربية (والشرقية أيضاً) التي تناولت ليس فقط حياة ومؤلفات ابن رشد, بل كذلك وفي شكل خاص, تأثير فلسفته في أوروبا, وبالتالي دوره الكبير في توصيل الفكر اليوناني (ولا سيما فكر أرسطو) الى العالم اللاتيني المعاصر له. ولقد كان رينان, في هذا الكتاب, من أوائل الذين تحدثوا بدقة وانصاف عن المدارس الرشدية في الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط, وعن غلبة التفكير العقلاني على تلك المدارس, حتى وان كنا نراه, في كتابه هذا, لا يتوقف عن التأكيد على ان العالم الأوروبي - اللاتيني عرف وجهين فقط من وجوه ابن رشد: وجه الشارح والمعلق في كتابات أرسطو من ناحية, ووجه الطبيب من ناحية أخرى, أما بالنسبة الى ابن رشد كفيلسوف, فلا يبدو رينان على كبير حماسة للحديث عن هذا الأمر, هو الذي سيظل الفكر العربي يأخذ عليه تأكيداته, على رغم كل شيء, بأن ليس ثمة وجود لفلسفة عربية... وهو نفس الحكم الذي لا يزال يثير جدلاً واسعاً حتى أيامنا هذه (ويكفي مراجعة الملف/ السؤال الذي خصصته "الحياة" لهذا الموضوع قبل أسبوعين للتيقن من هذا, وللتيقن أيضاً من أن رينان حين طرح المسألة لم يكن يغمس خارج الصحن, غير ان هذه مسألة أخرى بالطبع). المهم هنا هو هذا الكتاب الذي - أقل ما يمكن أن يقال فيه انه - أعاد "فيلسوف" قرطبة الكبير الى الواجهة والى ساحة الجدال. وكان هذا مفيداً لرينان, للفكر العربي, وللفكر الإنساني في شكل عام.

قسم ارنست رينان كتابه "ابن رشد والرشدية" الى قسمين رئيسين تناول في أولهما حياة ابن رشد وأعماله, ثم نظريته الفكرية, فيما انصرف الى القسم الثاني - وهو الأهم في هذا المجال - الى دراسة "الرشدية" كما تجلت في القرون الأوروبية الوسطى, فدرس في فصل أول "الرشدية لدى اليهود", وفي فصل ثان "الرشدية عند الفلسفة السكولاتية", وأخيراً في فصل ثالث "الرشدية في مدرسة بادوفا". والحال انه اذا كان القسم الأول يبدو عادياً بالنسبة الى دارسي ابن رشد ومتابعي سيرته وحياته, التي تناقلتها عشرات الكتب والموسوعات, فإن القسم الثاني يبدو حافلاً بالجدة والمفاجآت, حيث يتعمق رينان في دراسة كل ذلك التأثير الذي كان لجهود ابن رشد لدى عدد كبير من المفكرين, ما جعل الكنيسة الكاثوليكية تسعى جهدها لمحاربته وتحريم دراسته, ولا سيما على يد توما الاكويني, الذي كان الأكثر هجومية وعنفاً في نقده للفكر الرشدي, وللمفكرين الأوروبيين الذين تأثروا, ولو قليلاً, بذلك الفكر. ان من الواضح هنا ان الاكويني حين هاجم ابن رشد والرشدية, انما كان يحاول, بالأحرى, التصدي لانبعاث العقلانية الاغريقية ذات النزعة الانسانية, والتي هي - من طريق وصولها عبر ابن رشد وشروحه وترجماته - كانت تهدد المفكر الكنسي المحافظ, لا التصدي للفكر الإسلامي الذي كان ابن رشد أحد أبنائه, كما يحاول أن يقول بين الحين والآخر كتاب عرب ومسلمون يعزون الى ذلك الجدال القديم "بدايات الصراع الفكري بين المسيحية والإسلام". ففي نهاية الأمر, وهذا ما يوضحه رينان في شكل جيد في كتابه, كان ابن رشد يعتبر في أوروبا في ذلك الحين مكملاً وباعثاً للفكر اليوناني - الأرسطي. وحول هذا الموضوع كانت المعركة.

غير ان قولنا هذا, لا ينبغي في الوقت نفسه أن يدفعنا الى الاعتقاد بأن رينان لم يتوقف عند كون ابن رشد مفكراً عربياً في الوقت نفسه. ذلك ان ازدواجية الفكر الريناني, تلاقت هنا مع ازدواجية انتماء ابن رشد, لتنتج نصاً جدلياً, لا يزال عرفنا, في حاجة الى أن يُقرأ في شكل جيد وموضوعي, ولا سيما من جانب الباحثين العرب الذين طالما استنكفوا عن قراءته, إلا في شكله السطحي السردي ما أدى بهم دائماً الى الانتقاص من شأنه. كما ادى بهم وبغيرهم أيضاً الى عدم التقاط ما لم يقصده رينان بوعي, في المسكوت عنه في هذا النص. فالحال انه إذا كان كثر من الباحثين الدارسين لهذا الكتاب يطلعون باستنتاج - غير بعيد عن الصحة - يقول ان هذا الكتاب لا يقول في نهاية الأمر شيئاً, فإن آلان دي ليبيرا, الذي قدم في اعتقادنا, أفضل مدخل حتى اليوم لولوج هذا الكتاب, يبدو على حق تماماً حين يقول ان "ابن رشد والرشدية" هو في الواقع "كتاب تناقضي", انطلاقاً من كونه مكرساً بأكمله للبحث في تناقض فكري واضح. فرينان لا يعزو, في نهاية الأمر, أية أهمية نظرية للرشدية بوصفها فلسفة... ويمكن المرء في كل بساطة ان يلاحظ هذا التقويم وصحته من خلال قراءته للكتاب (...) حيث تلوح وفي سرعة نظرية رينان التي تقول ان الرشدية "التي لا تحوز أية أهمية بوصفها فلسفة, سرعان ما تحوز أهمية تاريخية حقيقية حين ندرك انها كانت في حقيقتها ذريعة لانبعاث الاستقلال الفكري". وفي هذا الإطار إذ يؤكد دي ليبيرا هذا الأمر, يصل الى القول بأن "التناقض يكمن ها هنا... والتناقض يبدو من خلال كونه تناقضاً ظاهراً, كان رينان في الواقع أول من أدركه وعبّر عنه في تلك المقارنة المهمة: تماماً كما ان البندقية كانت بالنسبة الى ايطاليا, ما كانته هولندا - في زمنها - بالنسبة الى أوروبا الشمالية, فإن الرشدية هي بالنسبة الى عالم الجنوب, ما كانته الجانسينية (وهي الأكثر انحساراً بين الطوائف والشيع) بالنسبة الى عالم الشمال: أي ان الرشدية تمثل, وعلى طريقتها الخاصة, قضية الحرية في عالم الجنوب". ويرى دي ليبيرا هنا ان رينان قد تمكن من أن يضع أصبعه على أهم ما في الرشدية... واصلاً هنا الى الحديث عن عدوى الحرية كما انتشرت - ثم حوربت - في اوروبا من طريق الرشد بين اللاتين الذين نقلوها من عالم الجنوب الى عالم الشمال.

إرنست رينان (1823 - 1892) مفكر وفيلسوف فرنسي, كما انه - في زمنه - كان يعتبر من كبار مؤرخي الأديان... وهو كان عند بداياته قد درس اللاهوت لكي يصبح رجل دين... لكنه انصرف عن ذلك لاحقاً, لينخرط في فكر ثورة 1848 الفرنسية التي رأى فيها رسالة سماوية وبداية دين بشري جديد. ولقد قاده ذلك الى الغوص في تاريخ الأديان. ولقد عاش سنتين في روما جمع خلالهما وثائق للحكومة الفرنسية قبل أن يعود الى باريس ليبدأ في نشر كتبه, ثم بعثته حكومته في مهام الى لبنان وفلسطين عرفته على الشرق الأدنى وتاريخه وفكره... وكان من نتيجة ذلك ان وضع كتابه الأشهر "حياة يسوع". وهو انتخب في العام 1878 عضواً في الأكاديمية الفرنسية وحظيت كتبه بشعبية كبيرة, ومن بينها دراسات لغوية وتاريخية وفكرية.
http://www.daralhayat.com/culture/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:13

يهود كردستان كما يراهم سمير نقاش
عمان - صلاح حزين الحياة 2004/12/2



"خاتمة مطافي هنا في رامات غان" (ص 10) هكذا يكتب سمير نقاش على لسان شلومو كتاني, اليهودي الكردي الذي يروي نقاش سيرة حياته في آخر رواياته "شلومو الكردي وأنا والزمن" الصادرة عن دار الجمل في كولونيا (ألمانيا), وكأنه يتنبأ بموته هو, والذي حدث حقاً في تلك المدينة الإسرائيلية في شهر حزيران (يونيو) 2004.

في هذه الرواية التي صدرت قبل وفاة نقاش بقليل يبدو الموت هو البطل الحقيقي للرواية التي تختلف عن روايات نقاش الأخرى بقدر ما تكملها وتنتظم في إطارها العام. فهي مثل روايات سمير نقاش الأخرى جولة في الذاكرة التي تنقل شلومو من صبلاخ في إيران إلى بغداد وبومبي في الهند فرامات غان في إسرائيل حيث ينفتح سيل الذكريات التي يتعاون في سردها هو مع الزمن والراوي العليم بكل شيء: "لنتذكر معاً. الزمن وأنت وأنا". (ص 11), محولاً الزمن إلى شخصية تشارك في السرد وتختلف مع الراوي ومع شلومو نفسه حول تفصيلة ما, أو تدخل معهما في نقاشات لا تخلو من فظاظة قبل أن يعود الثلاثة إلى التعاون في سرد أحداث الرواية مجدداً.

ومثل روايات نقاش الأخرى ترسم الرواية صورة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة لليهودي الشرقي الذي يعيش في مجتمع يغلب عليه طابع التخلف الذي يشترك فيه اليهود مع الطوائف الأخرى, ولكن فيه أيضاً كثيراً من أوجه التعاون والتكافل الذي تفسده ظروف قاهرة تأتي غالباً من خارج المجتمع: من السلطة الحاكمة أو من عامل خارجي لا قبل لذلك المجتمع به.

ومثل روايات نقاش أيضاً تتشكل "شلومو الكردي وأنا والزمن" من ذكريات أحداث تعود طازجة وملحة إلى حاضره بقدر ما تغور عميقاً في الزمن, لذلك ربما, يحضر نقاش الزمن لكي يسهم في سرد تلك الذكريات التي لا تتوقف عن الانهمار: "يحلو لي أن أعيد حكايتي ألف مرة قبل أن يطويها معي الموت والنسيان" (ص25) ولا يغير كثيراً أن نقاش الذي مات عن سبعة وستين عاماً, لم يعمر مثل شلومو الكردي الذي ناهز المئة, فالذكرى مثلت لكليهما حياة ثانية إلى جانب حياتهما الحقيقية التي زاولها الموت حتى بدت "لحظات أطياف! هذه خلاصة أعمار الناس! أطياف تسترجعها بحنين وتترحم عليها حتى يطويك الموت فيترحمون عليك وتلتحق أنت ببارئك مخلفاً جسدك الفاني مع هذه الأطياف المندثرة" ص (63).

ولكنّ الذكريات في "شلومو الكردي..." تختلف عما هي عليه في روايات نقاش الأخرى, فهي هنا تأملات كئيبة قاتمة يشوبها السواد ويظللها شبح الموت, وهو الأكثر حضوراً في الرواية التي تأخذ شكل تأملات واهنة لشخص في انتظار الموت الذي لازمه طوال حياته "وأنا أرقد هنا, هرماً في فراشي وأنتظر بقناعة ورضوخ خصمي اللدود, من راوغته من قبل ألف مرة فأفلت من براثنه" (ص34). من الواضح أن تأملات شلومو هذه التي يسيطر عليها هاجس الموت من مطلع الرواية إلى نهايتها هي في صورة أو أخرى تأملات سمير نقاش نفسه قبل موته في منفاه الإسرائيلي.

كما تختلف آخر روايات نقاش في أنها لا تدور حول يهودي بغدادي يغادر إلى إسرائيل حاملاً معه بغداد التي ترفض أن يتركها أو تتركه, بل تدور حول يهودي كردي من قرية صبلاخ الكردية الإيرانية التي يغادرها إلى بغداد مضطراً في عهد الشاهنشاه القاجاري, وذلك قبل أن يعود إلى طهران مبعداً مع كثير من يهود إيران الذين يعيشون في العراق في زمن عبدالكريم قاسم, ولكنه لا يلبث كثيراً هناك فيغادر إلى رامات غان في إسرائيل يجتر ذكريات الاقتلاع والموت.

وعلى رغم أن بغداد لا تغيب عن الرواية بشوارعها وأحيائها وسكانها, فإن الشطر الأكبر من أحداث الرواية يقع في صبلاخ, البلدة الكردية الإيرانية القريبة من حدود روسيا وتركيا, حيث يعيش أكراد يهود ومسلمون ومسيحيون: شلومو وزوجتاه أسمر وإستر وأولادهما الأربعة, وشريكه المسلم مير علي وزوجته فاطمة التي تثير شهوة شقيقه رضا علي, ومرتضى حاجي زادة وهو زعيم مجموعة من القتلة يدخل في منافسة مريرة على النفوذ مع شقيقه ولي حاجي زادة.

وحسن جاقماق الشيوعي الذي ينتظر قيام ثورة اشتراكية في روسيا. وحسن بوزورك الفتى الوسيم ساحر النساء, وألماس الفتاة اليهودية بارعة الجمال وآخرون.

في ذلك الزمن السحيق الذي يعود إلى العقد الأول من القرن العشرين, لم تكن صبلاخ قد تحولت بعد إلى مهاباد التي أعلنت جمهورية كردية مستقلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية, كانت تحتاج إلى حربين عالميتين ما لبثت إحداهما أن اندلعت محولة كل شيء في البلدة إلى هدف لهجمات الروس والأتراك الذين يتناوبون على احتلالها ومباشرة عملية تقتيل طائفي بين أهلها, فيقتل الأتراك المسيحيين ويقتل الروس المسلمين ويأمرون اليهود بدفنهم مسممين العلاقة الراسخة في ما بين أهلها.

وتستمر عمليات القتل بالجملة التي تتكرر طوال أمد الحرب العالمية الأولى في البلدة الكردية البعيدة عن طهران والقريبة من كل من تركيا وأذربيجان المستعمرة الروسية آنذاك. وفيها يفقد عدداً كبيراً من أصدقائه وجيرانه من مختلف الأديان والملل, كما يفقد زوجته الصغيرة الرعناء إستر التي تزوجها على زوجته أسمر وبموافقتها, ويفقد ولديه منها, ويصل الأمر حدود العبث مع مجاعة مروعة تجتاح البلدة فيأكل فيها الأحياء جثث موتاهم, ويبدأ يهود صبلاخ في مغادرة بلدتهم ولكن شلومو يقرر البقاء على رغم تناقص اليهود حتى لا يبقى منهم من يكفي لإقامة صلاة الجماعة. ولكن التاجر الناجح الذي يصل في تجارته إلى موسكو عاصمة بلاد المسقوف يرفض المغادرة متمسكاً بصبلاخ: "الكل يمضي, يهرب من صبلاخ. عانوا وعانيت أكثر منهم. أفحقاً أن من يترك وطنه جبان؟ أفحقاً من يترك مسقط رأسه خائن؟" (ص 346) يقول في مونولوغ يشير إلى الصراع النفسي الضاري في داخله الشبيه بذاك الذي كتب عنه نقاش سابقاً في رواية "نزولة وخيط الشيطان" التي تتحدث عن مغادرة يهود بغداد حوشاً عريقاً عاشوا فيه طويلاً, بعد صدور "قانون إسقاط الجنسية" عام 1951.

ولكنه يضطر أخيراً إلى مغادرة صبلاخ بعد أن يأتيه رسول من طهران محذراً من أن الشاه "يتهمك ويهود صبلاخ بالتعاون مع الغرباء, وقد حكم عليكم بالإعدام. وهو يعد مجموعة تصفية ستصل قريباً إلى هنا لتنفيذ الحكم فيكم, وأنت وأهلك على رأس القائمة" (ص350). هنا يقرر شلومو مغادرة صبلاخ: "راحلون رغماً عنا يا مير ويا فاطمة ويا أولاد شريكي ويا أمه وأباه. راحلون رغماً عنا يا صبلاخ وأهلها. راحلون يا كل إيران (ص353), ولا يأخذ شلومو معه سوى صندوق ثياب زوجته أسمر وحليها ويعطي شريكه بستانه في صبلاخ, ومن هناك يتجه نحو بغداد التي يبدأ فيها من الصفر ويغتني من تجارته مع الهند. وفي بغداد يفقد شلومو عدداً من أصدقائه اليهود, كما يفقد زوجته ورفيقة دربه الدامي أسمر في أحداث الفرهود في بغداد التي حدثت في العام 1941.

وفي عهد عبدالكريم قاسم يطرد من العراق أيضاً, ومن هناك يتوجه إلى طهران في عهد الشاه بهلوي. ولكنه ما يلبث أن يغادرها إلى إسرائيل حيث يعيش في رامات غان مجتراً كل تلك الذكريات الأليمة منتظراً الموت الذي خطف العديد من أحبائه عبر رحلة مضنية على مدى حياة مديدة بائسة.

في "شلومو الكردي وأنا والزمن" خرج سمير نقاش من دائرة اليهودي العراقي المندمج في مجتمعه قبل أن يقتلع منه ويلقى به في إسرائيل وهي موضوعة ظل يدور فيها طوال ما يقرب من أربعين عاماً من الكتابة, واختار الكتابة عن يهود كردستان ربما في محاولة لتعميم تجربة اليهودي العراقي على يهود الشرق عموماً, وهي في صورة أو أخرى تنويع عليها. وربما لهذا السبب لم تحمل روايته هذه تلك الكلمات التي كان يحرص على وضعها على أغلفة رواياته التي تتحدث عن بغداده التي ظلت تخايله في حياته فيصوغها قصصاً أو روايات يصر على وصف كل منها بأنها: "رواية عراقية".
http://www.daralhayat.com/culture/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:14

الولايات المتحدة الأميركية, أو تلك الخصوصية المترجّحة بين "المنارة" و"الصليبية"
جورج طرابيشي الحياة 2004/11/28

ق تقبل الولايات المتحدة الأميركية الوصف, بين سائر دول العالم, بأنها دولة استثنائية.

أولاً بتاريخها. فعلى حين ان سائر الدول الكبيرة في العالم لا يقل عمرها في الغالب عن ألف سنة, فإن الولايات المتحدة لم ترَ النور كدولة الا قبل زهاء قرنين من الزمن.

وثانياً بجغرافيتها. فعلى حين ان سائر الدول الكبيرة تحتل موقعها في الكتلة "الأوراسية", فإن الولايات المتحدة تنعزل بنفسها في ما يشبه ان يكون جزيرة.

وثالثاً بقيمها. فصحيح ان الولايات المتحدة لم تخترع لا الحرية, ولا الديموقراطية, ولا البرلمانية, ولا حقوق الانسان, فقد كانت مع ذلك هي التي أذاعت وضمنت الانتصار في العالم لقيم الديموقراطية الليبرالية, من خلال ما يشبه ان يكون رؤية مسيحانية جعلت مادلين أولبرايت, وزيرة الخارجية في ادارة كلينتون, تتحدث عن "أمة لا غنى عنها للعالم".

ورابعها واخيراً بقوتها العسكرية والاقتصادية التي جعلت منها, لا محض قوة عظمى, بل "القوة الأعظم" باطلاق في العالم. وهو ما جعل العديد من الدارسين يصفونها - بشيء من التسرع, والحق يقال - بأنها "الامبراطورية الرومانية للأزمنة الحديثة".

دولة استثنائية كهذه لا بد ان تكون سياستها الخارجية, هي ايضاً استثنائية. ففي أصلها كانت الولايات المتحدة أمة أوروبية, طهرانية, ديموقراطية, وسباقة الى نزع الاستعمار الذي كان في حينه انكليزياً, مع تفرعات اسبانية وفرنسية. لكن لئن تكن مستعمرات أميركا الانكليزية قد انطلقت من نقطة الصفر, فإنه لم يمض زهاء من قرن على استقلالها حتى كانت قد أصبحت القوة الاقتصادية الأولى في العالم. وهذا التحوّل هو ما وضع حداً "للبراءة الأميركية", وهو ما أملى على الولايات المتحدة ان تتخلى عن مذهبها الانعزالي البدئي لتصبح اكبر قوة تدخلية في العالم.

والواقع ان مفهوم الانعزالية نفسه لا يصدق الا على علاقة الولايات المتحدة بالعالم القديم الذي هجرته, اي أوروبا, وليس على علاقتها بالعالم الجديد, اي القارة الأميركية التي اتخذتها من البداية مسرحاً مباحاً لتدخلها النشيط. فالولايات المتحدة لم تتكون تاريخياً الا بفضل تدخلها التوسعي في القارة الأميركية. وعلى هذا النحو لم تكد المستعمرات الأميركية الثلاث عشر الأولى تفوز باستقلالها عن التاج البريطاني حتى شرعت ابتداء من مطلع القرن التاسع عشر بالتوسع الاقليمي من طريق الغزو او الحرب أو حتى الشراء. وهكذا ضمت اليها ولاية لويزيانا "الفرنسية" عام 1803 بابتياعها من نابليون. ثم غزت ولاية فلوريدا "الاسبانية" عام 1818 قبل ان تبتاعها رسمياً من التاج الاسباني عام 1819. وقد حاولت في الوقت نفسه احتلال كندا من خلال حربين متواليتين شنتهما عام 1812 وعام 1814, ولكن من دون نتيجة ميدانية, فبقيت كندا تابعة للتاج البريطاني. وفي 1846 شنت حرباً واسعة النطاق على المكسيك انتهت بعد عامين بضم ثلاث ولايات التكساس ونيومكسيكو وكاليفورنيا. وفي 1867 اشترت ألاسكا من روسيا. وفي عام 1898 ضمّت هاواي. وبفضل حرب خاطفة في العام نفسه ضد اسبانيا فرضت حمايتها على بورتوريكو وكوبا (التي لم تلبث ان انسحبت منها محتفظة فقط, والى اليوم, بقاعدة غوانتانامو). ولأول مرة في تاريخها توسعت خارج القارة الأميركية لتحتل الفيليبين. ومنذ ذلك الحين كانت الولايات المتحدة قد تحولت الى قوة اقتصادية عظمى, هي الأولى في العالم, وصارت تمارس, الى جانب القوة العسكرية, ما أسماه رئيسها وليم تافت "ديبلوماسية الدولار". وعلى هذا النحو وقعت أميركا الوسطى برمتها تحت السيطرة الاقتصادية والسياسية الأميركية, من دون ان يعني ذلك وضع حد للتدخل العسكري الأميركي المباشر كما حدث في نيكاراغوا وهايتي وسان دومنغو والمكسيك.

ومع المشاركة الأميركية في الحربين العالميتين الأولى والثانية تحولت الولايات المتحدة, التي دفعت فيهما 114 ألف و300 ألف قتيل على التوالي, الى قوة عسكرية عظمى خلفت وراءها بعيداً القوى العظمى التقليدية في أوروبا الغربية: فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 انفردت الولايات المتحدة بصفة القوة العظمى الوحيدة في العالم.

هل معنى هذا ان الولايات المتحدة تعتمد في سياستها التدخلية على المستوى القاريّ والعالمي معاً لغة القوة العارية, عسكرية كانت أم اقتصادية؟ الواقع ان المعمّرين الأميركيين الذين غزوا الغرب الاقصى Far West حاملين بيد البندقية وباليد الاخرى الكتاب المقدس على حساب إبادة اثني عشر مليون هندي أحمر, قدموا النموذج المبكر لما ستكونه السياسة الخارجية الأميركية اللاحقة. فهي سياسة تجمع, على نحو متفارق, بين الواقعية والمثالية. أما انها واقعية, بل ذرائعية عند الاقتضاء, فذلك لأنها لم تغفل قط في تعاملها مع العالم عن مفهوم ميزان القوى وتوازن الأمم. وهذه الواقعية الذرائعية هي التي مكّنتها من ان تخوض حرباً غير مسبوق اليها في التاريخ هي الحرب الباردة كبديل عن حرب ساخنة مستحيلة بحكم توازن الرعب النووي. وهذه الواقعية الذرائعية هي التي جعلتها تغمض عينيها عن العمليات القمعية الكبيرة التي نفذها الاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية: بودابست 1956, براغ 1968, وارسو 1981, وجعلتها تشن حربها اخيراً على العراق باعتباره أضعف حلقة في سلسلة "محور الشر", وتؤثر في الوقت نفسه التفاوض السلمي مع الحلقات القوية في هذه السلسلة مثل ايران وكوريا الشمالية.

والوجه الجدلي الآخر لهذه الواقعية هو المثالية. فهذه سمة ثابتة للتجربة التاريخية الأميركية الاستثنائية. فمنذ ان تدفقت اعداد المهاجرين الأوائل على متن السفينة "مايفلاور" راودهم الشعور بأن عبورهم الى العالم الجديد أشبه ما يكون بعبور العبريين الخلاصي للبحر الأحمر. ولقد جرى تصور أميركا نفسها على انها "أرض ميعاد" جديدة أبقتها العناية الالهية في حالة براءة أولى, غير مشوبة بالخطيئة الأصلية ولا بذنوب الأوروبيين, ليعمّرها "شعب مسالم, شق للحرية ولحقوق الانسان وليبني فيها ديموقراطية جاهلة للأنانية", كما سيقول لاحقاً أبو المثالية الاميركية الرئيس وودرو ويلسون.

ولئن تكن النزعة الانعزالية قد استهدفت ابقاء أميركا في منحى من "شر" العالم الخارجي, فإنه ما ان استقوت أميركا وغدت القوة الاقتصادية ثم العسكرية الأولى في العالم حتى انقلبت تلك النزعة الحمائية الى نزعة داخلية رسلية او سبحانية تريد تخليص العالم من شره وتوطين الخير فيه من طريق تعميم الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان. وانما تحت هذه اليافطة خاضت أميركا حروبها الحديثة, في كوريا وفيتنام وكوسوفو وافغانستان واخيراً في العراق. وكما كان لاحظ هنري كيسنجر, فإن قدر الولايات المتحدة هو الاضطلاع بعبء دروين: دور "المنارة" عندما ترجح كفة الانعزالية, ودور "الصليبية" عندما ترجح كفة المسيحانية. وبهذا المعنى تحدث الرئيس بوش, ولم تكن فلتة لسان, عن "حرب صليبية" ضد "محور الشر" والارهاب, مؤسساً بذلك ما أسماه بعض الباحثين "ديبلوماسية الحق الالهي".

ولعل هذا بالضبط ما قد يفسر أحدث سمة باتت تميز السياسة الخارجية في السنوات الاخيرة: أحادية الجانب. فهذه الأحادية هي نتيجة منطقية لاجتماع المثالية والقوة. ولئن تكن معالم هذه الاحادية قد برزت في عهد كلينتون الذي انفردت الولايات المتحدة في زمن ولايته بصفة القوة العظمى الوحيدة في العالم, فقد أخذت شكلها الاكثر حدة وعدوانية في عهد بوش الذي قدمت له اعتداءات 11/9 كل المبررات السيكولوجية والاخلاقية لتلبّس دور الكاوبوي العالمي. فبن لادن قدم للولايات المتحدة العدو الشيطاني الذي افتقدته بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وهي في حربها المقدسة والوقائية ضد هذا العدو لن تربك نفسها بأي قيد: لا بشرعية الأمم المتحدة, ولا بقوانين المحكمة الجنائية الدولية, ولا حتى بالتزامات الشراكة الأوروبية.
http://www.daralhayat.com/culture/b....txt/story.html

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:19

فجوة العقل الإعلامي
عواطف عبدالرحمن الحياة 2004/12/2

تعني فجوة العقل الاعلامي وجود رؤى نظرية عدة ومستويات أدائية تتباين أسبابها وتتفاوت تجلياتها وتداعياتها لدى كل من المنظرين وعلماء الاتصال والممارسين الاعلاميين وجمهور المتلقين. وعلى الصعيد النظري تحفل الساحة الغربية (الأوروبية والاميركية) بالكثير من التيارات والرؤى النظرية في بحوث الإعلام والاتصال. فهناك الرؤية الوظيفية البراغماتية التي سادت في الولايات المتحدة خلال أربعة عقود وما زالت مسيطرة على معظم الباحثين ودارسي الإعلام في دول الجنوب, خصوصاً العالم العربي, وتعتمد على المنظور الامبريقي المعزول عن سياقاته الاجتماعية والثقافية, وترى ان الاعلام هو أداة التحديث في المجتمعات النامية.

وتتعرض بحوث الاتصال في دول الجنوب وفي قلبها العالم العربي لأزمة مركبة تتمثل في النقل والاقتباس والتبعية للتيارات الامبريقية والوظيفية في دول الشمال المتقدم تكنولوجياً استناداً الى رؤية خاطئة فحواها ان العلم لا وطن له. وهذه الرؤية قد تنطبق جزئياً على العلوم الطبيعية ولكنها بالقطع لا تنطبق على العلم الاجتماعي الذي يتأثر بالخصوصية الثقافية لكل مجتمع فضلاً عن اختلاف معدلات التطور الاجتماعي والاقتصادي والبيئي, علاوة على الأحداث التي حكمت السيطرة التاريخية لكل مجتمع وحددت خلفياته الثقافية ومنظومة القيم والأنماط السلوكية لشعوبه وجماعاته. وهذا الوضع يطرح تحدياً أساسياً لمعظم المسلّمات النظرية التي تنطلق منها البحوث الإعلامية العربية ذات الطابع الامبريقي التجزيئي والتفتيتي للظواهر الاعلامية والتي اعتاد معظم الباحثين الاعلاميين العرب على تناولها بمعزل عن السياق المجتمعي الذي انتجها وأثر فيها كما تأثر بها, فضلاً عن افتقار هذه البحوث الى الأطر النظرية التي تفسر المعطيات الامبريقية وتكشف عن التوجهات الايديولوجية للباحثين.

وهنا تثار قضية المسؤولية العلمية والاخلاقية للباحثين الاعلاميين العرب لتجاوز هذه الفجوة من خلال التصدي لتناول التراث العالمي في بحوث الاتصال بمنظور نقدي, فضلاً عن ضرورة اعادة النظر في رصد مفردات أو إشكاليات بيئتنا الاتصالية والثقافية والتمييز بين ايجابيات التراث الغربي وسلبيات تعميمه, خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية وعلى الأخص حقل الاتصال والصحافة. ويستلزم ذلك اجراء مراجعة نقدية للتراث العلمي في بحوث الاتصال التي أجريت في إطار المدرسة المصرية والعربية ومحاولة استشكاف أسباب تكرار مواضيع معينة وتجاهل مواضيع أخرى أكثر أهمية وأعمق التصاقاً بواقع الاعلام العربي. وذلك سعياً لاكتشاف الاسئلة الجوهرية التي يطرحها هذا الواقع وصولاً الى الأطر النظرية الملائمة والقادرة على تفسير الكثير من الظواهر الاعلامية التي يزخر بها العالم العربي, ومن ثم طرح الاجابات الصحيحة مع عدم إغفال الاهتمام بدراسة تاريخ الاعلام العربي. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح لنا إمكان التوصل الى بناء نسق نظري عام يفسر الواقع الاعلامي العربي المعاصر في إطار استمراريته التاريخية.

وتتجلى فجوة العقل الاعلامي على الصعيد الادائي في مجالي السياسات والممارسات الاعلامية عالمياً ومحلياً, وتعزى أساساً الى أسباب عدة ابرزها عدم التوازن في انسياب المعلومات من الشمال الى الجنوب ورسوخ الاتجاه الرأسي الأحادي الجانب للإعلام من أعلى الى أسفل من المراكز الدولية في الشمال المهيمنة على التكنولوجيا المتقدمة والمعرفة والتراث الإعلامي الى الأطراف الأفقر في الجنوب ومن الحكومات الى الافراد والشعوب ومن الثقافة الغربية المسيطرة الى الثقافات التابعة. ففي ظل الثورة العلمية والتكنولوجية وفي إطار المحاولات الدؤوبة التي تقودها القوى المتحكمة في السوق العالمية من أجل عولمة الثقافة والتعليم والدين وسائر مكونات المنظومة الحضارية التي كانت تحتفظ باستقلال نسبي خارج دوائر السوق العالمية وقيمها وفي ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية للمؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية والدول الثماني الكبار بزعامة الولايات المتحدة, وفي ظل الصراع الثقافي والتحديات الحضارية, تبرز فجوة العقل الإعلامي. إذ لم تعد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تشغل موقعاً مركزياً فحسب في شبكة الانتاج, بل اصبحت تشغل موقع القلب في استراتيجية اعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية على المستوى السياسي بين الحكومات وذلك بالترويج لما يسمى بـ"الشرعية الدولية" ومعاييرها المزدوجة, وعلى المستوى الثقافي بين الثقافات المختلفة بإعلاء شأن الثقافة الغربية, خصوصاً الطبعة الأميركية منها وتهميش ثقافات الجنوب. وعلى المستوى الاتصالي بالترويج لما يسمى بـ"القرية الاتصالية العالمية" متساهلاً عن عمد حيال التفاوت الحاد بين معدلات التطور الاعلامي والاتصالي بين اجزاء العالم شمالاً وجنوباً سواء تمثل ذلك في تكنولوجيا الاتصال أو في الإشباع الإعلامي. أما على الصعيد العربي فتتمحور أسباب فجوة العقل الاعلامي إجمالاً حول السيطرة التي تمارسها الحكومات العربية في مجال تنظيم أو توجيه أنشطة الاتصال والإعلام سواء في المجالات الاقتصادية (ملكية وسائل الاعلام - توفير موارد الاتصال) أو في المجالات التشريعية (قوانين المطبوعات والتشريعات الاعلامية) فضلاً عن تحكمها في المضامين والممارسات الاعلامية في إطار السياسات الاعلامية والاتصالية المعلنة والمستترة ومعاداتها للتعددية الفكرية والسياسية وابتكارها مصادر المعلومات وإصرارها على مصادرة الآراء المخالفة من خلال أجهزة الرقابة المتباينة الأشكال. وهناك, الى جانب الضغوط والقيود التي تبالغ الحكومات العربية في استخدامها لتحجيم الأدوار التي يقوم بها الإعلاميون العرب, تبرز الضغوط المهنية والإدارية داخل المؤسسات الإعلامية والصحافية والتي تؤثر بصورة سلبية في بيئة العمل الإعلامي ككل, سواء من ناحية مدى مشاركة الاعلاميين في صنع القرارات ووضع السياسات الإعلامية أو مستوى الأداء المهني وعلاقات العمل (علاقة الإعلاميين بالمصادر وبالجمهور وبالزملاء والرؤساء). وتشير الدراسات الى غياب المعايير الموضوعية لقياس الأداء المهني للإعلاميين والصحافيين في معظم المؤسسات الإعلامية والصحافية في العالم العربي فضلاً عن عدم توافر ضمانات ممارسة المهنة من خلال تفعيل التشريعات التي تحقق الحماية المهنية للإعلاميين الصحافيين.

ومن أبرز صور الفجوة الأدائية عجز الإعلاميين العرب عن مواكبة عصر المعلومات في ممارساتهم الصحافية والإعلامية والتي تتمثل في غلبة الطابع الدعائي الاقناعي التقليدي على اسلوب الخطاب الاعلامي الذي لا يزال يدور في فلك الحكام وتأكيد روح الانبهار بالثقافة الوافدة واغفال الحاجات الاتصالية لجمهور المتلقين الذين تتعامل معهم وسائل الإعلام العربية باعتبارهم مستهلكين وليسوا مشاركين استناداً الى الرؤية التقليدية للإعلام.


استاذة الصحافة في جامعة القاهرة.
http://www.daralhayat.com/opinion/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:20

لوران غودي الحائز جائزة غونكور في أول حوار عربي لـ"المستقبل":

الشرق مكان مثالي لإسقاط الاختبارات الجوهرية


المستقبل - الخميس 2 كانون الأول 2004 - العدد 1766 - ثقافة و فنون - صفحة 20







باريس ـ أنطوان جوكي

ليست المرّة الأولى التي ينال فيها الروائي الفرنسي الشاب والكاتب المسرحي لوران غودي جائزة أدبية، وإن كانت الجوائز السابقة التي ربحها أقل أهمية من جائزة "غونكور" التي توّجت أخيراً روايته "تحت شمس آل سكورتا" (آكت سود)، مكرّسة بذلك موهبة سبق تأكيدها. ومقارنة بالروايات الضعيفة التي ربحت هذه الجائزة في الأعوام الثلاثة، والتي تعرّضت على أثره هيئة الجائزة الى انتقادات مبررة، تسطع هذه الرواية إن بأسلوب كتابتها أو بمضمونها المؤثر. إذ يروي غودي فيها قصة خمسة أجيال من آل سكورتا (منذ عام 1870) في قرية في جنوب ايطاليا، يحاول فيها كل جيل، كل فرد من هذا الجيل، وفقاً لقدره، أن يكون فخوراً بهذا الانتماء العائلي. ولأن هذه السلالة ابتدأت باغتصاب، سيولد أفراد آل سكورتا في الخِزي ويعيشون فقراء، لكنهم سينذرون أنفسهم لنقل من جيلٍ الى جيل الإرث المتواضع الذي ستسمح الحياة لهم بتكوينه. وخارج متجر التبغ في القرية الذي أُسِّس بمال سفرهم الفاشل الى نيويورك، تقتصر ثروة آل سكورتا على التجربة والجهد والذكرى وبضع شرارات فرح... وعلى سرٍّ حملته كارميلا العجوز طوال حياتها لنقله الى حفيدتها، قبل أن تسرّ به لكاهن رعيتها خوفاً من أن تتوارى الكلمات من رأسها... بتأليفه هذه الحكاية الطويلة والمتأصلة داخل ارضٍ تحرقها الشمس وتحت سماءٍ جافة تبدد الألوان، يُدخِل غودي في روايته الواقعية بٌعداً أسطورياً وملحمياً مأسوياً معهوداً في كتاباته السابقة، يضع قدر الإنسان دائماً في مواجهة غير متكافئة مع شيء يتخطاه، كالطبيعة وعناصرها. وبالفعل، نلاحظ في روايتيه السابقتين ونصوصه المسرحية الكثيرة التي تقع أحداث عددٍ منها في عالمنا العربي، تأثر كتابته الكبير بمسرح الإغريق وباقي الملاحم الشرقية التي لا يعتبرها غودي أدباً أجنبياً وإنما "القاعدة المشتركة لثقافتنا جميعاً". ولأن تجربة غودي قصيرة في الزمن ولكن غنية بالنصوص والابتكارات، قابلته "المستقبل" في مقهى باريسي فكان هذا الحديث:
* * *
هل لديك روابط خاصة مع جنوب إيطاليا التي يتبيّن من روايتك أنك تعرفه جيداً جغرافياً ولكن أيضاً على مستوى العادات والذهنيات؟ وإلى أي حد ترتبط هذه الرواية بالواقع؟
ـ أعرف هذه المنطقة جيداً. فزوجتي من أصل إيطالي، ومن الجنوب بالتحديد، مما أمّن لي فرصاً عديدة للسفر الى هناك. وبالتالي، جزءٌ كبيرٌ من الرواية يرتكز على وقائع وأحداث وانطباعات حقيقية استمددتها من تجربتي الشخصية. لكن روايتي ليست أبداً قصة عائلية، بل استوحيتها بالتأكيد من أجواء هذه المنطقة ومناخها ومشاهدها وروائحها... انطلقتُ في تأليف هذه الرواية إذاً لرغبتي في التحدّث عن هذه المنطقة وعن ولعي بإيطاليا بشكلٍ عام وبجنوبها بالتحديد. ومن جهة أخرى، تأثرتُ طبعاً بقراءتي لعددٍ من النصوص التي تُمثل بالنسبة لي أدب الجنوب والمتوسّط، مثل كارلو ليفي وإيليو فيتورينو، والتي تتحدّث عن إيطاليا وعن الغرابة التي يشعر بها حتى إيطاليو الشمال لدى زيارتهم لجنوب بلدهم. مما يشرح اختياري لهذه النبرة. أما باقي العمل فمن صنع مخيلتي: الشخصيات، القصة وحبكتها، الخ.
أحببتُ روايتك لأنها مكتوبة جيداً ولكن خاصة لأنني شرقي. هنالك أُلفة وتشابه كبير بين الشرقيين وسكان جنوب إيطاليا، على مستوى الذهنيات ولكن أيضاً على مستوى طريقة العيش؟
ـ غودي: أفهم ذلك جيداً لأني قمتُ برحلات عديدة الى الشرق وذهلتُ لدرجة التشابه بين سكان الحوض المتوسط، على الرغم من حاجز اللغة. ثقافة العائلة والقبيلة وثقافة التصارع حتى مع الأرض القاحلة غالباً.
إنه موضوع روايتك التي تسرد فيها قصة خمسة أجيالٍ من عائلة "سكورتا" وتعالج فيها مسالة الإرث العائلي والوقائع والأساطير التي نتناقلها داخل العائلة الواحدة، والإرث الجغرافي أيضاً؟
ـ غودي: بالتحديد. هذه هي قاعدة كتابي.
لكن المدهش من شخصٍ باريسي مثلك هو أن النظرة التي تلقيها على الرابط العائلي القوي الذي يميّز المجتمعات الجنوبية، ليست فقط إيجابية وإنما هي ما يُبرر حياة آل سكورتا وتجربة كل واحد منهم؟
ـ غودي: حين اكتشفتُ هذه المنطقة ذهلتُ أمام أمرين: الأول هو الشعور بالانتماء الى أرضٍ ما، أي أن نولد في مكانٍ محدد يُخلّف في الجنوب رابطاً قوياً مع هذه الأرض، مع هذه القرية، مع هذه العائلة أو القبيلة. الأمر الثاني هو أنه يمكن لهذا الشعور بالانتماء الى عائلةٍ أو أرضٍ ما أن يكون مصدر قوة أحياناً وثقلاً رهيباً يفقدنا حريتنا، أحياناً أخرى. فالعائلة هي مكان نقلٍ رائع بين الأجيال حين يكون كل شيء على ما يرام. لكن يمكنها أن تكون أيضاً ساحة لانفعالاتٍ مدمّرة ومشاكل كبيرة. ما أحبه في جنوب إيطاليا وفي الشرق هو أن للفرد طبعاً قيمة بذاته لكن يُنظر إليه دائماً انطلاقاً من موقعه داخل عائلته: ابن فلان أو أب فلان...
الشغف بالجنون
إلى جانب هذه الرواية "الجنوبية"، استوحيتَ روايتك السابقة "موت الملك تسونغور" من رحلاتٍ عديدة قمتَ بها الى الشرق، وإلى سوريا والأردن تحديداً. وفي عددٍ من مسرحياتك نجدك دائماً في الشرق، كما في مسرحية "سالينا" التي تقع أحداثها في الصحراء أو في مسرحية "ميدي كالي" التي تذهب بنا الى الهند، بالإضافة الى نصين مسرحيين كتبتهما عن الجزائر وأفغانستان. حتى أحداث روايتك المقبلة تقع في مدينة سُواكين السودانية على البحر الأحمر. ما هو سرّ هذا الشغف بالجنوب؟ هل أن الجنوب بالنسبة إليك هو مكان الاختبار الجوهري أو مكان إسقاطه فقط؟
ـ سؤالٌ جميل لم يُطرَح عليّ من قبل. هنالك جملة أسباب تشرح نزعتي الجنوبية. ولكن على مستوى الكتابة، يبقى الشرق وإفريقيا بالنسبة لي مكاناً خيالياً وبالتالي فضاء إسقاطٍ مريح. فعدم معرفتي الجيدة بدول هذه المنطقة وتاريخها يسمح لي بحرية أكبر في إسقاط قصصي. إذاً المواقع التي تذكرها في سؤالك هي بشكلٍ ما أماكن إستيهامية وخيالية أُعيدَ تكوينها. ثم هنالك أيضاً مسألة علاقة هذه المنطقة بالعصور القديمة وغناها بالنصوص الملحمية والمسرحية التي تشكّل أحد اهتماماتي الأساسية، ومسألة الثقافة الشفهية التي تهمني أيضاً كمسرحي والتي لا تزال حاضرة في هذه المنطقة، وإن بتراجعٍ مستمر، على مستوى ما هو متناقل داخل العائلة الواحدة وخارجها من قصص وأخبار وأساطير. ولا بد من أن أشير هنا الى هيامي بمسرح الإغريق القديم وباعتباري أن اليونان تبقى حتى اليوم شرقية في جوهرها وبأن نصوصها المسرحية القديمة شرقية الجوهر أيضاً. أحب فيلم بازوليني الكبير "ميدي" لأنه نجح في إظهار ذلك. لم يلبّس "ميدي" أثواباً فضفاضة في ديكور من الرخام الأبيض، بالعكس نجده يجسّد اليونان المحاذية لآسيا الصغرى. وفي النهاية، أقرّ بأني أحببتُ أيضاً الملاحم الشرقية الأخرى، مثل ملحمة غلغامش وملحمة "ماهاباراتا" الهندية، التي شعرتُ لدى قراءتها بأنها ليست أدباً أجنبياً بل القاعدة المشتركة لثقافتنا جميعاً.
حتى الأرض التي وُلدت عليها عائلة "سكورتا" وعرفت أجيالها الخمسة، تبدو حيّة تتمتع بنزواتٍ ومنطقٍ خاص فيما يتعلق بقدَر أفراد هذه العائلة. فإلى جانب طبيعتها القاحلة ونتائجها المباشرة على حياتهم، نلاحظ أن إخراج البكماء من قبرها لدفنها في موقع آخر سيحدث زلزالاً في القرية، في حين أن زلزالاً آخر، حقيقياً هذه المرّة، سيبتلع ابنتها في حرم المقبرة. ثم هنالك صعوبة الابتعاد عن هذه الأرض وفشل جميع المحاولات للاستقرار خارجها حتى الجيل الخامس مع رحيل الفتاة آنا إلى... بولونيا! الأمر الذي يدفعنا الى التفكير بأن عائلة سكورتا والقرية التي يعيشون فيها هي استعارة أو استحضار لقدر الإنسان على الأرض على طريقة الملاحم الإغريقية أو الشرقية الأخرى...
ـ فيما يتعلّق بالرابط الذي يجمع آل سكورتا والأرض التي وُلدوا عليها، هنالك أمران: من جهة كان لدي الرغبة في معالجة هذا الرابط ليس لاستجلاب أجوبة وإنما لتوفير إمكانية التساؤل حول شعور الانتماء هذا. وقد لاحظتُ من خلال رحلاتي العديدة الى هناك، أنه في جميع العائلات نجد دائماً فرداً أو عدة أفراد حاولوا السفر الى أميركا أو أي مكانٍ آخر. وهذا يعني أن هؤلاء الناس هم فخورون بانتمائهم الى هذه الأرض وثقافتها ولكن في الوقت ذاته يرغبون في مغادرتها نظراً الى طبيعتها الفقيرة. أجد هذا التمزّق بالتحديد مؤثّراً ولهذا أحاول مقاربته في روايتي. من جهة أخرى، صحيحٌ أن الزلزال الذي أدخله في حبكة الرواية هو عنصر أدبي غايته بلوغ نفس ملحمي يعبر الواقع البشري ويربط قدر الإنسان بشيء أكبر منه، كالأرض أو الطبيعة وعناصرها.
تقول في مكانٍ ما: "الكتابة بالنسبة لي هي أن نعير صوتنا لأفغانستان أو الجزائر، أن نذهب الى أمام أشياء الآخر. وهذا أمرٌ أقوى طبعاً في المسرح: حركة الامّحاء أمام كلامٍ غير كلامنا". أليس هذا ما قمتَ به بشكلٍ ما في روايتك الأخيرة ولكن أيضاً في روايتيك السابقتين؟
ـ أجل. لأن الواقع هو أني لستُ إيطالياً وإنما فرنسي من باريس. ولكن سيرورة الإسقاط هذه تبقى أقل قوة في روايتي الأخيرة لمعرفتي العميقة بهذا البلد. بينما في روايتي الأولى مثلاً التي تقع أحداثها خلال الحرب العالمية الأولى، كان هنالك هوة لم أكن قادراً على ردمها إلا بواسطة الصور والنصوص. والأمر ينطبق على روايتي ما قبل الأخيرة وعلى المسرحيتين اللتين كتبتهما حول الجزائر وأفغانستان، حيث اضطررتُ الى بذل جهدٍ هائل لتملّك موضوعي وإبداعي فيه.
هذه القدرة على الامّحاء أمام كلام الآخر، ألا تشرح قليلاً سرّ سحر رواياتك ونجاحها؟
ـ ما يمكنني أن أقوله هو أننا نقوم بذلك باستمرار حين نكتب مسرحيات أو نلعبها. وبما أني أعمل جدياً في هذا المجال، كتابة وإخراج، لا أنكر تأثير ذلك على كتابتي الروائية. لم أفكّر بذلك من قبل مع أن الملاحظة دقيقة تلقي ضوءاً أكيداً على أسلوبي.
حتى استخدامك لأسلوب المناجاة )euqolilos( في رواياتك يمنح هذه الأخيرة تقطيعاً مسرحياً؟
ـ بالفعل. لا أشعر بأني استهلكتُ شخصية ما وأحطتُ بكامل أبعادها، كي تحيا بذاتها، إلا حين أعطيها فرصة الكلام. إذ تسمح لنا لغتها برؤيتها كاملاً.
وهذه حال كارميلا العجوز في روايتك الأخيرة والتي تمثّل إن بأفعالها أو بأقوالها حكمة الرواية. إذ تذكرنا هذه الشخصية بالأم ـ الذئب (وفقاً لأسطورة روموس ورومولوس) التي تسهر على راحة أولادها ومصالحهم، وفي الوقت ذاته إنها امرأة الجذور وناقلة الإرث؟
ـ تماماً. إنها أكثر شخصية تجسّد هذا الأمور، كما أنها المرأة التي تمسك بزمام عائلة سكورتا الكبيرة. ويجب عدم إهمال أيضاً أنها الشخصية الوحيدة التي نجدها في حالة صراعٍ دائم، ليس مع الآخرين، بل مع الحياة ومآسيها.
المثير في شخصية كارميلا أيضاً هو أن طبيعتها المحافظة لن تمنعها من التساؤل حول قيمة الإرث العائلي الذي تشبّهه في لحظة ما بالسيجارة التي يتلاشى دخانها في الهواء؟
ـ صحيح أن أخوتها الثلاثة شخصيات بسيطة تتميّز حياة كلٍّ منهم بمسارٍ تقليدي وموجَز مقارنة بكارميلا التي تثير شخصيتها وحياتها التباساً كبيراً. ففشل سفرها مع أخوتها الى الولايات المتحدة، على أبواب نيويورك، بسبب مرضها على متن السفينة وعودة الجميع الى قريتهم، سيُولد فيها شعوراً بالذنب منذ صباها يحدد حياتها في اتجاه التعويض والتكفير عن ذنب.
كما سبق وذكرنا، كتبتَ نصّين مسرحيين، الأول حول الجزائر والثاني حول أفغانستان. تتفهّم طبعاً فضولنا هنا؟
ـ تكمن أهمية هذين الموضوعين في أنهما سمحا لي بالعمل على مأساتنا اليوم. فتاريخ الجزائر هو بشكلٍ ما تاريخ حربٍ دائماً متجددة. وكذلك الأمر بالنسبة الى أفغانستان حيث تتعاقب الحروب منذ فترة طويلة. وأربط هذا الواقع الأليم بالمأساة بطابعها القديم نظراً الى الإمكانية المذهلة للمقابلة. ولو عملتُ على المجتمع الفرنسي أو أي مجتمع غربي آخر لما استطعتُ بلوغ معنى المأساة بهذه المباشرة. فمجتمعاتنا الغربية لم تعد في المأساة وإن كانت تواجه مشاكل وصعوبات خاصة بها. أمرٌ آخر: لستُ بالتأكيد أخصائياً في العلوم السياسية، لكني أعتقد بأن أسئلة اليوم وغداً الكبرى ستُطرَح في هذه المنطقة من العالم، أي في الشرق الأوسط وإفريقيا.
نلاحظ من الإطار الجغرافي لرواياتك ومسرحياتك أهمية السفر بالنسبة إليك، كشخص ولكن أيضاً ككاتب. وتقول بنفسك إن "السفر والكتابة مرتبطان بشكلٍ وثيق"؟
ـ القاسم المشترك بين الاثنين هو الامّحاء. أحب بالسفر مسألة فقداننا لنقاط استدلالنا المألوفة وتحولنا في الأماكن التي نزورها الى أشخاص مجهولين، لا نعرف أحداً ولا أحد يعرفنا. مما يؤدي الى فقدان هويتنا. أجد ذلك مثيراً للغاية. إنه نوع من الامّحاء نصبح فيه مجرّد نظرة تمرّ على الأشياء والأشخاص بدون أن يتعرّف عليها أحد. كذلك الأمر بالنسبة الى زمن الكتابة والقراءة الذي هو زمن تغرُّبٍ )tnemesyap?d( كالسفر، نغطس فيه داخل واقعٍ آخر نتأمّله من موقع خفي.

http://www.almustaqbal.com/stories....D=8&IssueID=605

ابن الشاطيء 02-12-2004 16:24

قضايا النهار
الخميس 2 كانون الأول 2004 - السنة 72 - العدد 22155 - آخر تحديث:16:19:36

مقابلة لم تنشر مع الراحل عفيف فراج عن آخر كتبه: "رؤية آينشتاين لليهودية..."
كان آينشتاين قارئاً - لا عالماً - متوسط الحدس السياسي


"رؤية آينشتاين لليهودية ودولة اليهود" كان آخر كتاب أصدره عفيف فرّاج قبل رحيله بعد صراع طويل مع المرض بتاريخ 19 تشرين الثاني الماضي. والدكتور عفيف فراج أكاديمي لامع درّس علم الثقافات المقارن والأدب العالمي وشغل منصب مدير كلية التربية في الجامعة اللّبنانية.

في كتابه الصادر عن "دار الآداب" عام 2002 ، بدا فرّاج وكأنه يستكمل مقاربته الاجتماعية السياسية لمكوّنات الشخصية اليهودية التي تضمّنها كتابه السابق الموسوم ب "اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية" الصادر أيضا عن "دار الآداب" في العام 2002 .

تألّف كتابه عن آينشتاين من سبعة فصول بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة. وهو يضيء الجانب المغيَّب من شخصية عالم الفيزياء اليهودي الذي اختزله الوعي العربي- على حدّ تعبير صاحب الكتاب- بنظرية النسبية(...).

في ما يلي حوار جرى مع مؤلف الكتاب بعد إصداره ولم يُنشر كاملاً. ولئن أفسح هذا الحوار مجالاً للمؤلف لتوضيح بعض المسائل ووجهات النظر، فإن رغبة القائمة بالحوار في نشره الآن يشكّل عربون وفاء لمثقف اجتهد من أجل حرية الكلمة والفكر:

لم تدخل الى شخصية آينشتاين اليهودي من باب الفيزياء بل من الباب الفلسفي، وبالاستناد الى المكوّنات التاريخية والاجتماعية لهذا العالِم. فما كان الهدف الرئيسي للكتاب؟

-- الحقيقة أنّني بعد كتابي السابق" اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية" وما أثاره من نقاشات، أحببت أن أبحث عن شاهد على صحة تحليلاتي للشخصية اليهودية في تكونها الثقافي والسياسي بين الشرق والغرب، وأن أبحث عن شاهد أيضا على صحة التحليلات السياسية للقضية الفلسطينية، ومآل الصراع العربي الصهيوني. فتذكّرت آينشتاين، وفي ظنّي أن هذا الرجل يشكّل شاهدا مميّزا. فهو انسان غير عادي من حيث نظرته العلمية وثقافته الموسوعية. وهو غير عادي في اهتماماته الكونية لأنه كان مناضلا من أجل السلم، مناهضا للحرب وكارها للنمط الآلي والأمري والقسري من الحياة. كان رجلا يناضل من أجل تسريح الجيوش النظامية وتفكيك آلات الحرب العسكرية. ثم انه رأى تعارضا في مفهوم الخدمة العسكرية الإلزامية. إذ كيف يكون هناك خدمة تؤدي الى موت الناس، وكيف للخدمة أن تكون إلزامية؟! من هنا وجدت في هذا الرجل، وهو يهودي كما تعلمين، شاهدا ممتازا في تكوّنه الثقافي، وفي ميوله السياسية، على التحليلات التي أوردتها في كتابي الأول كما ذكرت.

يجمع الرجل بين اليهودية من جهة، أي التكوّن الثقافي اليهودي، ونقده من جهة أخرى لأسطورية هذا الدين ولإله هذا الدين القبلي والشخصي.إنه رجل يهودي بالمعنى الثقافي، وليس يهوديا بالمعنى الديني، وصهيوني بالمعنى الروحي وليس صهيونيا بالمعنى السياسي. أي أنه كان مؤمنا، في ضوء ما جرى من قهر وتحامل على اليهود في أوروبا بخاصة في الحقبة النازية وفي بلدان مثل روسيا وبولونيا وألمانيا، بأن ايجاد مركز ثقافي روحي جامع لليهود- كان يسميه مركزا وليس وطنا- يساعدهم على معركة البقاء ويحفظ لهم أمنهم ويوفّر لهم المناخ الملائم لتطورهم الثقافي المميّز، لاسيما مع طرد المخاوف من الآخر. من هنا كان يرى تعارضا بين القومية اليهودية والدين اليهودي. فالدين اليهودي بنظره ليس دينا قوميا. لذا رأى تناقضا بين رسولية اليهود الكونية أو الأممية وانشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين أو غيرها. كان يسأل لماذا يجب أن نقيم دولة قومية كبقيـــة الدول؟ فإذا فعلنـا هـذا- كان يقــــــــــول- فمعناه أننا لم نتعلم شيئا من تاريخنا المأســــوي. لأننــا اضطُّهدنا باســم القوميات. ومن هنا دعوته الى انشاء مركز ثقافي يشعّ على العالم بالرسالة اليهودية التي جاء بها موسى في الأصل.

وعليه، رأيت في هذا الرجل غنى وتعددا وتنوعا وأشهدته على ما كتبته في كتابي الأول. هذا سرّ اهتمامي بآينشتاين، الذي لم أكن أعلم من قبل مثلا، أنه مناضل ضدّ الرأسمالية الاحتكارية وضدّ التمييز العنصري في أميركا وضدّ الشوفينية والأصولية المسيحية الأميركية والنزعة التوسّعية الاميركية وهوس التسلح فيها الذي كان يذكّر آينشتاين بألمانيا الفاشية. كما انتقد بشكل خاص الأصولية الرأسمالية في أميركا التي تجلّت في الماكارثية. كان هذا العالم انسانيا بالمعنى العريض، لكنه ويا للأسف عاد بعد الحرب العالمية الأولى الى ذاكرته اليهودية بسبب الاضطهاد والتمييز الموجهين ضدّ اليهود.فوقع تحت مطرقة الروس والبولونيين من جهة، وسندان الألمان من جهة ثانية، الأمر الذي وجّه أنظاره نحو فلسطين من جديد كواحة تلجأ اليها جماعته من دون أن يزاحمها أحد.

لم يكن آينشتاين، حسبما ذكرتَ في كتابكَ، من المعتقدين بأن التقدم العلمي والثقافي يفضي بالضرورة الى السعادة أو الى الحضارة. فهل يرتبط موقفه هذا بحرصه على القيم الأخلاقية بصفته فيلسوفا انسانويا كما وصفتَه؟

-- كان آينشتاين مع الثقافة بالمعنى الانساني، لأن الثقافة حملت قيما انسانية. أما العلم فيؤدي الى التقانة. وإن لم يكن العلم محكوما بقيم ثقافية أو دينية أو روحية فسيكون علما شريرا. بمعنى انه سينتج التقانة، والتقانة ليس لها هوية أخلاقية، وبالتالي يمكن أن تستخدم لأغراض التدمير أو لأغراض الابداع. لذا خشي آينشتاين أن يملك العالم ويحكمه عالم لا ضمير له. من هنا اعتباره ان الأخلاق وليس العلم هي أهم ما في الحياة، وذلك على الرغم من كونه أبرز علماء عصره. لأن العلم إن لم يسترشد بالأخلاق يتحوّل الى سلاح مدمّر للانسان. فقد وصف آينشتاين نفسه كملحد شديد الايمان،لأنه لم يفارق القيم الروحية بل فارق الطقوس الدينية اليهودية وفارق الخصوصية اليهودية والميتافيزيقيا اليهودية والإله المتعالي اليهودي المشخصن، أي الجنرال، لكنه في العمق بقي مؤمنا بالقيم الانسانية؛ أي بالوصايا العشر وبالقيم التي جسّدها موسى وقالها.

العلم طريق الى الله برأيه. فهو الذي يكشف لكِ المعارف وخبايا الكون. يكشف القوانين التي فيها يتجسّد الله. فالله هو تجسيد القوانين الكونية العامة التي تنظم حركة الكون والعالم. وكان يرى أنه مثلما يوجد قوانين علمية، مثل قوانين الجاذبية، كذلك هناك قوانين أخلاقية معادلة وموازية، ولا تقلّ أهمية، يجب أن تنظم حياة المجتمع والعلاقات بين الناس كما ينظم قانون الجاذبية العلاقات بين الكواكب. إذ انه من دون وجود الجاذبية تتصادم الكواكب وينتفي الكون. وإذا لم تنتظم العلاقات الإنسانية بحسب قوانين أخلاقية، تتخابط الكواكب البشرية الصغيرة، أي الأنوات- مجموع الأنا- وتتضارب مع بعضها وتدمر بعضها أو أنها تشقي بعضها على الأقل. فيصبح الإنسان مصدر شقاء للإنسان.

لم يتهرّب آينشتاين من الإقرار بمسؤوليته النسبية عن كارثة استخدام الأميركيين للقنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية، وذلك لكونه هو من نصح الرئيس الأميركي بصنع القنبلة. وقد أشرتَ الى ان ثقته بالأمتين الأميركية والبريطانية، كمؤتَمنتين على الجنس البشري، سرعان ما ضعفت. فهل لكَ أن تشرح للقارىء أسباب ضعف الثقة هذه؟

-- في العام 1939 تحديدا، كتب آينشتاين رسالة الى روزفلت ومضمونها ان الألمان يعملون على انتاج قنبلة ذرية. وكان يخشى انتصارا للألمان تحققه لهم مثل هذه الأسلحة التي نسميها اليوم أسلحة الدمار الشامل. وبما أن الألمان بالنسبة الى آينشتاين معادون لكلّ القيم، لكونهم أعداء عنصريين وقوميين ودينيين وثقافيين، ونظرا الى كون الألماني في نظره ضابطا يختصره العسكري، ولما كان هو كارها للعسكري ولنمط حياته بالجملة، وكان يرى في اليهودي نموذج المثقف المضادّ للعسكري، رأى استحالة تعايش المثقف والعسكري. من هنا إقباله على أمر كان له كارها في الأساس وهو تحريضه الرئيس الأميركي على البدء في انتاج القنبلة الذرية. وذلك على الرغم من عدم مشاركته مباشرة أو مداورة في انتاج القنبلة. إذ إنه لم يدخل مختبرا في حياته. لكن نظريته العلمية في النسبية التي وضعها عام 1905 جعلته يكتشف معادلة التحوّل بين المادة والطاقة. وهو بهذا المعنى مارس دوره كعالم ولم يكن مسؤولا عما آلت اليه نظريته وعن كيفية استغلالها من قبل الطبقات المسيطرة. وعندما أدرك ان المشروع النازي هُزم لم يعد يرى أي وجه ايجابي لاستخدام القنبلة. وهو كان يظنّ انه إذا امتلكت أميركا القنبلة لن تستعملها، وانها ستهوّل بها لا غير. لكن حساباته كانت خاطئة. ثم لم تلقَ مناشدته، وغيره من العلماء، للرئيس الأميركي ترومان بعدم استخدام القنبلة آذانا صاغية. واستُخدمت القنبلة ضدّ اليابان وكان آينشتاين محبا للشعب الياباني. لكن أميركا أرادت التهويل على روسيا البلشفية . فدفع الشعب الياباني، ويا للأسف، ثمن هذه الرسالة الموجَّهة للروس.

وبمجرد ان استخدمت أميركا هذا السلاح دون وجه حقّ كما أدرك آينشتاين، فقد ثقته بالولايات المتّحدة وبريطانيا. فقد روّعته التجربة اليابانية ، وصرخ ملتاعا في السادس من آب 1945: " الويل لي، أنا الويل ".وفقد ثقته تاليا، بالدول التي اعتقد أنها ديموقراطية، وتبيّن له أنها تقوم بممارسات أكثر من فاشية.

بيّنتَ في كتابكَ تطابق رؤية آينشتاين التوحيدية الحلولية مع الرؤية الصوفية التي قرّبته من فكر الفيلسوف سبينوزا ومن فلسفة كانط الأخلاقية، الأمر الذي جعل آينشتاين يطمح الى توحيد عالم الانسان مع النظام الكوني. فهل ترغب بإضافة شيء حول هذه المسألة؟

-- إن روعة هذه الفكرة تقوم على صدورها عن عالم أدرك ان العلم ليس ذا قيمة في حال لم تكن غاياته محدَّدة من قبل فيلسوف. فالمطالبة بضرورة وجود قوانين أخلاقية صارمة وملزمة وشاملة وعلمية في المجتمع كما هي قوانين الطبيعة، ليست مسألة عرضية. حبذا لو تسمع البشرية هذا الكلام. نحن اليوم نعيش في عصر براغماتي يتأمرك. والبراغماتية تعني الوصولية والنفعية والأنانية والفردية والكسب بأي طريقة وبأي ثمن. كلّ هذا يخلق الشقاء في المجتمعات. فالعودة الى معادلة سبينوزا وكانط التي آمن بها آينشتاين، أي خلق مجتمع منظّم كما هو الكون منظّم، تعني خيار الجماعة وليس خيار الفرد والفردانية والأنانية، كما تعني أيضا أن سعادة الفرد مرتبطة بسعادة الجماعة. من هنا أهمية آينشتاين، هذا الغيري المشغول بترتيب الكون وكأنه مشغول بترتيب بيته. هذا هو الانسان الأممي الحقيقي.

حاولتَ في كتابك إظهار عدم تعارض نزعة آينشتاين الانسانوية مع استبقائه لمفهوم شعب الله المختار، وتوقه الى إقامة وطن يهودي مستقلّ. فهل عرّفت القارىء بالمرتكزات التي استندتَ اليها للقول بأن هذه الرؤيا عند آينشتاين قائمة على النيات الطيّبة؟

-- وجدت هذه المرتكزات في أقوال لشمعون بيريس عن آينشتاين، وقد حاولت دائما مقاومة ميولي الذاتية ولم أطرد الشكّ على الاطلاق. إلا ان ما أكّد لي أن هذا الرجل لم يتبيّن الأبعاد الخطيرة للصهيونية هو ما قاله عنه بيريس. هذا الرجل الذي يعتبر من أهم السياسيين اليهود وأذكاهم. كان تلميذ بن غوريون ومن المفضلين لديه. وكان بن غوريون لا يثق بأحد كثقته ببيريس. وبالتالي عندما سئل بيريس عن رؤية آينشتاين التوافقية بين العرب واليهود اعتبر أن آينشتاين وغيره من المفكرين المنتمين الى حركة Brit Shalom (الاتحاد من أجل السلم)، لاسيما الفيلسوف بوبر، "من أخطر الشخصيات الفكرية على اسرائيل. إنهم في نظره مجموعة من المفكرين تعمل ضدّ بن غوريون والدولة والسيادة اليهودية، وأنها تتصور انه بامكاننا العيش تحت حكم العرب . مع العلم ان فكرة العيش تحت حكم العرب وردت عند آينشتاين في سياق مختلف عن ذلك الذي يتكلم عنه بيريس. ما دعا اليه آينشتاين، حقيقة، هو قيام دولة مزدوجة الجنسية، نوع من الفيديرالية يتعايش فيها العرب واليهود على قدم المساواة، رافضا فكرة التقسيم وصهينة الدولة، مفضلا أن يكون تحت حكم العرب في حال قيام دولة يهودية مستقلة عن العرب ومعادية لهم. بهذا المعنى تكلم آينشتاين عن حكم العرب. لذا يتابع بيريس قائلا أننا لو عملنا حسب تفكير آينشتاين لما كانت هناك دولة اسرائيل.

من هنا آمنت كباحث وصدّقت بأن هذا العالم كان صادقا عندما طرح فكرة الدولة المزدوجة وانتساب العرب واليهود الى عرق واحد، وكذلك قوله بأن التفاعل بين الشعبين يغنيهم...إلخ. كانت أفكاره، ويا للأسف، متفائلة جدا، لاسيما انه لم يدرك أبعاد المخطط الاستقلالي الاستعماري الصهيوني. أما مأخذي عليه فهو أنه لم يحتجّ، بعد قيام الدولة العبرية، على استيلائها على أرض فلسطين.

هل هناك من ملاحظات ترغب في ابدائها للقارىء ؟

-- نصيحتي للقارىء أن ينظر بعينيه الاثنتين، وليس بعين واحدة، وأن يرى في آينشتاين وجوهه الإنسانية المتعدّدة. فالنظرة الأفضل الى الأمور تتجلّى دائما بالنظرة النقدية. وفي نظري فإن هذا العالِم ارتكب ثلاثة أخطاء. أولا، تعامله مع الألمان وكأنهم كتلة واحدة وكأنهم كلهم فاشيّون، الأمر الذي لا ينسجم مع انسانيته ولا مع اعجابه الاستثنائي بغاندي وعلاقته بطاغور أو مع تنسيقه ضدّ الحرب مع رومان رولان وبرتراند رَسِل وغيرهما من الرموز الفكرية والأدبية العالمية.كان حاقدا جدا. حتى أنه عندما دخل في نزاع مع برتراند رَاسِل، الذي كان صديق عمره، بسبب مطالبة الاخير الدول الأوروبية أن تكون رحيمة مع الألمان، ردّ آينشتاين ردّا انتقاميا قائلا ان المانيا لا تستحق أي مساعدة، بل تستحق أكبر عقاب.أي انه ردّ على الفاشيين بمنطقهم نفسه.

أما الخطأ الثاني فهو رسالته الى روزفلت التي حرّض فيها على صناعة القنبلة الذرية. لكن زميله ليو زيلارد هو من قام بكتابة الرسالة وأقنعه أن الألمان على وشك انتاج القنبلة الذرية، فيما اقتصر دور آينشتاين على توقيع الرسالة وعلى ادخال بعض التعديلات عليها؛ الأمر الذي يخفّف من مسؤوليته لكن دون أن يلغيها.

ويتمثّل خطأ آينشتاين الثالث في عدم فهمه للمشروع الصهيوني بكامل أبعاده، مما ساهم في نجاح هذا المشروع، سواء أراد ذلك أم لم يرده. إذ إن صوته كان مسموعا، وقد استفاد اليهود من مطالبته بضرورة أن يكون لليهود مرفأ آمن، حتى ولو سمّى هذا المرفأ بـ "البيت الأخلاقي"، أو "البيت الثقافي" أو "المركز الروحي"...

لم يدرك، إذن، أن المشروع الصهيوني هو مشروع عنف واستعمار. ولم تكن رؤيته بالتالي متكافئة مع عقله وخياله العلميّين. كان مميّزا في العلم، لكنه كان في السياسة أقل من قارىء متوسط الحدس.

كاتبة وناقدة

http://www.annahar.com/

ابن الشاطيء 04-12-2004 15:07

ستالينجراد العــرب

د. حسن حنفي
يشعر المفكر العربي ببعض الخزي والعار أمام نفسه أولا وأمام مجتمعه ثانياً، وأمام التاريخ ثالثاً أمام ما يحدث في حياته وفي عصره مما يحدث في الفلوجة "ستالينجراد العرب". يبدو أنه تعود على الصمت على الدماء التي تسيل حوله كل يوم في فلسطين والعراق. وتحول الصمت من موقف استثنائي إلى سلوك دائم بل ورؤية للعالم. فخرجنا عن التاريخ، ولم نعد نؤثر في مساره. وتبلدت الحواس. وعوضنا عن ذلك بالمسلسلات التلفزيونية، نتعاطف مع أبطالها، ونتفاعل مع مواقفها، وننتظرها وكأنها هي الحدث الرئيسي في حياة الناس. فتحولت الحياة إلى تمثيل، وأصبح التمثيل هو الحياة. الحاكم يمثل، والمحكوم يتفرج. وشرف الكاتب هو الشهادة على العصر. ومداد العلماء لا يقل شهادة عن دماء الشهداء. والشهادة ليست فقط أول قاعدة في الإيمان بل هي أول فعل في الأمانة والنزاهة والإخلاص والشجاعة. والشهيد ليس فقط من يضحي بحياته في سبيل الحق بل هو الشاهد أيضاً على هذا الحق. فالعمل قول، والقول عمل، ضد الصمت والتهميش، والعجز والإحباط، والتبلد واللامبالاة، وكأن ما يحدث حولنا لا يعنينا في شيء.

والشهادة على العصر تتجاوز المواقف السياسية ونظم الحكم والأوضاع الدولية. هي شهادة الكتاب والمفكرين والأدباء والفنانين والشعراء. يسجلون للتاريخ أوضاع عصرهم. ويدونون للخلَف أحزان السلف. وشهادة أهل البيت أفضل من شهادة الغير عليهم. فأهل مكة أدرى بشعابها. وقد تظلم شهادة الآخر. وفي كلتا الحالتين (ولا تكتموا الشهادة. ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)، (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده). وكيف يكون إعلامنا أقل شهادة من الإعلام الغربي؟ ربما لأن إعلامنا تابع لسياسات نظم الحكم في حين أن الإعلام الغربي حر عن سياسة دوله. فالحرية حق طبيعي للإنسان، و"الساكت عن الحق شيطان أخرس".

لم يستطع العراق الدفاع عن نفسه في حرب الجبهات ضد العدوان الأميركي عليه. واختفى الجيش أثناء سقوط بغداد. وتحول بعدته وعتاده إلى الشعب. ثم بدأت حرب العصابات عندما لا تتكافأ القوى بين المعتدي والمعتدى عليه. ثم تحولت حرب العصابات إلى حرب المدن. فيما يطلق عليه المثلث السني. ثم تحولت حرب المدن بعد العدوان على الفلوجة إلى حرب الشوارع وقتال الأزقة حيث يتفوق فيه الضحية على الجلاد.

وتعاطف الوجدان الشعبي مع المقاومة بما لديه من ثقافة موروثة تعتز بالجهاد، ومقاومة العدوان (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). وظهرت بوارق أمل في فلسطين والعراق ممثلة في مقاومة العدوان الأميركي على العراق، والعدوان الصهيوني على فلسطين، رد فعل على العجز العربي. والآن تمثل الفلوجة مع قطاع غزة فداء للجميع.

في الثقافة الشعبية وعند جمهور علماء الأمة لا تجوز مساعدة المعتدي على العدوان ولا أن يعتدي الأخ على أخيه. ومن ثم لا تجوز مساعدة الجيش العراقي الجديد للقوات الأميركية على العدوان على المدن العراقية وقتل المقاومين. فالمظاهرة أي تأييد العدوان لا تجوز شرعا (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان). بل إن الحكومة العراقية ليست منتخبة من الناس بل تم تعيينها طبقاً لاختيار الأميركيين له. وهو المتعامل من قبل مع الإدارة الأميركية والمخابرات المركزية. والقانون الدولي لا يعترف بشرعية الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق الذي تم ضد رغبة المجتمع الدولي، وخرقاً لميثاق الأمم المتحدة، وتحت ذريعة اتضح كذبها، وتحقيقاً لأهداف إسرائيل في المنطقة بالقضاء على الجبهة الشرقية والعمق الاستراتيجي العربي، وتدمير سلاح عربي لإضعاف المواجهة مع الكيان الصهيوني. فالدم العراقي المراق هو مسؤوليتنا أولا، مسؤولية الحكومة العراقية التي تعطي التغطية الشرعية للعدوان الأميركي، ومسؤولية فريق من الجيش العراقي الجديد الذي رفض بعض أفراده قتل الأخ لأخيه، والمواطن للمواطن، ومسؤولية العرب والمسلمين الذين لا يقفون بجوار المعتدى عليه. بل ويؤيد بعض منهم علناً أم سراً العدوان على العراق أخذاً بالثأر لعدوان العراق عليه.

مازال القتال دائراً في ستالينجراد العرب في الوسط وعلى الأطراف. ولم تخضع المدينة بعد لقوات العدوان. مازال القتال دائراً من بيت إلى بيت، ومن زقاق إلى زقاق. وتضرب قوات العدوان حصاراً كاملا على أنباء القتال. ولا تعطي الأخبار إلا من وجهة نظرها، كذباً وبهتاناً بالنسبة للسيطرة الكاملة على المدينة، وعدد القتلى من قوات العدوان، والشهداء والأسرى من المقاومة. والمدنيون هم الضحايا. والعالم صامت بعد الصراخ على المدنيين في دارفور، وعلى التهديد بالتدخل في السودان لحماية المدنيين، والصمت على ما يحدث في الفلوجة بدعوى القضاء على الإرهاب في حين أن مقاومة المحتل واجب شرعي (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق). وهو ما ينطبق على شعب العراق، وشعب فلسطين، وجثث الشهداء تملأ الشوارع وترمى في النهر، وأنصار حقوق الإنسان صامتون. وتمنع منظمات الإغاثة المحلية والدولية من دخول المدينة المعتدى عليها لمساعدة المدنيين، الأطفال والنساء والشيوخ.

وإذا ما تم إخضاع ستالينجراد العرب فإن المدن الأخرى تستعد، الرمادي والحلة وبعقوبة. بل ويتجاوز الأمر إلى مدن الشمال، الموصل والسليمانية وإلى مدن الجنوب في البصرة. فالعراق وطن واحد. لا فرق فيه بين سنة في الوسط، وشيعة في الجنوب، وأكراد في الشمال. وأنه لعتاب تاريخي على المواطنين في العراق من ترك مدن المثلث السني تقوم وحدها بواجب التحرير. صحيح أن الشيعة انتفضوا بمفردهم في الجنوب أثناء الغزو الأميركي الأول على العراق. وقمع النظام العراقي الانتفاضة، ولم يناصرهم إخوانهم في العراق، في الوسط أو الشمال. ولم يناصرهم الغربيون والأميركيون بالرغم من كثرة حديثهم عن حريات شعب العراق، وطغيان حاكم العراق. ومع ذلك لا يدفع الإخوة الشيعة في العراق الثأر من حاكم العراق إلى القضاء على النظام حتى ولو تم بأيدي الأميركيين المعتدين. فهم عراقيون أولا، شيعة ثانياً. كما أن أهالي الفلوجة، عراقيون أولا، سنة ثانياً. وأهل الشمال، عراقيون أولا، وأكراد ثانياً. بل إن العراقيين في الشمال مازالوا صامتين وكأن العدوان على العراق واحتلاله ليس اعتداء على الوطن الذين ينتمون إليه. ويظنون أن أميركا ستساعدهم على تلبية مطالبهم القومية في الاستقلال عن الوطن الأم في حالة غياب الدولة في العراق. وهو ما لن تقبله دول الجوار في تركيا وسوريا وإيران وروسيا. فلا حماية لأكراد العراق إلا باستقلال العراق الوطن الأم، ثم نيل استقلال ذاتي محلي داخل العراق الموحد. فلا يوجد مستقبل للشمال والجنوب إلا داخل الوطن الموحد. ومن ثم فإن إلقاء العبء على الوسط لمقاومة المحتل وللمثلث السني وحده بحرب الشوارع والمدن تغليب للطائفة والعرق على الوطن.

إن أخطر ما يهدد العرب ليس فقط احتلال ستالينجراد العرب وغيرها من مدن العراق المحتل للقضاء على المقاومة بل هو استهانتنا بأنفسنا، وترك مدينة وحدها للاستشهاد. ثم يستهين العدو بنا، يأخذ مدننا ثم شعوبنا وأوطاننا فرادى، الواحد تلو الآخر. ثم يتجرأ العدو علينا ما دام استتب الأمر في العراق، ويمتد إلى سوريا والسودان وإيران وإلى كل من يعترض على نظام الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديد ما دامت القوة تجدي معنا نفعاً. وما دمنا عبيداً. ولا يشترى العبد إلا والعصا معه. فالعصر عصر الهيمنة، والعصر عصر العولمة. فمتى يقول العرب ما قالوه من قبل في غزوات الرسول "اليوم يوم الملحمة"، "اليوم يوم المكرمة". وهل نسي العرب أنهم قضوا في عقدين من الزمان في حركات التحرر الوطني على استعمار دام في أراضيهم عدة قرون؟.
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/04/04

ابن الشاطيء 04-12-2004 15:10

الدوافع الحقيقية للانسحاب من غزة

د. عبد الوهاب المسيري
عادةً ما يُوصف شارون بأنه يمثل "الجناح المتطرف" في الدولة الصهيونية (في مقابل بيريز وباراك وغيرهما ممن يُوصفون بأنهم يمثلون "الجناح المعتدل"). إلا إن مصطلحات مثل "التطرف" و"الاعتدال" تبدو شديدة العمومية وتفتقر إلى المقدرة التفسيرية، وخاصةً إذا تعلق الأمر بظاهرة تتسم بقدر كبير من الخصوصية مثل الدولة الصهيونية، ومن ثم فلابد من دراسة "التطرف" و"الاعتدال" الصهيونيين في سياقهما الاستعماري الاستيطاني الإحلالي.
وتشير الخبرات المتراكمة عبر مسيرة الصراع إلى أن العدو الصهيوني قد يظهر قدراً من "الاعتدال" إن ظل الفلسطينيون ساكنين دون أن يتحدوا الرؤية الإدراكية الاستيطانية أو موازين القوى السائدة، أما إذا انتفض الفلسطينيون وطالبوا بالحصول على حقوقهم وبدأوا في تغيير موازين القوى لصالحهم وبدأوا يشكلون تحدياً للعدو الصهيوني، فإن "الاعتدال" يصبح مرفوضاً، ومن ثم تظهر القيادات المتطرفة مثل شارون، الذي صرَّح بأن ما لا يُؤخذ بالقوة يُؤخذ بمزيد من القوة، وأن "المستوطنات لها أهمية تاريخية واستراتيجية فهي مسقط رأس الشعب اليهودي، كما توفر عمقاً استراتيجياً للدولة الصهيونية لحماية وجودها". ولهذا السبب رفض شارون أية دعوة لتفكيك أو إخلاء أية مستوطنة، كما وقف بحزم ضد تقسيم أرض إسرائيل الكبرى، والتي تمتد من البحر (الأبيض المتوسط) إلى النهر (نهر الأردن)، وضد الجدار العازل وضد إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويتجلى ذلك "التطرف الصهيوني" في أوضح صوره مع تصاعد المقاومة ودخول الجيب الاستيطاني الصهيوني فيما يمكن تسميته "المرحلة الشارونية"، التي بدأت باستقالة باراك ووصول شارون إلى سدة الحكم واعداً بالقضاء على الانتفاضة في مئة يوم. وقد مرت مئات الأيام وثبت إخفاق شارون في إخماد الانتفاضة، مما يعني أن المستوطنين الصهاينة تلقوا رسالة مسلحة واضحة مفادها أن هذا التطرف الشاروني قد أدخلهم في طريق مسدود، ولذا بدأوا يبحثون عن مخرج، ومن هنا بدأت فكرة الانسحاب من غزة والتي يؤيدها 69 في المئة من المستوطنين الصهاينة في فلسطين المحتلة عام 1948، والتي يدافع عنها شارون الآن ويرمي بكل ثقله وراءها.

ولكن، ثمة مشكلة حقيقية يواجهها شارون، وهي أن الانسحاب المذل من جنوب لبنان لا يزال عالقاً في الأذهان، ولهذا فهو يحاول جاهداً أن يجعل انسحابه من غزة وكأنه انسحاب المنتصرين فيصعّد من عمليات البطش والاغتيالات السياسية وهدم المنازل وتجريف الأرض وقتل أي شيء يتحرك داخل منطقة يحددها هو، حتى يبدو الأمر وكأنه سينسحب لأنه انتصر! ولكن هيهات، فالصحف الإسرائيلية لا تفتأ تذكّره بالدوافع الحقيقية للانسحاب.

فقد كتب الصحفي أوفير شيلاه مقالا بعنوان "لا توجد علاقة" (يديعوت أحرونوت، 2 نوفمبر 2004) يقول فيه: "بعد خمسين شهراً من اندلاع الانتفاضة، يستمر القول بأن الانتفاضة لا علاقة لها بسلوك الإسرائيليين، لأننا تقبلنا الاعتقاد الغبي القائل إن قواتنا وقوة قبضتنا أثبتت مقدرتها على الانتصار... بواسطة قواتنا سنمنع إطلاق صواريخ القسام، وبواسطة قواتنا سنوقف كل فلسطيني يحمل حزاماً ناسفاً يحاول أن يخترق الجدار، ومن خلال قوتنا سنغير الواقع بأن ننسحب (ولن يكون الفلسطينيون شركاء في هذه العملية لا سمح الله لأن هذا يعني أن عملية التغيير ليست نتيجة قوتنا). إن نظرية "أن لا علاقة" (بين الانتفاضة والسلوك الإسرائيلي) قد غُرست وبعمق في الوعي الإسرائيلي حتى أننا لم نعد نسأل عما إذا كان سلوكنا سيكون له نفع مباشر أو محتمل".

وخلاصة ما يقوله هذا الصحفي أن الوعي الإسرائيلي (الخريطة الإدراكية في مصطلحنا) لا يستطيع، أو لا يقبل، أن يرى العلاقة الواضحة بين الانسحاب من غزة (أو فك الاشتباك مع الفلسطينيين، كما يحلو للصهاينة تسميته) من جهة، وتصاعد المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، كما يرفض الاعتراف بأن الانسحاب هو نتيجة لفشل الحل العسكري وفشل آلة الحرب الإسرائيلية في قمع الانتفاضة.

وهذا ما يؤكده صراحةً الصحفي الإسرائيلي يارون لندن في مقال له بعنوان "السبب الحقيقي لفك الاشتباك" (يديعوت أحرونوت، 28 أكتوبر2004)، حيث يقول:"لم يشرح رئيس الوزراء ولا أي من الوزراء الدوافع الحقيقية لفك الاشتباك. لقد ناقش شارون الحاجة للتفاهم مع الفلسطينيين واعترف بشيء من التردد بحدود القوة... ولكن شارون لم يقدم تفسيراً جيداً لتغيير موقفه فجأة. فبعد أن كان يذهب إلى القول إن كفار داروم ونيتساريم هما مثل صحراء النقب وتل أبيب، ها هو ذا يتراجع عن موقفه فيخبرنا الآن أن فك الاشتباك سيدعم من موقفنا الأمني!".

ويمضي الكاتب معترفاً، في لحظة صدق نادرة:"نحن لم ننسحب قط من أية أرض إلا مرغمين، فاحتلالنا لا ينتهي إلا حينما تُنهك قوانا أو حينما ترغمنا القوى الكبرى على إطاعة أوامرها بالانسحاب... فنحن لم ننسحب من سيناء إلا بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدناها في حرب" يوم كيبور" - حرب أكتوبر-1973، وتركنا لبنان لأنه لم يعد بمقدورنا تحمل الخسائر التي ألحقها بنا "حزب الله". وسننسحب من غزة في المستقبل لأننا أخفقنا في أن نرسخ في الوعي الفلسطيني أن قوتنا العسكرية تفوق قوتهم بمراحل. بل إن ما حدث هو العكس، فقد رسخ الفلسطينيون في الوعي الإسرائيلي أن الإسرائيليين قد قضموا مساحة من الأرض لا يمكنهم مضغها أو هضمها. إن الانسحاب من منطقة أقسمت كل الحكومات الإسرائيلية أنها ستكون للإسرائيليين إلى الأبد، منطقة استُثمرت فيها مبالغ هائلة وسيستثمر مثلها في عملية الانسحاب، منطقة قضى مئات الجنود والمدنيين حتفهم لاحتلالها والدفاع عنها- إن مثل هذا الانسحاب لا يمكن أن يكون إلا هزيمة مريرة".

ويمكن استخلاص نتيجتين رئيسيتين من هذا التحليل الدقيق الذي يقدمه ذلك الكاتب الإسرائيلي وغيره، وأولاهما أن الانتفاضة تحقق انتصارات على الكيان الصهيوني وتثبت له أن قوته العسكرية لن تكسر شوكة شعب يدافع عن أرضه وحريته وحقوقه، وأن الزاعمين بأن عسكرة الانتفاضة قد أدخلت الفلسطينيين في طريق مسدود، لا يرصدون الواقع الإسرائيلي بما فيه الكفاية.

أما النتيجة الثانية فهي أن الحديث عن سطوة اللوبي الصهيوني وعن استحالة المقاومة أمام الدعم الأميركي المطلق للكيان الصهيوني يتساقط أمام تصاعد المقاومة. فإدارة بوش أعطت الضوء الأخضر لشارون ليعربد ما شاء العربدة، وأيدته في موقفه الرافض لتلك المستوطنات. ولكن ها هو شارون ينسحب من غزة ويفكك المستوطنات فيها، رغم معارضة اليمين الصهيوني. إن المعركة الحقيقية هنا في فلسطين وفي العالم العربي، وليست في واشنطن، كما يحلو للبعض القول. والله أعلم.
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/04/04

ابن الشاطيء 04-12-2004 15:11

عندما ينزل بيار بورديو وفريقه الى الشارع الفرنسي
عايدة الجوهري الحياة 2004/12/4

للوهلة الأولى توقعت ان يتضمن كتاب عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو "بؤس العالم" - (دار كنعان - ترجمة فيصل دراج - عام 2001), دراسة نظرية, قائمة على الاستمارات والبيانات والاحصاءات, عن ضحايا الرأسمالية ومهمشيها في العالم, أو في فرنسا, مستخدماً أدوات تحليله وأجهزته المفاهيمية المتعلقة بآليات السيطرة الاقتصادية والرمزية, الثقافية والتربوية واللغوية, والتي تعيد إنتاج الهيمنة مبقية على التقسيمات والتفاوتات الاجتماعية. الا انني فوجئت بمجموعة حوارات مع حالات نشرية متعددة أجراها بيار بورديو نفسه مع مجموعة من مساعديه, يستقصون فيها اسباب تهميش هؤلاء البشر, فقرهم وعلاقتهم بالانحراف والجريمة, مازجاً السير الذاتية, بالأرقام والتحليلات السياسية والفلسفية, الى درجة قد تزعج هواة التنظير المنفصم عن الواقع, المتعالي عن الظواهر الاجتماعية الموضوعية وعن معيش الناس ونبض الشارع.

يوظف بورديو المعرفة لمصلحة البشر المضطهدين, لمصلحة المحكومين العزل, مقدماً درساً نموذجياً من انتاج المعرفة الصحيحة المبنية على الواقع. هكذا يروح يحاور البشر ويقرأ شروط عيشهم, وتفاصيل معاناتهم غير المعلنة, تتراءى له المعرفة في أرجاء الحياة اليومية, ولا تستولد في صفحات الكتب الجاهزة, كما يفعل موظفو الأرشيف. لا يتخلى بورديو لحظة عن جهازه المفهومي وخلفيته النظرية فهو يقوم باختبار نظرياته وتطبيقها على ضوء المعيش الحي والوجود الانساني, لئلا يصبح التنظير, لا الحياة الحية, هدفاً في حد ذاته.

ينزل بيار بورديو وفريقه البحثي الى الشارع, يطرقون الأبواب كشفاً عن حيوات تختزل بمصطلح "المهمشين". هو الاخر, يضحي مجرداً, ما لم يقترن بالمشاهدة, ويخرج الى العلن من يقبع في الأقبية والأحياء والزواريب. يعطيهم حق الكلام, ولا يكتفي بالكلام عنهم وتخيلهم. في مقابل المهمشين, يحاور بورديو قضاة وإعلاميين, مستنبطاً افتقارهم الى الحس الاجتماعي والانساني والتواصلي. وهو لا يرجع عنف المهمشين الى جوهر انساني مزعوم, كما درج منظرو السلطة على القول, بل الى شروط حياة تفتقر الى الحياة, وتتصف بما يسمى "العنف الصامت" او ما يسميه "عنف الجوع واللامساواة".

هذا العنف الذي يبدو ظاهراً محكوماً بعلاقات بين الافراد, وبطبائعهم, يشكل غالباً انعكاسات السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي انتجت الفقر وثقافته, والمؤدية الى الجنوح او الجرم. ففي منظوره يصدر العنف عن "أرواح مكبوتة ومحرومة, او عن حرمان يراكم الكبت قبل ان يطلقه عنيفاً قاسياً".

وفي سياق تحليلاته يشير الى ان ما يؤزم المهمشين ويدفعهم الى العنف هو عدم قدرتهم على مواكبة اغراءات وابتكارات المجتمع الاستهلاكي, والترويج الاعلامي للمجتمع الاستهلاكي, هذا المجتمع الميسور والمترف.

وهذا ينطبق على سياسات المرئي والمسموع في العالم العربي, حيث ان معظم المسلسلات المحلية والاجنبية, تحكي عن اشخاص معفيين ومنزهين عن المشكلات الاقتصادية والمعيشية, من شعب حل مشاكله المعيشية, بسحر ساحر, ولا يترتب عليه سوى حل مشاكله العلائقية والأسرية والعاطفية وكأنها منفصلة عن انتمائها الطبقي.

هذا الترويج للسلع الاستهلاكية الكمالية ولشخصيات لا تعترضها مشكلات يومية حياتية, يخلق بحسب بورديو, "حاجزاً سميكاً بين الانسان وأسباب حرمانه, وبينه وبين وعيه". لكن هذا الانسان المهمش المنسي, لا يلبث, وخلسة عن الراغبين بتمويه الحقائق, يراكم حقداً وشعوراً بالظلم, يفجره عنفاً اجتماعياً اجرامياً (سرقة, سلب, نهب, ضرب, قتل..." واذا لم يفجره ضد الآخرين, داراه وفجره ضد نفسه: يتعاطى المخدرات او المسكرات او ينتحر او يصاب باكتئاب, أو يتحول الى عدواني مقيت.

قد يتوقع البعض ان تولد هذه الهوة بين الطبقات والصورة الاعلامية المروجة للرفاهية من جهة وشروط الناس المعيشية من جهة اخرى تمرداً وثورة. الا ان بورديو لا يجد تلازماً دائماً بين الحرمان والثورة اذ يرى ان من تسد في وجهه سبل العيش الكريم يفقد الأمل في التغيير ولا يعود يملك القدرة الذهنية والفكرية الكافية للسعي والتمرد. التمرد يحتاج هو ايضاً الى طاقة تشحذ الوعي وتبلوره والى شحنات نفسية تدفع الى المبادرة والصمود.

لعل هذه الاستدلالات تتطابق مع المقولة التاريخية ان الطبقة الوسطى هي رافعة التغيير في المجتمعات, هذه الطبقة الآيلة الى زوال والى الانضمام الى الطبقات المسحوقة والمحبطة.

بين "غبار الشوارع" وأحزان البشر يقدم الباحث السوسيولوجي الفرنسي مرة اخرى أنموذجاً عن أخلاقية المعرفة ووظيفتها في ترقية حياة الانسان والمجتمعات, وهذا ما دأب طوال حياته الاكاديمية على فعله.

وبانكبابه على شروط عيش الناس ومشكلاتهم الاقتصادية والسوسيولوجية يساهم المثقف في إنتاج الوعي الضروري للتغيير, ويتعاظم دوره في ظل الاستبداد والجهل والتخلف. ويعتقد محمد جمال طعان في كتابه "المثقف وديموقراطية العبيد" ان على المثقف ألا ينتظر توافر الحرية ليعمل لأن المـثـقـف هو المحـرر, فكيف يحتاج الى محرر يحرره ليحـررنا بعد ذلك" (ص31) ونضيف الى كلامه ان البحث العلمي السوسيولوجي الذي يعتمد على التوثيق والتوصيف والتحليل والاستدلال يسهم في التفكير السوي الموضوعي وفي انتاج حالة وعي علمي, أكثر من الخطاب التحريضي البحت. وقد نحتاج الى خطابين لنستثير العقل والوجدان.

ليتنا نسأل انفسنا في كل مرة نبحث ونكتب عن مدى مساهمتنا في تطوير حياة الناس والتخفيف من مشكلاتهم, وربما اسعادهم, كي يكون للمعرفة جدوى.

* كاتبة لبنانية.
http://www.daralhayat.com/opinion/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 04-12-2004 15:13

أمكنة مختلفة (الكذب الأميركي)
محمد بنيس الحياة 2004/12/3

(1)

لنا في الفـلوجة ما نشـاء من صفات الكذب الأميركي. أيام قليلـة لم نكن فيها نحتاج إلى المزيد من القتل والتشريد والدمـار حتى نعود من جـديـد إلى العذاب في العراق. الفلـوجة التي قاومت الاحتلال. والفلـوجة التي عكـست موقف العراقيـين من أميركا واحتلالها الطويل. لأرض. وشعب. ومستقـبل. في الأيام الدامية كانت العين تنصت إلى الهـديـر الذي لا يتـرك شخصاً يمـشي على أرض الفلـوجة محايداً. كل شخص كان متـهماً, موضوعاً على لائحـة المطـلوبيـن.

كان أهـل الفـلوجة متبصِّـرين. قبل الحصار والهجوم, غادر معظمهم المدينـة في صورة لم نشهـدها. هـجروهـا نحو المكان الذي ليس معلوماً دائماً. أتخيل هجرتهم. من خلال هجرات شعـوب وسكان مناطق أحسوا بقدوم الفـناء. وأهل الفـلـوجة يبحثـون عن أهـل أو عن مأوى. رعب في النفـوس. قوافـل متشردين, يسبقهم أنين تضيق عنه الأرض. وفي الأفق النحيب والصلوات المتقطعة والجوع والعطش والغبـار. أطفال محشـورون في عربات أو في سيارات متثـاقـلة. مهاجرون في عـدم طويل. يغادرون بيوتهم قـبل الفجـر. وفي منتصف الليل. يبحثون عن طريق.

والباقـون يـدركون ما كان آتـياً, مع القوات الأميركية. بموافـقة من ناطق باسم العراق. ضماناً لاستقرار العراق, كما يقولون. وحرية العراق. لم يكن الباقون جميعهم ممن اختـار البقـاء. كذلك في جميع الهجرات الجماعـية. والوقت كان يقترب. الساعات معـدودة, تمهيـداً لهجـوم يطهر المدينة ممـن يقدمهم الإعلام الأميركي في صـورة جماعـة من الإرهابيـين. ما كان آتيـاً سبق لـه أن أتـى في جهـات أخرى من العراق. واليـوم الفلوجـة. أهل الفلـوجة.

مـا كـان آتيـاً أتـى إلى مدينة المساجـد, كما يصفها الغربيـون وهم يقصدون تديُّنَ أهلها المسلمين مـن السُّـنة. وأيام الفلوجة كـانت الجحيم الأرضي, الذي لن ينساه أهل الفلــوجة ولا أبناء العراق. لن ينساه الـذين ما زالوا يعرفون معنى كلمـة الإنسان, في الثقـافة الحياتيـة. ويتذكرون الآلام. هناك, في المدينة التي لم نكن نعرفها قبل أيام القتـل الأميركي, شـهادة على ما لم يتطلب شهادة إضافية, الكذب الأميركي. بالصور. وبالصور والصوت. في مشاهد متكـررة. هؤلاء الجنود بزيهم العسكري. بخوذاتهـم. بالأسلحـة التـي يسـتخدمـونهـا وهـم يتقدمـون نحو الفريسة. المقاومـين. كل ذلك يتـقـد فـي العـين وفـي السمع. لأن الجحيـم أصبح مجسـداً في مـدينـة الفلـوجة وفي أهـلـها.

لن ننتظـر عدلاً من طاغية. ولا رحمـةً من متجبـر. هذا الجحيم الأرضي, الذي وعَـد به السـيد الأميركي أبـناء العالـم, إمـلاء من إرادة سماويـة أصبح بشـيرها ونذيـرها. فمعنـى العـدل لا يصلح لهـذا الزمـن. زمن الآلة التي تشـق مسالك الجحيم. وتضع أمام الناس صور عالـم وهْـمي حتـى تُـقـنع بأن الجحـيـم هـو النفق السـري الذي يقـود إلـى الجنة. المطهر القديـم نفسـه, كما أظهـرتـه الكنيسـة في القرن الثاني عشر, لم يعـد له مكان في المتخيل. الجحيم أولاً. كلمة الطاغية الذي لا يسمع ولا يرى ما حصل في الفـلـوجة.

تلك أنـباء تخص من لا يؤمنـون بأن الجحـيم خشبـة الخـلاص. هو البـاب الوحيد للجنة. وفي كل تعليق منـتقـد لما عاشـته الفلوجة تعبير عن التنطع لأمر سـماوي. هكذا يكلم السيد الأميركـي كل معارض للقـتل والتشريد والدمـار. في الفـلوجة. كلمات السيـد ناصعة. وفي النطـق بها أثقـال مـن الحسـنات. فهي كلمات سماويـة. وهو المخصوص بالتبـشير بها, خارجاً بها على الناس, في عالم هو ضيعته الصغيرة. لا, بل إن هـذه الكلمات أصبحت علامة على هـواء زمـن. وعلى كـل واحد منا أن يتنفــسـها, أن ينـزلها في صدره منزلـة الأم ومنزلة الأبـناء. هي الـبقاء. وهي ما لنـا على الأرض.

(2)

ولا نسمع غـير الأنين. وتلك الصورة التي أفلـتت من رقابة العسكريـين. الضحية على أرض مسجـد. يتوسـل. يـهذي. لكن الجندي يلهو برشـاشـه. يلهـو. قاطع طـريق. سيـد يتخلص من عبـد. والضحية ترفع نصف اليـد. وترفع صوتاً هو النحيب. والجندي يلهو. يضحك ضحكات عـمياء. يُصوِّب ويطلق الرصاص على الضحية. لن ترفع يداً ولا صوتاً بعد اليوم. وأنت للقـتل. كل واحد من أهـل الفلـوجـة للقـتل. ومن قتـلناه مرة فسنقـتلـه ثانيـة. ولكل ثانية ثالثة. وما المانع؟ رسالة من السماء تأمرنا بقتـلكم. ونحـن فرحون بما نفعـل. في الفـلوجة. وبأهـل الفلـوجة.

يوم ويوم. هـذا الأنـين. والـدوي الذي يهـز بنايـات ويفتح فـيها ترعات ذات قطر كبير. والدخان الذي ما زال يصعد في رأسي. ووجوه الجنود الأميركيـين وهم يتقـدمون بإطلاق الرصاص. لا ترى دائماً ما الذي يحدث. الدوي. الدخـان. ثـم في صور لاحقـة قتلى على الأرض. أجسـاد متفحـمة. وأجسـاد ممـزقة الأطراف. وأجسـاد لا تتبـين شكـلها. ما الـذي أعطى للقاتـل كل هذا الجبروت؟ وكل هذا الطغيان؟ بأي يد يقــتل؟ وبأي عين يرى القتـيل؟

لك أن تسأل. وأنت تعلم أن السؤال لا نفع فيه. هو يقـتل. هذا ما لديه من مشروع حضاري في العـراق. حقاً مشروعٌ. حضاريٌّ. بهذا الكذب اليومي على العالم. عندما تسأل يتحـرك تاريخ بشـري أمامك. عالـم من القـتل جــر شعوباً إلى المقابر الجماعـية. عـذَّبَ قلوباً. وأطلق العويل الذي يتكرر من زمن إلى زمن. إلأجل هـذا أتى الإنسان؟ وما الرجاء الذي تحمله هذه الرسالة السماوية التي بها أصبح السيد الأميركي يقتل ويصلي شكراً لمـن هــداه الى القتل؟ ولك أن تسأل ما لا يكيفك من الأسـئلة. إنك في يومك تشاهـد القتل. ولك الليل. ولك الغد. ولك الأجساد المتفحِّمة. وما لا تفـهـم في رسالـة يؤكـد السيد الأميركي أنـها سـماويـة.

تلك الصورة الفالتة من الرقابة العسكرية هي أحد مشاهد الطغيان الأميركي في الفلـوجة. والجريمة لا تدل على شيء, بالنسـبة الى السيد الأميركي. خطأ. شخص أخطـأ. هو يعرف قانـون القتل في الحرب. ولكنـه أخطـأ. جنـدي أخطأ يقابله آلاف الجنود الذين يجلـبون الاستقرار للشعب العراقي. ويحملون معهم الحرية والعدل والمساواة والديموقـراطيـة والرفاهية. ألا يشفع ما يأتي به الجنود الأميركيون وحلـفاؤهـم في قتـل خاطـئ؟ وما لكم تنظـرون إلى الخطأ وحده؟ صوبوا نظراتكم نحـو هذا الجيـش الذي يقـف كل صباح أمام العلم الأميركي ويؤدي التحية للسيد الأميركـي, مبشـراً بما لم يعـرفـه الشعب العراقـي مـن حرية في حياتـه.

(3)

لن يستطـيع أحـد تصديـق الكـذب الأميركي. تلك هي الأرض التي يعجـز الأميركيون عن فتحـها. أرض قلوب ونفوس المحبين للسـلم في العالم. قلـوب ونفوس الشعوب العـربية, التي تتابع وقائع القـتل والتشريد والدمـار في العراق. لحـد الساعة لم تفلـح أميركا في إقناع المشاهـدين العرب بالثـقة في خطابهـا عبـر وسائـل إعلام أميركيـة متكاثرة. وكل الجبروت الذي تتباهـى به في الميدان لا يسكت المقاومين لاحتلال العراق. أخبار متفـرقة, ينقـلها الأصدقاء العراقيون عن عائلاتهـم, هـي الحياة اليومية لشعـب يقـاوم الاحتـلال الأمـيركي.

كذب أكـبر من أميركا نفـسها. حتى متى هـذا الكذب؟ وعلى من ينـطلي؟ هو الجبروت لا يولي الضحايا أدنى أهـمية. هـو هناك. على الأرض. عسكريون. أسلـحة. خوذات. ولا بأس أن ينسى الناس ما كان عليه الوعـد قبل الغزو. استقبـال بالزهور. وحـرية لا تسـتثـني أحداً. لكـن الأيـام, وما قبـل الأيـام, أطلعت العالم على ما يقـوم به الجبـروت فـوق الأرض العراقية. ما بين الخطاب والواقع هو ما بيـن السماء والأرض, كما يقـول مثل شعـبي. وهذا المابـين يجعـل من كل خطاب أميركـي عن الحرية والسـلم في العـراق كـذباً أكبر من أميركا.

السـيد لا يلتفت نحو الضحـية ولا نحو ما كان يقـول. تلك عـادة السادة. هـم الذين يختارون ما يرون ولهـم أن يقولوا كل مرة ما لهـم الحق أن ينـسوه. وما الخلل في ذلك؟ السـيد الأميركي اليـوم هـو السيد المالك للأرض. وبم سيكون سيداً إن هو لم يكن كما هـو عـليه مـن عـدم رؤيـة ضحيـة ونسيان ما يقـول؟ إن كنت تشك في موقـف كهذا فالعيب فيك لا في السيـد. السـيد هو السيد. دائماً. وهو اليوم السيد الأميركي. كذبُـه ليـس كـذباً. أنت تخلـط بـين الألوان. الأبيـض والأسـود لا يتشابهان. والسـيد الأميركي ينطق عن رسالـة سماويـة, أمـرته بتدمـير الأشرار. والمقاومـون للاحتلال الأميركـي أشـرار. قتلـهم أمـرٌ سـماوي. ولا حـرج في القـتل. وإشهـار القتـل.

آلـة عمياء هـو منطق الجـبروت والطغيان. مع القوة العسكرية يصبح معنى الكلمات معرضاً للقـتل, كما هم الناس معـرضون للقتل. وفي قتل معنى الكلمات ينكشف الكذب الأميركي. عندما يصبح الاحتلال حرية. وعندما يصبح الطغيان رسالة سماويـة. وعندما يصبح الاستغلال إعادة إعـمار وتحديـث. فذلك هو قتل معنى الكلـمات. ولك من الجنود الأوفياء في الإعـلام من يقضون الأوقات كلها في قـتل معاني الكلـمات.

(4)

وأنت لا تعـرف لماذا يلجـأ القـوي إلى هذا الطغيان. لماذا يلجأ؟ أنا لا أفـهم. مهما قرأت من شروحـات فـهي في النهاية لا تقـنع. هي تفـسـر. تنـدد. تقـاوم. ولكنها لا تقـدم جـواباً عن السـؤال عن لجوء القوي إلى الطغـيان. الشعب العراقي عاش طغياناً دمـوياً, طيلـة عهـود في عصره الحديـث. شعراء وفنانون عراقيـون أكبر من أرخ لهذا الطغـيان. تاريخ حـديث مليء بالـدم والنفـي والعذاب. وفي الإبداع العراقي ما يذهـل من قـدرة على إعطاء الذاكرة العراقية مسافات من الوعي المتعدد الطبقات بهذا الطغيان. تاريخ من الفجائع لا ينتهي حتى يبدأ تاريخ جديد. وها هو الطغيان الأميركـي ينقـل الطغيان إلى أعـلى مما كان عليـه في كل حين. هو طغيان تعضده قـوة عسـكرية تحـكم العالم اليـوم. وهو طغيان يخضع من يشاء في العالم كي يكون قـتل معاني الكلـمات مشـتركاً.

وأفكـر في المبدعين العراقـيين, شعراء وفنانين تشكيليـين ومسرحيين وموسيقـيين وروائيـين وقصاصين. هذه القـوة المبـدعة الخلاقة التي أبـدعـت ذاكـرة جماعية تحتـفظ بتاريخ الطغـيان. مبدعـون كل مرة يفاجـئون بأعمال تتوزع عبر العالـم. في كل جهة من جهات الأرض ثمـة بصمـة عراقيـة تحاصـر ذاكرة الطغيـان حتى لا ينـسى حاضرون وقادمـون أن الشعب العراقي شعب لم يتخل عن فكرة الحريـة في تاريخـه الحـديث.

أعمال هـؤلاء الفنانين هي الصورة المضادة للكذب الأميركي. شعر وتشكيل وموسيـقى ومسرح وروايات وقصص. ذاكرة تحفـر الطرق السـفـليـة في حواس كل من يتعرف عـليها. العذاب العـراقي يتـواصل أصواتاً قـد اختلط فيها الأنين بالنـشـيد. والنـواح بالصمت. والنـدب بالتهليل. أنظرُ إلى عمل فني قادم من بغداد أو من المنافـي فإذا بي أنصت إلى أصوات يختلط بعض منـها ببعض. أقرأ قصيدة. قصة. وفي كل عـمل ينبعـث الصوت مخـتلطاً, راحلاً في السـريرة. وأنا أخرج من زمن إلى زمن. من زمـن الكذب الأميركي إلى زمن العذاب العراقي. ذلك ما تعدنا به الأعمال الأدبـية والفنية للعراقيـين الحديثـين, الذين يسـتحقـون تكريماً إنسانيـاً خاصاً بهـم.

من قوة الطاغوت إلى جمالية الإبداع ما لا يُـقاس من مسافات المعنى. وتقـدم لنا المقـاومة العراقية ما يعسـر فهـمه علـى الطغيان الأميركي. فهو حاصر الفلـوجة. قـتل أهـلها. شـرد ودمـر. لكنـه لا يدري ما الـذي يفعل لمواجهة عـدم تصديق الناس في أكثر من مكان في العالم بخطابـه. وهــو لا يعرف من أين يبدأ حتى يكون احتلاله كاملاً للشعـب العراقـي ولـذاكـرة الشـعب العراقي.

(5)

ما أشـاهـده وأقـرأه فـي أعمال أدبية وفنيـة عراقـية يعيدني إلى البـدئـي. إلى السؤال عن تاريخ شعـب عـراقـي لم تتوقـف فيه الأسلحـة عن القـتل والتشريد والدمـار. وفي الفـلـوجة كان للجبروت الأميركي وجـه الوحشية التي تتـبرأ من دم الأبرياء بكلمـة من رسالـة سماويـة لكي لا يكون سوى القتل والتشريد والدمار. وفـي العالمـين الواقـعي والفـني يصبح الكـذب الأميركي أعـزل في زمـن وفي شعب تعب من عـذاب ومن الكـذب على هــذا العـذاب.
http://www.daralhayat.com/culture/f....txt/story.html

ابن الشاطيء 04-12-2004 15:16

"الغرب والعالم الإسلامي"... والدراسات الألمانية الجديدة عن العلاقة بالمسلمين
صلاح الدين الجورشي الحياة 2004/12/4

"الغرب والعالم الإسلامي" هو عنوان كتاب صدر عن معهد العلاقات الخارجية في شتوتغارت. وهو عبارة عن تقرير صاغه ستة من المثقفين المسلمين, ثلاثة منهم عرب وهم سلوى بكر (كاتبة من مصر), وباسم الزبيدي (أستاذ في جامعة النجاح - فلسطين المحتلة), وحنان قصاب (أستاذ في جامعة دمشق). أما البقية فهم من خارج الدائرة العربية: د. فكرت كارتشيتش (جامعة سراييفو), ومظهر زيدي (صحافي باكستاني يعمل حالياً في اذاعة "بي بي سي"), وأخيراً داتو جوهر حسن (مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في كوالالمبور بماليزيا). وبالتالي فهم موزعون بين ثلاثة من الشرق الأوسط, وواحد من أوروبا, وواحد من جنوب آسيا, والأخير من جنوب شرقي آسيا.

تمت دعوة هؤلاء من جانب هذا المعهد الألماني التابع لوزارة الخارجية, وذلك ضمن برنامج خاص يتعلق بـ"الحوار الثقافي الأوروبي - الإسلامي". وحتى يتمكن معهد شتوتغارت من وضع تصور مستقبلي لكيفية إعادة بناء علاقات ألمانيا بالعالم الإسلامي وتفعيلها, رأى المشرفون عليه ان الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي الاستماع لوجهة نظر اسلامية حول أسباب الأزمة القائمة بين الطرفين: الغرب من جهة والعالم الإسلامي من جهة أخرى.


تقرير يتسم بالموضوعية

قبل استعراض جوانب من هذا التقرير الذي نشر بثلاث لغات, هناك ثلاث ملاحظات لفتت انتباهنا:

- أولاً, هذا الحرص الألماني الرسمي على تعميق التواصل مع العالم الإسلامي. وهو حرص ليس بالجديد, حيث تؤكد الدوائر الرسمية كون الحوار مع المسلمين "من المقومات الثابتة للسياسة الثقافية والتعليمية للخارجية الألمانية".

- ثانياً, الجهد الذي بذله المسؤولون الألمان ولا يزالون حتى يكون فهمهم لردود فعل العالم الإسلامي تجاه الغرب وسياساته أقرب الى الموضوعية, وأبعد عن التشنج أو المجاملة الانتهازية التي تعطي الأولوية للمصالح على الحقائق. وقد تجلى ذلك بوضوح في مقدمة الكتاب التي صاغها د. يوخن هبلر (جامعة دويسبورغ) وباربارا كونرت (معهد العلاقات الخارجية ifa). فهناك تأكيد منذ البداية ان العلاقات بين العالم الإسلامي والبلدان الغربية "تمر بأزمة حقيقية". كما "يصطبغ كل طرف الى الآخر بالتحيز والإرهاب والعدوانية". ولا يعود ذلك بحسب اعتقادهما الى وجود عداء طبيعي بين الجانبين ينبع من تباين الأديان والثقافات, ويعتبر ان ذلك "نقطة انطلاق نمطية لا معنى لها". وإنما يعتبران غياب الثقة مرده ثلاثة أسباب هي: المصالح المتباينة والسياسات الراهنة والعوامل الثقافية والنفسية.

- أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالمجموعة التي تمّ اختيارها لبلورة وجهة النظر الاسلامية. فخلافاً للذين يستغلون دعوتهم من جانب غربيين ليمارسوا جلداً علنياً للذات, وينخرطوا في عملية تقزيم لأنفسهم وشعوبهم وثقافاتهم من أجل إرضاء صاحب الدعوة, تميز أعضاء المجموعة بكثير من الشجاعة والموضوعية والتوازن. وقد حرصت المجموعة منذ بداية التقرير الى نهايته على نقد الواقع الإسلامي بالقدر نفسه الذي حملت فيه الغرب المسؤولية التاريخية لتدهور العلاقات وإيصالها الى حافة المواجهة. لهذا اعتبرت ان احد عناصر النزاع يعود الى "ثنائية الذهنيات بين المتعصبين والمتنورين على الجانبين". كما لاحظت أن "عدم تسامح الحركات الإسلامية الأصولية يتوازى مع تعصب مماثل لدى الكنائس الأصولية في الولايات المتحدة او المتطرفين اليهود داخل اسرائيل وخارجها". فالموضوعية شرط أساسي وضروري لإنجاح هذا الحوار الاستراتيجي بين المسلمين والغرب. وهو ما أشار اليه أصحاب هذه المبادرة من الجانب الألماني حيث أقروا منذ البداية انه ليس من أهداف هذا الحوار "ضرورة تغيير أي من الجانبين تفكيره أو سلوكه", بل "ينبغي بالأحرى السماح لتلك الأفكار والسلوكيات بالبقاء كصفات مفيدة ومشروعة". فالمطلوب إذاً, هو التوصل الى ان يعترف كل طرف بالآخر "ويمنحه صفة الشرعية في خضم سعيهما للتعبير عن الذات وإبرازها".


ما الغرب؟ وما العالم الإسلامي؟

ينقسم التقرير الى ثمانية فصول, وينتهي بنتائج وتوصيات تحت عنوان "من هنا نبدأ". ففي الفصل الأول يوضح محررو التقرير السياق الذي تتنزل فيه العلاقات بين الطرفين. فكان من الطبيعي أن يشيروا الى أحداث 11 أيلول (سبتمبر), وسعي البعض الى إحداث تقبل حتمي بين العالم الإسلامي والغرب لتجسيد مقولة "صدام الحضارات". لكنهم يتساءلون عما هو الغرب؟ هل هو عالم لا يسكنه سوى الأوروبيين؟ ويلاحظون أن داخل هذا الغرب يعيش ملايين من المسلمين الذين استوعبوا نمط الحياة الغربية, وبالتالي فإن الغرب "لا يوجد ككيان بل هو مفهوم ضبابي مملوء بالتناقضات". وفي المقابل لا يمكن الحديث عن مجتمع إسلامي نقي وواضح "يخلو من أي تأثير للثقافة والحضارة الغربية". وهو ما يعني انه "لا يوجد تعريف واضح للعالم الإسلامي".


كيف يمكن التخلص من عبء التاريخ؟

أما في الفصل الثاني, فيعود التقرير الى ميراث الماضي الذي لا يزال يفعل فعله بقوة في توجيه سياسات الحاضر وردود أفعال الطرفين, وعلى رغم أن تاريخ العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي شهد فترات تميزت بالتبادل الثقافي والسلمي, إلاّ أن "الوعي التاريخي للكثير من الطرفين تشكل عبر فترات المواجهة العسكرية".

في الفصل الثالث تعداد لصور مشوهة عن الإسلام والمسلمين, واتهام الاستشراق بأنه "المورد الفكري الرئيس لإنتاج تلك الصور النمطية". وتساءلت المجموعة بكل جرأة: أليس هناك حداثة غير غربية؟ واعتبرت ان الرؤية التي تقول "ان كونك مسلماً ينفي كونك عصرياً", هي رؤية ترتكز على مطابقة غير صحيحة بين الحداثة والغرب. وبالتالي ينبغي التمييز بين التحديث والتغريب, كما ينبغي أيضاً "تطوير حداثة اسلامية مع مراجعة الدعم الغربي غير المشروط للنخب الحاكمة في العالم الإسلامي".


يكرهوننا, لكن نحن أيضاً نكرههم؟

للمسلمين أيضاً صور نمطية عن الغرب الذي ينظر اليه دائماً أنه "العدو". وعلى رغم تعدد الوقائع التاريخية التي قد تفسر هذا التوجس المستمر تجاه الغرب, إلا أن أصحاب التقرير ذكروا أن الغرب هو حضارة قديمة, وأن الخطر في الموقف بدأ يبرز مع تحول العداء السياسي للغرب الى عداء ديني. وأن العلاقة أخذت شكلها الأخطر والشائك مع "ميلاد الحركات الأصولية" التي نبذت رواد النهضة الإسلامية بسبب اعجابهم بالغرب. لكن على رغم الاضطراب الشديد, بدأت صورة الغرب الأوروبي تشهد تحولاً ايجابياً بعد الموقف المضاد للحرب على العراق.

بعد ذلك يعود أصحاب التقرير في الفصلين الخامس والسابع الى قضية فلسطين وتداعيات الحادي عشر من أيلول والإرهاب الدولي والحرب ضد أفغانستان والعراق, ليبرزوا التحيز الغربي تجاه اسرائيل وما تعانيه السياسات الغربية من المعايير المزدوجة. واعتبروا ان اطالة احتلال العراق من شأنه أن يطيل حال العداء الى الغرب و"يعقد العملية الديموقراطية ويعوق التنمية في الشرق الأوسط". ومن جهة أخرى أكدوا في الفصل السادس ان "سوء الحكم أو تعثر التنمية في كثير من بقاع العالم الاسلامي أدى الى تعقيد العلاقات مع الغرب", اضافة الى أن ذلك يعوق أيضاً قدرة الدول الإسلامية على الفعل ويضعف من مكانتها الدولية, ويجعل العلاقات بين الطرفين غير متساوية. بل ان اقتران الإسلام والمسلمين بسوء الحكم والتخلف "قد أضعف من صورة الدين ومنزلته فضلاً عن أتباعه".

* كاتب تونسي.

http://www.daralhayat.com/culture/b....txt/story.html
الاستشراق الأميركي القديم واستخداماته الجديدة
وائل حمدوش الحياة 2004/12/4

الكتاب: "الإسلام وأزمة العصر, حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس".

الكاتب: برنارد لويس.

الناشر: المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة, 2004 . واسم الكتاب بالانكليزية: "أزمة الاسلام".

استحوذت مسألة الإرهاب على الوعي الفكري العالمي فطوِّعت لها المؤسسات الثقافية والعسكرية بحثاً عن جذوة هذا المرض, ونبشاً عن حل وعلاج لإدوائه, فمنذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001, والكتابات تتوالى في عرض أسباب الإرهاب, وتلهث في البحث عن شخصه الهلامي بين صخور أفغانستان وأزقة العراق وفي نفوس المناهضين لأمركة الحرب ضد الإرهاب, وأفرزت هذه الحقبة الكثير من المؤلفات والمشاريع والمؤتمرات, ومن بينها هذا الكتاب الذي يعنونه برنارد لويس بـ"أزمة الإسلام: حرب مقدسة وإرهاب غير مقدس" والذي حرّفت ترجمته "لوجهة تليق بكمال الإسلام" بحسب ما يرى مترجمه, وأهمية الكتاب لا تأتي من مجرد كونه أحد البحوث المهمة في تفسير "الإرهاب الإسلامي", بل في كون مؤلفه بأفكاره هذه أحد منظري الحرب على الإرهاب.

يشير الكاتب الى المهد الذي تربت فيه خصائل الإرهاب, والتي كونت البنية المعرفية والدعائم النفسية المحركة لثقافته (الإرهاب), فالإسلام بصفته حضارة يتقاسم مع العالم المسيحي طرفي الدين الإلهي أكبر حضارتين في تاريخ الانسانية, وحظي في القرون الوسطى بمركزية العالم فكرياً وحضارياً واقتصادياً, يقوم أساسه الأول على الايديولوجية المتمثلة في اعتقاد خلافة الله في الأرض على أيدي أتباعه, ومطاردة المارقين الكفرة وإعادتـهم الى حظيرته, أو إلقائهم الى الله لينالوا قصاصهم, وقد استمدت هذه الخلافة شرعيتها من مواقف النبي (صلى الـلــه عليه وسلم), الذي كان مقـــاوماً في مكة, ورئيساً لدولة في المديــنة, وقد كان هذان الجانبان مصدر إلهام لتقليدين اسلاميين أحدهما سلطوي يسلم بالواقع والآخر راديكالي ميال الى الحركة, كما ان الدين الاســلامي دين ودولة, في تلاصق تام بين السياسي والديني, رافضاً العلمانية بكل أشكالها, فالإسلام هو المحرك الأساس داخليــاً وإقليمـــياً ودولياً, فهو ليــس عقيـــدة فحــسب, وإنــما هو عقـيدة وهوية وولاء وحكم... وتجد هذه الايديولوجية الاسلامية نفسها أمام حكم واقع الآن: فالأرض أرض الله, ولكن يحكمها أعداء الله, ويذل فيها خلفاء الله, وتنهب ثرواتهم, وتستباح دماؤهم, وتـتتالى فصول الذل عليهم, ولا شــك في أن هذه الايديولوجــيا توفر أساساً شعورياً مألوفاً للهوية والتـضامن, والشـرعية والــسلطة, وصياغة يمكن من خلالها نقد الحاضر, وبرمجة المستقبل, وفي ضوء ذلك يعبئ الاسلام شعاراته مع أو ضد قـضية ما, وقد أوجدت هذه الايديولوجية - مع ما يعززها من فصول الذل المتعاقب - نماذج عدة في إقامة الخلافة وسوق الجناة الى القصاص, فكان منها الراديكالي, والمحافظ, والاستباقي, وبينهم تتدرج النماذج, وقد برمجت نفوس المسلمين على وجود عدو يجب البحث عنه, وأن غيابه يحدث فراغاً نفسياً, ويعطل من الخلافة, فيستمر البحث عنه الى أن تسلم الأرض كلها أو تخضع لحكم الإسلام.

وصف دار الحرب - أحد أهم فصول هذه النظرية الاسلامية - يكرسه مبدأ الجهاد (أعظم القربات الى الله), والذي تضافرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالاغراء في طلبه, وطلب كسب الشهادة حتى قيام حكم الله في الأرض, ويستند المسلمون الى هذا المبدأ تاريخياً باللحظة التي تم فيها "انشــــاء قبة الصخرة فوق معبد يهودي" (بحسب زعم لويس), وعلى طراز الأبنية المسيحية: كقـــبر المســيح, وكنيسة القيامة, والتي حملت رسالة مفادها ان اليهود والمسيحيين (في شكل أخص) قد تهاونوا في حفظ ما أوحي اليهم مما عرّضه للتشويه ولحق به الفساد, حتى أتى الوحي الخاتم مصححاً, ليعلن بدء العهد الإسلامي وأفول العهد المسيحي واليهودي.

تحتل الحروب الصليبية مكاناً بارزاً في الضمير والخطاب الشرق أوسطي الحديث, لدى العرب القوميين ولدى الإسلاميين الأصوليين, وبوجه خاص لدى أسامــة بـــن لادن, وعـــلى رغـــم ان دوافع الحرب الصليبية اقتصادية المنطلق لدى معظم مؤرخي الحروب الصليبية, وان هدفها كان النهب والسلب بعيداً من الوجهة المسيحية, إلا أنها ليست كذلك بين المسلمين, وإنما تمثل لهم جدل العلاقة المستمرة بين المسيحية والإسلام, وتهدف الى اصابة قلب المقدسات الاسلامية والنيل منها في ثأر تاريخي ترقبه الصليب انتقاماً من الإسلام, لسلبه أماكنهم المقدسة في القدس, وقد طويت صفحة الحروب الصليبية, وجمدت معها الجذوة النفسية إثر تحرير صلاح الدين القدس, وطرد الصليبيين منها, وظل هذا الشعور حبيس النفوس, حتى استنهض في القرن التاسع عشر إثر مناوشات القوى الأوروبية على حماية الأمـــاكـــن المسيحـــية المقــدسة.

ثم مع الهجرة اليهودية الحديثة, وظلت من ذلك الحين الى اليوم مترافقة مع صورها الحاضرة لسيطرة الكفار على الأماكن المقدسة, وتخلف الصليبيين أمامهم وهم أهل الصليب, مراراً تستفز فيه مشـــاعر المسلمين لمجرد ذكرها, واستمر ذلك حتى أحداث الحادي عشر من أيلول وتصريح بوش بأن حربه على الإرهاب حرب صليبية, اشتعلت معها مشاعر المسلمين, معززة برصيد الكراهية الذي تتمتع به أميركا في نفوس شعوب الشرق الأوسط عموماً والمسلمين خصوصاً.

وعلى رغم ان مصطلح (الحرب الصليبية) قد تحول مدلوله, وأصبح يتناول كل حرب مقدسة أياً كانت وجهتها, فالحرب لحماية البيئة حرب صليبية, والحرب لمكافحة المخدرات حرب صليبية, وغيرها من وجوه التنقية الاجتماعية, إلا أن هذا التحول المصطلحي لم يطل نفوس المسلمين, فوقعت الكلمة موقع الأمس, واستنفرت مشاعر المسلمين محافظين كانوا أم ثوريين.

ان ما تتمتع به أميركا - أكبر القوى الحضارية والاقتصادية في العالم - من سيادة للعالم وكونها الأغنى بين دول العالم, مع تحدرها من المجتمع المسيحي, وما ولّد ذلك من سيطرة عسكرية, على منابع الثروة في الخليج, وتهديده اقتصادياً, وما تحويه من مظاهر المادية المفرطة التي أفرغت من الأدبيات والأخلاقيات تفسخت معها القيم واهترأت الروح, وما يخلف ذلك من خشية على أخلاقيات المجتمع الاسلامي أمام عولمة أميركا, اضافة الى اتهامها بحراسة الحكومات والأنظمة العربية ودعمها اللامحدود لدولة اسرائيل, كل هذه العوامل تضافرت لتقع موقع البحث في نظرية الجهاد الإسلامي, وتبوأت لذلك لقب الشيطان الأكبر, وبرهنت أميركا على خذلانها للشعوب المسلمة, وان ديموقراطيتها لا تطاول هذه الفئة, وحقوق الانسان لا تنطبق عليها - من خلال ازدواجية المعايير في القاء الطعم بين الشعوب وحكامها, ومساومتهم على إرضائها - قد تجلى ذلك واضحاً في انقلابها على "القاعدة", إذ أيدتها في حربها ضد السوفيات ثم لاحـــقتها, ثم من خلال دعمها للثورة الشيعية, ثم وقوفها صامتة أمام طيران صدام وقواته في قــمع هذه الثورة.

وقد برز صناع السياسة الأميركية - ومن ورائهم صناع الثقافة الأميركية - تلك السياسة, وأن وجودهم في الكويت والسعودية لا يعدو مهمة الدفاع عنهم أمام أطماع صدام, وأما تقاربهم مع اسرائيل فقد فرضته الظروف السياسية, إذ اضطرت أميركا الى الاستعانة بوكيل شرق أوسطي للحد من المد الشيوعي في قلب العالم العربي, مع ان السوفيات كانوا أول المؤيدين لقيام دولة اسرائيل, فاضطرت أميركا الى مد اليد لدولة اسرائيل! وقد عارض هذا الكثير من صناع القرار في أميركا, وشككوا في قدرة اسرائيل على ذلك, وانها بدلاً من عونها ستشكل عبئاً استراتيجياً على أميركا, لكنهم اضطروا أمام ضغوطات الواقع, إلا أن هذه التبريرات كانــت تعـــتبر زيفاً باطـــلاً وأقـــنعة تستر شهوة أميركا في الاحتلال ونهب الثروات, وظل لقب الشيطان الأكبر من حظ الأميركيين بامتياز.

* كاتب سوري.
http://www.daralhayat.com/culture/b....txt/story.html

ابن الشاطيء 07-12-2004 14:45

جدلية الصراع بين المفكر فيه واللا مفكر فيه.. وبين الممكن والمستحيل
هاشم صالح -
علماني شديد التصريح بالالحاد في تعليقه علي كتب محمد اركون



يكثر الجدل حول الدعوة الى الاصلاح في العالم العربي. ويقول البعض بأن ذلك اصبح ضروريا بعد كل ما حصل. ولكن كثيرين يعتبرون ذلك انصياعا للغرب الذي نصب نفسه استاذا علينا بدون حق. وبالتالي فهم يرفضون القيام بالاصلاحات الملحة اذا كانت مفروضة من الخارج، وبخاصة من قبل الغرب. ويواصل هؤلاء اعتراضهم قائلين: نعم للاصلاح، ولكن بشروط. فالغرب يريد ان يعتدي على عقيدتنا، وان يغير تفكيرنا، وهذا ما لا يمكن ان نقبل به على الاطلاق. ثم اننا لسنا تلامذة في المدرسة الابتدائية لكي يقال لنا ما ينبغي ان نفعله او لا نفعله، او لكي يملي الغرب علينا شروطه. والاصلاح اذا لم يكن ناتجا عن رغبة داخلية عميقة وعن عوامل ذاتية لا اجنبية لا يمكن ان ينجح او يترسخ في الارض.
واعترف بأن هذه النقطة الاخيرة صحيحة الى حد كبير، ولكننا نعلم ان الاصلاح ـ او التحديث ـ في اليابان، مثلا، حصل بفعل عوامل داخلية وخارجية في آن معا. وقل الأمر ذاته عن الصين او الهند او روسيا، او اوكرانيا المشتعلة حاليا بسبب الخلاف على الاصلاحات الديمقراطية ومدى الحدود التي ينبغي ان تصل اليها او لا تصل، وذلك من جملة مسائل اخرى.
وبالتالي فعلى مدار التاريخ كانت الامم المتأخرة تتأثر بالأمم المتقدمة وتقلدها، وهذا ليس عيبا بحد ذاته. فالغرب الاوروبي نفسه تأثر بالفلسفة العربية والحضارة الاسلامية عندما كان عندنا فلسفة او حضارة.
ترى، ما هي الثوابت في نهاية المطاف؟ انها العقيدة الدينية واللغة العربية بالدرجة الاولى. فهل ان التنويريين العرب يريدون تغيير هذه الثوابت؟ بل هل الغرب نفسه قادر على تغييرها؟
لنأخذ اللغة العربية كمثال اولا. هل يوجد مثقف نهضوي واحد يدعو الى تغييرها واحلال الفرنسية او الانجليزية محلها؟ ربما، ولكن حفنة من غلاة الاستغراب او الانبهار بالغرب. اما غالبية الليبراليين من طه حسين وحتى اليوم فهم من اكثر الناس حرصا عليها، ولكنهم يدعون الى تطويرها وتبسيط قواعدها وتقريبها من لغة الحياة لكي تصبح اكثر قدرة على مسايرة التطور واستيعاب العلوم الحديثة. فهل اكتب انا الآن بنفس اللغة التي كان يكتب بها طرفة بن العبد او الشنفرى؟ اذن فهناك تطور يطرأ على اللغة، ولا يوجد شيء جامد او ثابت الى أبد الدهر. اما المحافظون فمن شدة اعجابهم بالماضي او استلابهم فيه فإنهم يتمنون لو انه يستمر ويستطيل الى أبد الدهر. بل اني لم اعد اكتب بلغة مصطفى صادق الرافعي ذات السجع والوزن المقفى. اذن فلا توجد هوية ثابتة في التاريخ. توجد هويات متجددة ومتطورة، متماشية مع العصور والظروف والمستجدات.
واما فيما يخص العقيدة الدينية فلا يوجد شخص فيه ذرة عقل يقبل بتغييرها، او يقدر عليه حتى لو اراد. فالعقيدة تبقى ثابتة على مدار التاريخ، ولكن فهمها يتجدد على مر العصور. ففهم الوسطيين للاسلام ليس هو ذاته فهم المتطرفين الغلاة والمتزمتين.
هذا ما حصل للمسيحية في اوروبا. والكل يعلم ان الشعوب المسيحية لم تنهض وتتفوق على شعوب الارض كافة إلا بعد ان جددت فهمها للعقيدة وتحررت مما كان يعرقل نهضتها، ونتج عن ذلك تيار ليبرالي مسيحي ديناميكي هو الاوسع انتشارا في كل المجتمعات الاوروبية او الاميركية الشمالية المتقدمة. ولكن نتج ايضا تيار مسيحي اصولي متزمت ظل حريصا على القديم او متشبث به، وهو يشكل اقلية قليلة، عكس ما يذاع او يشاع عندنا.
بالطبع فإن انتشار الثقافة العلمية والفلسفية في الغرب بدءا من القرن السادس عشر ساهم في انتصار التيار الليبرالي على التيار الاصولي في كل انحاء اوروبا. ولكن هذا الانتصار لم يحصل حتى الآن في المسيحية الشرقية او الارثوذكسية، على عكس المسيحية الغربية التي حققت المصالحة بين الدين والحداثة بعد صراع مرير. ولهذا السبب فإن اوكرانيا تكاد تنقسم قسمين: قسم شرقي ارثوذكسي تابع لروسيا وبطريركية موسكو، وقسم غربي تابع لبابا روما وميال الى الغرب. وهذا يعني ان الغرب يقسم العالم كله قسمين وليس فقط عالمنا العربي او الاسلامي: قسم ميال الى حداثته ويريد استيرادها وتبنيها مع اجراء بعض التعديلات عليها لكي تتوافق مع الظروف المحلية، وقسم متقوقع على ذاته، على تراثه القديم. والصراع جار على قدم وساق بين هذين التيارين في الهند والصين واميركا اللاتينية والعالم العربي، بل وحتى روسيا الارثوذكسية، إذ كانت منقسمة منذ القرن التاسع عشر الى قسم ليبرالي تنويري يعزو كل امراض روسيا وتخلفها الى انفصالها عن اوروبا الغربية، وقسم سلافي قومي معتز بشرقيته ومذهبه الارثوذكسي والمؤسسات البطريركية لروسيا العتيقة او العريقة، سمها ما شئت. وهذا الانقسام انعكس في اعمال الكتّاب الكبار، مثل ديستويفسكي وتورغنييف وتولستوي. وهو الذي يمزق اوكرانيا حاليا كما قلنا وقد يؤدي الى تقسيمها.
ما سر كل هذه الجاذبية التي يمارسها الغرب على جميع ثقافات العالم؟ انه يتلخص بكلمة واحدة، كلمة سحرية او شبه سحرية: الحداثة. ولكنها كلمة تنطوي على معان او آفاق واسعة تعجز المجلدات عن ان تحصرها فما بالك بمقالة واحدة؟!
سوف اكتفي اذن بالتركيز على مسألة الحرية الفكرية التي تشكل السمة الاساسية للحداثة. كل التراثات البشرية تقسم الفكر الى ثلاثة نطاقات متمايزة: المفكر فيه، اللامفكر فيه، المستحيل التفكير فيه. وهناك جدلية صراعية بين المفكر فيه واللامفكر فيه من جهة، وبين الممكن التفكير فيه والمستحيل التفكير فيه من جهة اخرى. فمثلا في العصور الوسطى الاوروبية كانت افكار كثيرة تدخل في نطاق المستحيل التفكير فيه بالنسبة لأناس ذلك الزمان، كانت افكارا جنونية وغير مقبولة على الاطلاق. ولكنها اصبحت الآن تحصيل حاصل في فرنسا، او بلجيكا، او المانيا، او هولندا، الخ. لماذا؟ لأن الحداثة مرت من هنا. ما هي السمة الاساسية التي تميز مجتمعات الحداثة عن مجتمعات ما قبل الحداثة؟ انها تكمن فيما يلي: نطاق المفكر فيه او الممكن التفكير فيه يتزايد ويتسع جدا في مجتمعات الحداثة، في حين ان نطاق اللامفكر فيه او الممنوع التفكير فيه يتقلص ويضيق الى اقصى حد، وذلك على عكس مجتمعاتنا الشرقية التي لم تدخل الحداثة فعليا بعد. فهنا نلاحظ وجود قارة شاسعة واسعة من اللامفكر فيه او المستحيل التفكير فيه او الممنوع التفكير فيه منعا باتا. وفي ذات الوقت نلاحظ وجود نطاق ضيق، صغير محدود من المفكر فيه او الممكن التفكير فيه او المسموح التفكير فيه.
ولهذا السبب فإن الثقافة العربية تحولت الى ثرثرات فارغة في قسم كبير منها، او قل انها تلف وتدور حول نفسها دون ان تتجرأ على طرق الموضوعات الاساسية التي تنخر في جسد المجتمعات العربية والاسلامية. هذا هو معنى اللامفكر فيه او المستحيل التفكير فيه. فالمثقف الفرنسي او الانجليزي يستطيع الخوض في شتى الموضوعات التي تخص بلاده، بل ان يتهمها بممارسة التمييز العنصري او حتى الطائفي تجاه الباكستانيين او المغاربة او العرب او المسلمين بشكل عام دون ان يتعرض لأي أذى او تهديد في عمله او وظيفته. هذا هو معنى الحرية الفكرية. كل الموضوعات قابلة للنقاش والوضع على بساط البحث، بشرط ان نكون جادين ونستخدم محاجات عقلانية مسؤولة في مناقشاتنا.
قد يقول قائل: ولكن هذه بلدان متقدمة استطاعت ان توسع دائرة المفكر فيه او المسموح التفكير فيه على مدار ثلاثمائة او اربعمائة سنة من تاريخها المتطور الصاعد. واما نحن فلم نخرج من مرحلة الاستعمار الا قبل ثلاثين او اربعين سنة، وبالتالي فلا نزال في بداية البدايات. هذا صحيح، ولذلك فنحن لا نطالب بكل شيء دفعة واحدة. نحن نطالب بفتح الابواب المغلقة بالتدريج وعلى مراحل، لأن فتحها دفعة واحدة قد يؤدي الى هبوب الاعصار الذي يكتسح في طريقه كل شيء!

http://www.asharqalawsat.com/

ابن الشاطيء 07-12-2004 14:47

إشكالية المواجهة بين التقليدي والحداثوي


المستقبل - الثلاثاء 7 كانون الأول 2004 - العدد 1771 - رأي و فكر - صفحة 17



نظام مارديني

يسعى الكتاب الموسوم "ما الثورة الدينية"، للباحث الإيراني داريوش شايغان، في إطار تصوره إلى البحث عما يجمع ويفرق بين الحضارات القديمة والحديثة، وذلك للإجابة عن سؤال حضاري محوري حول التحدي الغربي للحداثة: ما هي حقيقته؟ وكيف نواجهه؟ وكيف نرد عليه؟ وكيف نحقق النهضة؟.
يطرح الكتاب، إذاً، إشكالية العلاقة بين الحداثة والحضارات التقليدية، ويبرز تفكك البنى القديمة للنظرة التقليدية للعالم، كما يكشف عمّا لحق بهذه البنى من تهديم منظم بسبب ظهور الحداثة، وبسبب تحجر هذه البنى ضمن "المأثور" الديني. وتمثل "الثورة الدينية"، في سياق هذه الإشكالية، علامة خطيرة على فشل وعجز مزدوجين: عجز الحداثة عن إقناع الجماهير المحرومة الطريحة على هامش التاريخ؛ وعجز التقاليد الدينية عن استيعاب ما عرفته العصور الحديثة من قطيعة مع الماضي.
والباحث شايغان إذ يقرأ المشروع العربي ـ الإسلامي القائم على امتداد أكثر من قرن إلى الوراء في ما عرف بعصر النهضة، فإنه يرى أن هذا المشروع أتى للإجابة عن سؤال حضاري تمحور حول التحدي الغربي الذي استمر بنموه بعدما انتهت النهضة العربية. وفكرة "ما الثورة الدينية" محاولة للولوج إلى الموضوع من زاوية ورؤية جديدتين تعتمدان على:
أ ـ لم تعد الآنا "الحضارية" مقتصرة على العرب والمسلمين، بل اتسعت لتشمل كافة الحضارات التقليدية، أو ما سماه شايغان "التجمع الروحي الواحد". ذلك ان الحضارات (الإسلامية والهندية والصينية) تتميز، على الرغم مما بينها من اختلافات، بتجانس بنيوي في تجربتها الميتافيزيقية، مبيناً هذا التجانس اعتماداً على منهج مقارن يرتكز على ما يعرف في مجال الفلسفة المقارنة بـ"المماثلات التناسبية".
ب ـ اعتماد رؤية حضارية شاملة للكوكبتين الثقافيتين، الشرقية والغربية، لأن الحضارة "كل مفصل لا يحتمل أي فرز، فالأجزاء لا تتحرك بمعزل عن الكل، وهذا الكل له منطقه الخاص وقانونه ومقولاته الخاصة".
وتكمن أهمية هذه الرؤية الشاملة في قدرة المؤلف (شايغان) على تجاوز النزعة التجزيئية الغالبة على الدراسات الحضارية الراهنة، والتي تعزل الظواهر بعضها عن بعض وتدرسها كلاً على حدة. ويتطلب كتاب بمثل هذه الشمولية جهازاً معرفيا ومنهجيا ولغوياً ضخماً. ولعل هذا ما يفسر الكم الهائل من المعارف الفلسفية والدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية التي يزخر بها الكتاب، إضافة إلى استيعاب كاتبه للعلوم القديمة والحديثة وإلمامه بها: التصوف (الإسلامي والهندي)، علم النفس (بكل فروعه تقريباً)، الانتروبولوجيا، تاريخ الأديان... إلخ، إضافة إلى معرفته بلغات كثيرة: الفرنسية، الألمانية، الانكليزية، وطبعاً الفارسية.
ج ـ اعتماد "شايغان" المكثف على النصوص، مما أضفى على تحاليله قيمة علمية لا تنكر.
فالنصوص هي وحدها، كما يقول محمد عابد الجابري، التي تكبح جماح الرغبة وتضع حداً للاستهتار في الكتابة.
ويذكرنا الباحث "شايغان" بالبنى الكبرى للفكر التقليدي، وكيف انهارت مع انبثاق العصر العلمي التقني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، الذي أحدث تغييراً مذهلا في وعي الانسان بذاته وبمركزه في العالم، بحيث رأى فيه المؤلف ثاني تحول ثقافي للبشرية (حدث التحول الأول ما بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد). وقد نقل هذا التحول الانسانية "من الرؤية التأملية إلى الفكر التقني، ومن الأشكال الجوهرية إلى مفاهيم التقنية الرياضية، ومن الجواهر الروحية إلى الدوافع الغريزية البدائية، ومن الآخروية إلى التاريخانية". ولم يعد للانسان، تبعاً لذلك، موضع مركزي وثابت في العالم لأن العالم لم يعد هو نفسه شيئاً ثابتاً.
أما الوضعية الراهنة للحضارات التقليدية، فيمكن القول ان هذه الحضارات تعيش مأزقا حقيقياً متأتيا من كونها فقدت بناها الفكرية الكبرى، أو بالتدقيق فقدت هذه البنى مبررات وجودها بفعل الهجمة الحداثية الغربية، ومن كونها لم تشارك في صنع هذه الحداثة، أو في الحقيقة ـ كما يرى شايغان ـ لم يسمح لها الغرب بذلك. ولما كانت هذه الحضارات ترغب في الفعل في التاريخ، فقد حاولت جاهدة الانخراط في هذه التاريخ، ولكن من دون القيام بأي مجهود نقدي إزاء بناها الفكرية الموروثة، بل غاية ما فعلته مماثلة مفاهيمها بالمفاهيم الغربية، فتصبح بذلك الصلاة رياضة، والوضوء صحة، والشورى ديموقراطية...، ويسمي شايغان هذه العملية "أدلجة المأثور".
والنتيجة المباشرة لهذه العملية، أن ما تنتجه هذه الحضارات من فكر هو فكر بلا موضوع، وما تنتجه من فن هو فن بلا محل، وما تأتيه من سلوك هو سلوك عبثي. أما طبقتها المثقفة فلا هي سليلة "حكماء الشرق"، ولا سليلة "مثقفي الغرب". وتكون النتيجة النهائية أن: "يسقط الدين في أحبولة مكر العقل، فيتغرب وفي نيته مواجهة الغرب، ويتعلمن وفي عزمه روحنة العالم، ويتورط في التاريخ وفي مشروعه إنكار التاريخ وتجاوزه". لذلك يقترح شايغان للخروج من هذا المأزق التاريخي التأكيد أن قوانين التاريخ تخضع لمعايير غير معايير العودة العمودية إلى الوجود، والقيام برحلة متبادلة بين الغرب والشرق. وبما أن الغربيين أدوا هذه الرحلة في شخص هنري كوربان الذي أعاد رسم المسافة من هيدغر إلى السهروردي، فعلى الشرقيين أن يردوا الرحلة في الاتجاه المعاكس.

الكتاب: ما الثورة الدينية
الكاتب: داريوش شايغان
الناشر: المؤسسة العربية للتحديث الفكري، دار الساقي 2004
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=97863

ابن الشاطيء 07-12-2004 14:50

معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الـ 48

السنيورة وياسين والسيد وزيادة في ندوة "الإصلاح في العالم العربي وخيارات للبنان"


المستقبل - الثلاثاء 7 كانون الأول 2004 - العدد 1771 - ثقافة و فنون - صفحة 18









شهد يوم أول من أمس في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الـ 48 الذي ينظمه النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان في مركز بيال للمعارض في وسط بيروت التجاري سلسلة من النشاطات والندوات والمحاضرات وتواقيع الكتب إضافة الى حضور كثيف بلغ الذروة نهاية الاسبوع.
وفي الاطار أقيمت ندوة بعنوان "الإصلاح في العالم العربي وخيارات للبنان" شارك فيها كل من الوزير السابق فؤاد السنيورة، استاذ علم الاجتماع السياسي ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية د. سيد ياسين، ود. رضوان السيد، ود. خالد زيادة ود. نواف سلام، وحضرها حشد من الشخصيات والمهتمين واستهلت الندوة التي ادارها أيضاً الوزير السابق فؤاد السنيورة بمداخلة له قال فيها "يكثر الحديث في العقود الثلاثة الأخيرة عن الإصلاح. وقد كان الدارج والمتبادر الى الذهن عند ذكر الكلمة أن ينصرف الاهتمام للإصلاح الاقتصادي، وبخاصة بعد بدء التغييرات الهيكلية الاقتصادية بالوطن العربي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. والواقع وكما تعرفون أن الإصلاح لا يقتصر على الإصلاح الاقتصادي بل يتعداه ليشمل الكثير من مناحي الحياة وبشتى جوانبها. كما أنه ليس حاجة عابرة بل حاجة مستمرة وهو ينطلق من ذهنية تؤمن حقاً بالتغيير نحو الإصلاح. فالإصلاح يعني إعادة النظر في ما درجنا على التعارف عليه من سياسات وتصرفات وممارسات واستكنا اليه واعتمدناه وظننا أنه سيظل متلائماً مع كل المتغيرات وأنه هو الأفضل لاستعمال مواردنا والأفعل لتلبية احتياجاتنا. فالواقع قد يكون عكس ذلك. فتسارع التطورات والتحولات في الماضي القريب والآتي من السنوات أصبحت تستوجب أكثر من أي وقت مضى العمل على إمعان النظر في ما يجري من حولنا للتثبت من أن ما يحصل لدينا هل ما زال الأفضل والأفعل. كذلك العمل على فهم حركة الزمن وإدراك الظروف والأوضاع المستجدة لاستكشاف تداعيات تلك المستجدات وهل يلحظ معها تباطؤ في المسيرة أو هل يتبين لنا من خلال الممارسة بداية معالم ثبوت خطأ أو عدم تلاؤم سياساتنا وممارساتنا مع المستجدات والمتغيرات الحاصلة.
هكذا وفي ضوء حتمية إجراء المراجعة المستمرة يصبح الإقدام، على التعديل أو التغيير في السياسات أو الممارسات التي درجنا على اعتمادها أمراً ضرورياً. ذلك يتطلب العمل على انتهاز الظروف السانحة كما يتطلب في معظم الأحيان جرأة وشجاعة وارتفاعاً الى مستوى المسؤولية وبالتالي اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة بل وربما مؤلمة. إنه عندها يمكن الحديث عن استمرار يمكننا الحديث عن حسن استعمال الموارد والطاقات المتوافرة بما يعود بالمصلحة والخير على مجتمعاتنا.
أنه يحضرني في هذا المجال، مجال استيعاب وفهم حركة الزمن وضرورة التغيير من أجل التلاؤم، كلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي قال: نشّئوا أولادكم على غير ما نشأتم عليه، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
اضاف: "فالإصلاح إذن هو استيعاب لحركة الزمن، ومحاولة مستمرة للتكيف مع التطور. وفضلاً عن هذا المعنى الشمولي له، هناك السياقات العالمية التي تنصره وتدعو اليه وتكاد لا تخلو دولة من دول العالم من طروحات تحض على أشكال مختلفة من أشكال الإصلاح السياسي والاقتصاد ي والاجتماعي والديني. ولا يستطيع أحد في هذا السياق الحديث عن إصلاح مقبول وآخر مرذول تبعاً لانطلاقه من الداخل أو الخارج. فمناداة الخارج بالإصلاح أحياناً به لا تعني أن نستنكف عن القيام به حتى ولو كان لنا فيه مصلحة أكيدة لسبب أن الخارج نادى به أو دعا اليه. من جهة أخرى فإنه وكثيراً ما يدعو الخارج للإصلاح لعرقلته داخلياً. وكثيراً ما تكون كلمة حق يراد بها باطل مثل الإصلاح الأميركي المدعى في العراق. لكن هذا وذاك لا ينفيان الحاجة المستمرة للمراجعة والنقد وللتعديل والتقويم وبهدف تحسين مستويات التلاؤم مع المتغيرات الحاصلة مستلهمين بذلك مصلحة شعوبنا وأمتنا العربية".
وعرض للمشهد الاقتصادي في لبنان منذ مطلع العام 1993 والخيارات المتاحة وأسباب اللجوء الى الإقتراض والإشكالات التي ترتبت وقصور المعالجات والإستنكاف عن التغيير والتقصير في عدم إتخاذ المبادرات اللازمة وتجاهل الفرص السانحة وتطرق الى التحديات التي يطرحها الصراع العربي الإسرائيلي وكيفية المواجهة الإقتصادية كما لخص الأهداف الإصلاحية التي توختها عملية إقرار المواد القانونية الإصلاحية المقدمة.
ياسين
ثم تحدث سيد ياسين فقال: نحن نعيش في عصر التدخل الانساني والسياسي والأول قد يكون مقبولاً كما حصل في الصومال الا ان الثاني خطير كما تفعل أميركا في العراق ويمثل مخاطر شديدة على الدول الصغرى والمتوسطة، نحن ننتقل من عصر الحداثة الى عصر ما بعد الحداثة. والنقطة الأساسية في موضوع الاصلاح ان هناك عبر القرن 19 و20 استراتيجات للتغيير الاجتماعي: الاصلاح والثورة. فهل نغير بالإصلاح والثورة؟ بعض علماء الاجتماع اقروا الاصلاح التدريجي مثل دوركهايم. اما ماركس وانجلز فدعيا الى الاصلاع بالثورة فقامت الثورة البولشفية في روسيا والثورة الصينية.
اضاف: "في القرن 20 تم رفض موضوع الثورة وبدأ السعي الى التغيير بالاصلاح". وتحدث عن تاريخ الاصلاح السياسي العربي مورداً بعض أقوال محمد عبده كاتب كتاب الاسلام والعلم الذي قال فيه ان بإمكان الاسلام ان يكون حضارياً. هذا الجدل القديم عن الاصلاح السياسي في العالم العربي قديم ولكنه ما زال يتردد حتى الآن. هناك بعض المثقفين العرب يدعون الى التدخل الأميركي والغربي لتحقيق الاصلاح على الرغم من أن شاشات ضش تكشف عن المزاعم الأميركية بالديموقراطية عن طريق قصف العراقيين وهذه بعض المهازل السياسية والديموقراطية والنقطة 3 هي ما نسميه الاصلاح العربي المعاصر. ليس هناك اصلاح بدون نقد ذاتي وهو ليس فضيلة عربية انما غربية وهو أحد أبرز أسباب نجاح وتقدم الغرب".
وتحدث عن بعض كتب قسطنطين زريق التي تتحدث عن النقد الذاتي. كمثقفين عرب لسنا جدداً على الديموقراطية ولسنا جديدين في النقد ما هي القضية الراهنة في الاصلاح السياسي في العالم العربي. التحول الديموقراطي يعني التحول من السلطوية الى الديموقراطية والليبرالية. ما هو نضال ديموقراطي دفع ثمنه مؤسسات وأفراد وجماعات.
جهود الأنظمة السياسية العربية وعدم رغبتها في التحرك. الدول العربية رفضت مشروع الشرق الأوسط الكبير بسبب الخصوصية أولاً فهل يمكن تحقيق الاصلاح السياسي العربي خضوعاً للضغط الداخلي وليس الغربي؟ أنا أقول نعم في حال حماية الحقوق العربية والحريات هل يمكن أن يحصل اصلاح سياسي عربي شامل؟ طبعاً الا اذا تغيرت طبيعة الأنظمة. لا اصلاح سياسي حقيقي بوجود هذه الأنظمة. مشروع الشرق الأوسط الكبير هو مشروع شخصي لأنه محاولة سطحية وهاجة وهو مجموعة قضايا وأحكام عامة لا يراعي تطورات التاريخ الاجتماعي للمجتمع العربي. المحصلات النهائية ستحصد أخذاً ورداً من الخارج. ووزير الخارجية الأميركي ناظر المدرسة؟
ما هو الأمل في الاصلاح السياسي العربي؟
لا أمل في الاصلاح دون رؤية استراتيجية جديدة للعالم العربي.
السيد
ثم تحدث الدكتور رضوان السيد فتناول موضوع الاصلاح والمصالحة بين الدين والدولة في الوطن العربي؟
وقال: "ما عرف تاريخنا الحديث، وربما القديم أيضاً، حقبة سادها صراع كبير بين الدين والدولة في مجالنا الثقافي والسياسي، يشبه ما تشهده الحقبة الحالية. وقد يكون المناسب، من الناحية التاريخية، اعتبار اغتيال الشيخ حسن البنا، من جانب البوليس السياسي المصري عام 1949 انفجاراً لهذا الصراع، كما أن اغتيال الرئيس أنور السادات من جانب حركة الجهاد عام 1981 إحدى ذرى ذاك الصرع. وبين هذين التاريخين، اتسعت الخصومة وتفاقمت، وتجاوزت الوطن العربي الى العالم الإسلامي، وتعددت وجوهها وخطاباتها، وما عادت مقتصرة على تبادل الضربات بين الإسلاميين والأنظمة السياسية، بل كشفت المنازعات عن صراعات بين الإسلاميين والتقليديين، والإسلاميين والإصلاحيين، والإسلاميين والعلمانيين، أي أنها تجاوزت البيئات السياسية الى البيئات الثقافية، حيث تكمن المرجعية العميقة للإسلام، والشرعية العميقة للاجتماع الإسلامي. وتجاوز هذا الصراع الأجواء الداخلية في العالمين العربي والإسلامي منذ زمن طويل، وأبرز ظواهر ذلك وميادينه الحرب الأفغانية والتي دخل من خلالها الإسلاميون الى المسرح الدولي، وبلغوا قلب ذاك المسرح في أحداث 11 أيلول 2001، حيث أعلن الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. ويتحدث الجميع منذ ذلك الحين عن الحرب على الإرهاب والتطرف الإسلامي، لكن جوانب ثقافية وعسكرية عديدة تتخطى جماعات التطرف والعنف لتنال من الإسلام نفسه تارة، ومن المسلمين تارة أخرى. في الحالة الأولى يقال إن الأصولية المفضية الى العنف هي جزء من طبيعة الإسلام. وفي الحالة الثانية يقال إن الإسلام براء من هؤلاء المتشددين، والإرهابيين. لكن النتيجة في الحالتين واحدة. وتختلف الرؤى والآراء في ظاهرة الأصولية العنيفة في الحاضر العربي والإسلامي، وفي أسباب اصطدامها بالدول والأنظمة السياسية لدى العرب والمسلمين بالذات. ثم لماذا حولت الصراع الى صراع عالمي باستهداف الولايات المتحدة بشكل مباشر، ثم الأنظمة الغربية الأخرى. وإذا كانت العلل والأسباب موضع خلاف، فموضع الخلاف الأكبر هذه الرؤى والاعتقادات التي تحكم علائق الجماعات الإسلامية وتصرفاتها إزاء الأطياف الأخرى في المشهد الداخلي، وإزاء الأنظمة السياسية، وإزاء العالم".
أضاف: "لقد عرفت العقود الخمسة الأخيرة أربعة أشكال لعلاقات الدين بالدولة في الوطن العربي. وعندما نتحدث عن العلاقة، إنما نعني بها علاقة النظام السياسي بالمؤسسة أو المؤسسات الدينية التقليدية، وصولاً للمحاولات المعاصرة من جانب الإسلاميين الجدد لإنشاء مؤسسات بديلة في مواجهة الأنظمة، والمؤسسات التقليدية على حد سواء.
أول أشكال هذه العلاقة، علاقة الجفاء والمنافرة، والدول التي تمارسها ليست كثيرة (اثنتان أو ثلاث). وكان الأمر يصل في الستينات والسبعينات والثمانينات إلى دعاية علنية ضد الدين ورجالاته في وسائل الاعلام؛ أما في العقدين الأخيرين، فالمقصود بالجفاء الضغط على المؤسسة الدينية إلى حد الالغاء الجزئي، والتقييد الشديد لحركيات التعليم الديني، وللتجمعات في المساجد خارج أوقات أداء الشعائر، والحملة الشديدة على الحركات الاسلامية الجديدة التي يعاقب القانون على الانتساب إليها.
وثاني أشكال تلك العلاقة: الدمج بين الدين والدولة، وهو الأمر الذي تحقق في إيران والسودان. أما في إيران فقد وصل للسلطة رجالات الدين على رأس حركة شعبية زاخرة. ويعني ذلك أن المؤسسة الدينية التقليدية لا تزال قوية ومتماسكة بحيث أمكن لها في الصراع مع المؤسسة الشاهنشاهية أن تدمرها وتسقطها. وهذا خلاف ما حصل بالسودان. فالذين وصلوا للسلطة هناك هم رجالات الاحيائية الاسلامية الجديدة، الذين يقولون بالنظام الكامل البديل، بزعامة الدكتور حسن الترابي، في تحالف مع العسكريين الذين يبدو أنهم كانوا حزبيين أيضاً.
والشكل الثالث من أشكال العلاقة بين الدين والدولة هو الحيادية الودودة أو المتجهمة. وهي حيادية تقوم على الابقاء على المؤسسة الدينية التقليدية والتودد إليها ودعمها أحياناً، وعدم التعرّض لصلاحياتها التقليدية. وفي الوقت نفسه عدم إعطائها مشروعية التدخل المباشر في الشأن العام، أو عدم الترحيب بذلك. والواقع أن حوالي نصف الدول العربية تقيم مؤسستها السياسية علاقة من هذا النوع مع المؤسسة الدينية.
والشكل الرابع والأبرز من أشكال علاقة الدين بالدولة في الوطن العربي هو الاستتباع، بمعنى استتباع المؤسسة الدينية من جانب المؤسسة السياسية. وهذا النمط سائد في دول عربية رئيسية مثل مصر والسعودية والمغرب. ويتمثل هذا النوع من العلاقة بالاحتفاظ للمؤسسة الدينية بقوامها ووظائفها الشعائرية والاجتماعية، مع ضبطها ضبطاً شديداً بمؤسسة الدولة ومطالبها واحتياجاتها. وقد أمكن للمؤسسة السياسية تحقيق هذا الأمر بسبب القوة التاريخية لفكرة الدولة، وعلاقات الاحتضان السابقة عبر القرون، ولهجوم الاسلاميين الجدد على الطرفين: الدولة والمشايخ، ولإنفاق الدولة عليها بسخاء بعد أن استلبتها أساس استقلاليتها بمصادرة الأوقاف أو انهيارها. ثم للضعف الذي نال من المؤسسة العريقة في صراعها مع الأصوليين حول المرجعية؛ وأخيراً لحاجة الدولة الشديدة إليها في الفتوى والتعليم، وفي العمل ضد الأصوليين.
وختم بالقول: "لقد تحدث الدستور اللبناني الجديد (89 ـ 90) عن مبدأ الانسجام بين الدين والدولة وهذا هدف بالغ الأهمية والحيوية، ولا تستطيع بلوغه إلا الدولة الحرة والديموقراطية، ومع مرجعيات اسلامية جديدة ومستنيرة".
ثم تحدث د. خالد زيادة فقال: "يجمع كتاب خيارات لبنان كل ما يمكن جمعه تقريباً حول الواقع اللبناني الراهن ومشكلاته. وهذه المشكلات ليست وليدة اللحظة الراهنة. فمسائل من نوع: النظام الانتخابي واللامركزية والطائفية والنظام الاقتصادي والتربية. مسائل يعاني منها لبنان منذ ردح من الزمن. ويمكن القول انها رافقت ولادة لبنان المستقل، فبعيد الاستقلال، كانت الحكومات المتعاقبة تضمن بياناتها الوزارية اقتراحات وعروضاً وحلولاً لمشكلات من نوع النظام الاقتصادي وإلغاء الطائفية، وتطوير التعليم... إلخ. لكن البيانات الوزارية قلما عبرت عن سياسات فعلية. فالبيانات تعكس الطموحات دون الخطط أما السياسات فتسعى إلى تدبير الأمور الراهنة وتقطيع الوقت.
ومع ذلك فقد شهد لبنان كما هو معلوم تجربة إصلاحية خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب لامست الموضوعات التي يتطرق إليها الكتاب: إصلاح النظام الانتخابي ـ اللامركزية ـ الطائفية ـ الاصلاح في القضاء، بما في ذلك وإلى حد ما العلاقات اللبنانية ـ السورية فضلاً عن النظام الاقتصادي والتربية.
ومع ذلك، وبالرغم من الاصلاح المتعدد الأوجه الذي شهده عهد شهاب، فإن هذه الموضوعات ـ المشكلات ما زالت علامات وسمات الواقع اللبناني وقد استفحل شأنها وزاد بدل أن ينقص أو يتلاشى.
وقبل ما يزيد على الأربعين سنة شهد لبنان إصلاحاً إدارياً تركز على إنشاء هيئات رقابة للحد من التسيّب والفساد وتدخل السياسيين وأُقرّ نظامٌ انتخابيٌ عمل به منذ عام 1960 وحتى 1992. كما أُقر قانون للانتخابات البلدية عمل به بين اعوام 1962 و1998 وكان الهدف منه الحد من المركزية الادارية. كما شهدت الستينات المحاولات الأكثر جذرية لتطوير التعليم الرسمي في كافة مراحله، إلى إصلاح مالي عبر إنشاء مصرف لبنان، فضلاً عن إقامة معهد الدروس القضائية من أجل إصلاح القضاء وكفاءته".
أضاف: "وبالرغم من الانجازات التي حققتها سنوات الرئيس شهاب بين عامي 58 ـ 1964، فإن هذا العهد انتهى إلى نوع من الاخفاق. ليس بسبب تسلط الأجهزة على الحياة السياسية فحسب، بل بسبب ما عبّر عنه صاحب التجربة نفسه في رسالته التي أعلن فيها رفضه التجديد وتعديل الدستور، فقد أبدى الرئيس شهاب في صيف 1964 يأسه من الاصلاح ومن السياسيين الذين يرعون الفساد.
وكان ذلك قبل أربعة عقود من الزمن. ومنذ ذلك الحين جرت أمور كثيرة، وسال حبر ودم كثيران. من استشراء تسلط الأجهزة خلال عهد الرئيس حلو، إلى بروز الخلل المالي الاقتصادي مع انهيار بنك انترا، إلى إصلاح إداري وتطهير، ندم عليه شارل حلو، إلى الحروب الاسرائيلية ـ العربية في عامي 67 و1973، إلى اندلاع الحرب الأهلية وغير الأهلية منذ عام 1975، وبعض أسبابها المعلنة إصلاح سياسي واقتصادي وإداري، إلى اتفاق الطائف عام 1989.
وإذ يأتي كتاب خيارات لبنان بعد أربعين سنة على نهاية عهد الرئيس شهاب، وخمس عشرة سنة على اتفاق الطائف، فإنه يقول لنا بأن المشكلات العميقة التي طالما واجهها لبنان وعانى منها منذ ولادته ما زالت قائمة، بل زادت وتفاقمت. وبالرغم من أن اتفاق الطائف قد لامسها جميعاً، فإن عدم تطبيقه أو سوء تطبيق بعض بنوده لم يفعل سوى أنه فاقم هذه المشكلات".
وكان تعقيب من د. نواف سلام تحدث فيه عن "مقاربات إعلامية في الاصلاح الديني تضخم في الحديث عن الديموقراطية. نحن في العالم العربي بحاجة إلى الكثير من المقاربات العلاجية للعمل وليس للحديث النظري الذي بتنا في تخمة منه. نجحنا مع اتفاق الطائف في وقف الحرب، لكن فشلنا في طريقة تطبيقه من حيث عدم تنفيذ العديد من بنوده وبالطريقة الأمثل التي يجب علينا فعلها".
واختتمت الندوة بحوار بين المشاركين والحضور
http://www.almustaqbal.com/stories....D=8&IssueID=610

ابن الشاطيء 07-12-2004 14:55

الآخرة للكنيسة... والدنيا للدولة!

د. محمد عابد الجابري
ينطلق الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704)، في تقرير نظريته السياسية من فرضيتي "حالة الطبيعة" و"العقد الاجتماعي" ولكن من منظور يختلف عن منظور "هوبز" اختلافا عبر عنه "لوك" بصراحة برفضه للمسلك الذي سلكه سلفه وللغاية التي قصدها. لقد انطلق "هوبز" كما رأينا من اعتبار "حالة الطبيعة" بكونها حالة "حرب الكل ضد الكل" وسخر فكرة "العقد الاجتماعي" للتشريع للحكم المطلق! و"لوك" يرفض هذا وذاك: فهو يقرر أن "حالة الطبيعة" ليست حالة عدوان وحرب وفوضى بل هي حالة منظمة يحكمها العقل. ذلك أن الاجتماع الإنساني ليس كالاجتماع الحيواني. فهذا تحكمه الغريزة أما الآخر فيحكمه العقل. والعقل كما يمنع الناس من الاقتتال خوف الفناء، يمنعهم كذلك من التنازل عن جميع حقوقهم، فهم يميزون بين ما يمكن التنازل عنه وما لا يمكن، وإلا فقدت "حالة الطبيعة" جوهرها ومضمونها، يعني: الحرية والمساواة. إن حالة الطبيعة هي حالة حرية ومساواة ينظمها العقل. العقل يحمل الناس على أن يحترم كل منهم حياة الآخرين وصحتهم وأموالهم، وعلى أن يقفوا بجانب المظلوم ويدفعوا الأذى عمن يتعرض له، وعلى أن يعاقبوا المسيء بما يناسب إساءته دون عسف ولا شطط، إلى غير ذلك مما يقتضيه حق الحرية وحق المساواة، وهما حقان طبيعيان كما قلنا.
هناك حق آخر يلح عليه "لوك" إلحاحا ويعتبره من الحقوق الطبيعية وهو حق "التملك" بمعناه الواسع: أن يملك الإنسان حياته وحريته والأشياء التي في الطبيعة. والمقصود ليس الملكية في ذاتها بل المقصود: الحق فيها، الحق في خدمة الأرض والاستفادة من خيراتها، والحق في ملكية الأرض نفسها. وبما أن ما يبرر الملكية ويشكل منشأها المشروع هو عمل الإنسان فلكل فرد أن يملك من الأرض مقدار ما يستطيع خدمته ويكفيه حاجته للحفاظ على وجوده، ولا يتعدى ما هو ضروري له. والتزام هذه الحدود هو ما يقي حالة الطبيعة من شرور المنازعات والمشاجرات. إن حق الجميع في الحرية والمساواة يقضيان أن لا يطمع أحد في أكثر مما يحتاج.
وإذا كانت "حالة الطبيعة" لا يمكن أن تخلو من مشاكل تأتي نتيجة احتكاك المصالح وتناقضها، فإن العقل كفيل بتجاوزها. ومن هنا يأخذ "العقد الاجتماعي" صيغة جديدة مضمونها كما يلي: من أجل تجنب ما قد ينشأ عن احتكاك وصراع بسبب اختلاف المصالح عمد الناس إلى تنظيم شؤونهم فانتقلوا بذلك إلى "حالة المجتمع"، فسنوا قوانين ترضي الجميع، وكلفوا بتطبيقها قضاة اختارهم الجميع، وأقاموا إلى جانبهم سلطة قادرة على ضمان تنفيذ الأحكام وتطبيقها. وهكذا تتميز "حالة المجتمع"، ليس فقط بكونها منظمة بقوانين من صنع البشر، بل تتميز أيضا بالفصل بين السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية. وهذا شيء جديد تماما وسيركز عليه "منتسكيو" فيما بعد.

المهم عندنا الآن، أن نسجل أن الانتقال من "حال الطبيعة" إلى "حال المجتمع" تم من خلال عقد اجتماعي وافق عليه الجميع. "ذلك أنه بما أن الناس في حال الطبيعة أحرار ومتساوون ومستقلون فليس ثمة من سبيل إلى إخراجهم منها وإخضاعهم لسلطة سياسية ما بدون رضاهم". لقد رغبوا جميعا في الاتحاد وتكوين مجتمع من أجل حفظ بقائهم وضمان أمنهم وحماية أنفسهم ممن يريدون بهم السوء.

ذلك هو منشأ الحكومة الشرعية: اتفاق الجميع ورضاهم، وهو شيء جديد حقا، وهو ما يميز "حالة المجتمع" عن "حالة الطبيعة". نعم يمكن دائما تأسيس دولة على القوة والغلبة وعلى أنقاض دولة أخرى، مثلما يمكن هدم منزل وبناء آخر مكانه، ولكن ذلك لن يكون أبدا حكما جديدا لأنه: "بدون موافقة الشعب لا يمكن أبدا بناء أي شكل جديد من الحكم".

ويرد "لوك" على "هوبز" فيقرر أن الحكومة المطلقة لا يمكن أن تكون شرعية، إذ كيف يمكن أن يقبل الناس الخضوع لسلطة شخص، هو وحده لا يخضع لأية سلطة!؟ إن ذلك يعني أنهم جميعا يتحولون إلى "حال المجتمع" ما عدا هذا الشخص، فهو وحده يبقى في "حال الطبيعة" مالكا لكل شيء، متصرفا في كل شيء؟!

وكما يرجع منشأ الحكم إلى اختيار الشعب ورضاه يرجع إليه أيضا النظر فيما إذا كان الحاكم يقوم بالمهمة المنوطة به أم أنه يتقاعس أو يتجاوز ويعسف. فإذا طغى الحاكم فللشعب كامل الحق في مقاومة طغيانه، لأن الشعب هو الذي نصبه. ولا معنى للقول -في نظر لوك- إن إعطاء الشعب الحق في المقاومة والثورة يؤدي إلى الفوضى! كلا، إن الشعب عاقل، وكيف لا يكون عاقلا وهو مكون من أفراد يتمتعون بالعقل. أما الجماهير فهي ليست مجبولة على الفوضى كما يدعي البعض، بل بالعكس هي تفضل في معظم الأحوال الشكوى على المقاومة لرفع الظلم عنها. ولا يلجأ الشعب إلى المقاومة إلا عندما يقتنع بأن الحكام والقضاة ماضون في غيهم لا يبالون بشكواه! في هذه الحالة يستنتج العقل أن لا سبيل لرفع ظلم الحكام إلا المقاومة. "وليس لأحد أن يلوم الشعوب على عواطفها التي يمليها عليها كونها مخلوقات عاقلة".

يبقى أن نقول كلمة عن موقف "لوك" من الكنيسة. وفي هذا الصدد يقرر أن المجتمع المدني مجتمع مستقل عن الكنيسة، فهو لم ينشأ في كنفها ولا في ارتباط مع مصالحها. الدولة والكنيسة كيانان منفصلان وبالتالي فليس على الدولة أن تعمل بتشريعات الكنيسة ولا بما تقرره في شأن من الشؤون. فالكنيسة مجالها ما يخص الآخرة بينما مجال عمل الدولة هو هذه الحياة التي نعيشها على الأرض. نعم على الدولة أن تضمن حرية العبادة للجميع ولا تتدخل في الشؤون الدينية التي هي من اختصاص الكنيسة. بعبارة قصيرة: نحن الآن، مع "لوك"، مع العلمانية الصريحة: العلمانية التي تعني الفصل بين الدولة والكنيسة.

إذا كان الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" قد انطلق في نظريته السياسية من نزعته الحسية التجريبية التي تحكم فلسفته ككل فإن "جان جاك روسو" (1712-1778)، ابن جنيف الذي كتب بالفرنسية، ينطلق من طريقة في التفكير هي أقرب إلى "منهج العالم الفيزيائي الذي يدرس أصل تكون العالم": المنهج الفرضي الاستنتاجي. يتجلى هذا في كتابين شهيرين من كتبه: أحدهما بعنوان "مقال في أصل وأسس التفاوت بين الناس" الذي صدر عام 1750، والآخر بعنوان "في العقد الاجتماعي" الصادر سنة 1762.

يتبنى "روسو" فكرة "هوبز" الذي كرس نظريته السياسية من أجل مسألة "الأمن" من خلال التنظير للحكم المطلق، كما يتبنى في الوقت نفسه قضية "لوك" الذي جعل من "الحرية" مدار فكره السياسي، ولكنه يرفض الطريقة التي سلكها كل منهما في الدفاع عن قضيته. ومن هنا جاءت وجهة نظره في "حالة" الطبيعة و"العقد الاجتماعي" مختلفة بل مناقضة لوجهة نظر الفيلسوفين الإنجليزيين.

حالة الطبيعة عند "روسو" هي حال ذلك الإنسان المتوحد الذي يعيش بمفرده في الغابة: لا يعرف أباه ولا زوجته ولا أبناءه، ولا يتكلم لغة ولا يحترف مهنة ولا يتقن صناعة، ولا يرتبط بقيم تقود سلوكه، فلا يعرف معنى الفضيلة ولا معنى الرذيلة... إلخ. هذا الإنسان كائن سعيد! فحاجاته ومتطلبات حياته وطموحاته قليلة ومحدودة وبالتالي فمشاكله ومتاعبه قليلة كذلك ومحدودة. شيء واحد يمكن أن يعكر صفو هذه الحياة البسيطة الهادئة: إنه الكوارث الطبيعية وتقلبات الطقس وما ينجم عن ذلك من برد وجفاف... إلخ، مما يضطر معه هذا الإنسان المتوحد السعيد إلى التعاون مع غيره من أبناء جنسه للتغلب على آثارها.

من هنا نشأ الاجتماع، ومع الاجتماع نشأت اللغة وظهرت أنماط من السلوك لم تكن من قبل، فظهر الحسد وظهرت الخصومات وكثرت الحاجيات وتنوعت. وترسخت المِلْكية وأصبحت تحميها القوانين وتكرس التفاوت بين الناس. وإذن فالاجتماع هو الذي أفسد صفاء حالة الطبيعة.

كيف يمكن إصلاح ما أفسده الاجتماع الذي فرضته الطبيعة نفسها؟

الوسيلة إلى ذلك: إقامة الحكم الصالح والقيام بالتربية الصالحة. يعالج "روسو" في كتابه "العقد الاجتماعي" مسألة الحكومة الصالحة، أما مسألة التربية فيعالجها في كتابه "إميل". ويهمنا هنا الكتاب الأول.

كيف نقيم الحكم الصالح؟
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/07/04

ابن الشاطيء 07-12-2004 14:57

العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر

د. طيب تيزيني علماني كالذي قبله لكل مشروعه الخطير
تنعقد بعد بعض الوقت ندوة ذات خصوصية بالغة الأهمية في "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت الشهر الجاري تحت عنوان "ثمار العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر". وتأتي أهمية البحث في العقلانية عربياً من أن عملية التشكيك في "العقل" العربي والشخصية العربية تتسع، يداً بيد مع بذل جهود مركزة لإغلاق الآفاق المفتوحة أمام العرب ومستقبلهم. أضف إلى ذلك أن هنالك صعوبات ومشكلات جمة تنحدر من عصر النهضة العربية، مع إنتاج مجموعات أخرى جديدة من الصعوبات والمشكلات تجد الآن قمتها. وربما كانت في مقدمة تلك مشكلة تتمثل في أن معضلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر يكاد يكون حضورها فيه مقتصراً على بعدها النظري، ومن ثم في أن "تجارب" العقلانية والتنوير ضئيلة وربما قاصرة وهجينة. ونعني بذلك أن تجسّد تلك المعضلة في الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية العربية، ظل مشروعاً مفتوحاً ينتظر من يجيب عليه ويشخصه.

وإذ يظهر هذا الواقع عارياً، يقف "أوغاد التاريخ" مردّدين أن هكذا هي الأمور لدى العرب. فهم غير قابلين للتقدم، وهم إن شاءوا التقدم فعليهم الانضواء تحت راية الآخرين. والحق، إن في المسألة نظراً، فهنالك ضرورة للتمييز بين العقلانية والعقلية. ذلك أن هذا التمييز يضع يد الباحث على فكرة طريفة مهمة هي أن "العقلية" تمثل إحدى تجليات الفكر العربي العمومي، سواء في الحضارة العربية الوسيطة أو في عصر النهضة بل كذلك في العصر الراهن. فهي ملكَة لعلها أن تكون موجودة في حياة العرب في وجودهم الأولي الطبيعي. ومن ثم، فإن تقريراً كهذا من شأنه إقصاء الآراء العرقية، التي تسحب "العقلية" من حياة شعب، وتقر وجودها في حياة شعب آخر.

أما العقلانية فهي - في عمومها- منظومة من الآراء والإرادات والمبادئ والأهداف والآليات تظهر في حقول التنظيم الاجتماعي والسياثقافي والاقتصادي وغيره من عسكري وحقوقي وحرفي... إلخ. وبهذا، فهي نمط من ترشيد الفعل الإنساني في رؤية استراتيجية عقلية. وإذا كانت قد برزت جموع من العقلانيين في الغرب، منهم "ماكس فيبر"، فإن ذلك أتى بفعل الثورات التي انطلقت هناك على الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافي خصوصاً، بحيث أتت جملة من المذاهب الفكرية والسوسيوثقافية لتحقق عملية الانتقال من "العقلية" إلى "العقلانية"، مثل العلمانية والليبرالية، ومن ثم، فقد ظهر العقل التغييري الجديد عبر تحويل الأولى إلى "فعل" وإرادة ومؤسسة في سياق تاريخي مفتوح وحرّ بقدر معين.

إن القول بـ"ملكة العقلية" إنما هو إقرار بما يقترب من البديهيات المعطاة مع الوجود الإنساني العاقل والفاعل أو العامل "هومو سابين" و"هومو فابر" ولذلك، لا فضل في ذلك في حياة الناس، إن لم يحوّلوه إلى ما أشرنا إليه (فعل وإرادة ومؤسسة). لقد أخفقت التيارات السياسية العربية المعاصرة، خصوصاً منها تلك التي تبوأ قادتها السلطة السياسية، في المشروع العربي لأسباب متعددة، ومنها النكوص عن عملية التحويل المذكورة. فقبل استلامهم السلطة، كانوا قد قدموا أنفسهم إلى جمهورهم بمثابة من يحمل همّ الوطن بين حناياه. وبعد استلامهم السلطة، كانوا أول من أخذ يلتهم الثمار، وآخر من تنحّى عن الامتيازات. ومع الإقرار بالاختراقات، التي راحت تتالى باتجاه البلدان العربية مع تحقيق استقلالاتها السياسية من قوات الاحتلال الأجنبي، فإن النظم العربية فرّطت باللحظات المضيئة والمثمرة في السنوات الأولى من الحكم الوطني، يداً بيد مع تيار من الفساد والإفساد راح يجتاح تلك البلدان بقيادة من على رؤوسها؛ ناهيك عن النكوص عن إنجاز المهمات المتصلة بالتنمية الاقتصادية والسوسيوثقافية، وبتوطيد الجيوش العربية حيث تحولت إلى جيوش من المستهلكين على حساب التوازن الاستراتيجي مع الآخر.

إن معضلة العقلانية في الفكر العربي المعاصر إنما هي معضلة البنية المجتمعية العربية وإشكالية الفعل والإرادة والمؤسسة المصادر عليها من نظم بيروقراطية مترهلة. ومن ثم، فإن إعادة بناء "العقلية- الملكة"، في إطار نظام متقدم للإنتاج المعرفي وضمن عملية مفتوحة من الفعل والإرادة والمؤسسة الحرة، تمثل واحدة من بدايات لما هو قائم على صعيد ما نحن بصدده.
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/07/04

ابن الشاطيء 07-12-2004 15:03

عندما يتقاطع التطرُفَان
منير شفيق الحياة 2004/12/6

ربما من قبيل المصادفة لا أكثر، وربما ليس من قبيل المصادفة، بمعنى من المعاني، أصبح الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هدفاً لسهام من يفترض بهم، نظرياً، على طرفي نقيض. ففي تلك الأيام العشرة الأخيرة من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت صدر على لسان «أبو مصعب الزرقاوي» بيان من موقعه على الانترنت يهاجم فيه «علماء السوء والسلاطين والتلفزيونات» ويعتبرهم قد تخلوا عن «المجاهدين» و«اسلموهم لأعدائهم». وكان في مقدم المقصودين الشيخ يوسف القرضاوي، ومن على نهج الاعتدال والوسطية من علماء، دانوا عمليات 11 / 9 / 2001 في نيويورك وواشنطن، وشجبوا نهج قتل الرهائن والأسرى وميّزوا بين مقاومة مشروعة للاحتلال وأعمال عنف تدخل في اطار الارهاب.

وفي الفترة نفسها دارت في الانترنت عريضة، لم يعرف بالضبط من وراءها، تطالب بالتوقيع عليها ضد الشيخ يوسف القرضاوي باعتباره أفتى بقتل المدنيين وشجع على الارهاب. وانكرت «العريضة» عليه اعتداله ووسطيته. و«العريضة» بما وجهته من اتهام للشيخ تضمنت تحريضاً عليه بمثل ما تضمنه بيان الزرقاوي. وبديهي ان الاتهام بالتحريض على قتل المدنيين والتشجيع على الارهاب يحمل كل ما يحمله التخوين والتكفير من نتائج، أو من ايحاءات لمن يهمه الأمر.

لنترك، موقتاً، هؤلاء وهؤلاء، المتباعدين ظاهراً والمتقاطعين ضد الشيخ القرضاوي، وذلك لنقرأ نصين صدرا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وحملا توقيع الشيخ يوسف القرضاوي. وقد نشرا في موقع «اسلام اون لاين»، ومواقع وصحف ومجلات أخرى. الأمر الذي لا يترك عذراً للموقعين على العريضة المذكورة ان قالوا لم نطلع عليهما.

ففي البيان الصادر عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في 26 / 9 / 2004، ورد فيه بالحرف: «الخطف هو اعتداء على الغير سواء أكان مسلماً أم غير مسلم. وهو نوع من أنواع البغي الذي نهى الله عنه». وفي حالة الحرب الفعلية فإن المخطوف «يكون أسير حرب لا يجوز قتله بل مصيره الى اطلاق سراحه قطعاً». ويتابع: «ومن باب أولى لا يجوز خطف أشخاص إذا كانوا معارضين لمحاربتنا ومتعاطفين معنا كالصحافيين الفرنسيين». وعبر البيان عن استنكاره «لجميع حوادث الاختطاف التي تطال اناساً لا علاقة لهم بالمحتلين». وطالب «باطلاق سراحهم فوراً». كما استنكر القرضاوي وزملاؤه العلماء «احتجاز الأطفال في مدرسة اوسيتيا وتعريضهم لتلك المجزرة البشعة على رغم اعتقادنا بعدالة القضية الشيشانية». واستنكروا «اختطاف امرأتين ايطاليتين تعملان لحساب منظمة انسانية، رغم ادانتنا لموقف الحكومة الايطالية المتحالف مع القوات الأميركية المعتدية». ثم خلصوا الى القول: «فكل ذلك وأمثاله لا يجوز أصلاً من الناحية الشرعية. فضلاً عن انه ليس من مصلحة المقاومة».

وينكر البيان على أي أحد في المقاومة ضد الاحتلال في العراق، أو في غيره، ان يتمتع «بصلاحيات وليّ الأمر» الذي له وحده في ظروف استثنائية (ارتكاب جريمة حرب) الأمر بقتل أسير «بناء على حكم قضائي». و«لذلك فإننا نعلن استنكارنا لقتل النيباليين وغيرهم من الرهائن الذين لم يقوموا بأعمال قتالية أصلاً، ولو صح أنهم قدموا خدمات للقوات المحتلة فهي لا تبرر قتلهم شرعاً». ثم يقطع البيان بالقول: «لا يجوز احتجاز المدنيين من الأعداء كرهائن وتهديدهم بالقتل بسبب عمل يرتكبه، أو يمتنع عنه، غيرهم، وليسوا مسؤولين عنه، ولا يمكنهم منعه».

ويضيف: «فإذا كان تقصّد المدنيين من الأعداء بالقتل غير جائز في أثناء المعركة، فكيف يجوز قتلهم بدم بارد وهم أسرى؟». هذا، «وليس من أخلاق المسلمين ان يتدنوا الى فعل ما تفعله قوات الاحتلال من سلوك غير متحضر يتمثل في قتل عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين من النساء والأطفال والشيوخ بحجة ضرب المقاومة».

وجاء البيان الثاني الذي وقعه الشيخ القرضاوي رئيساً للاتحاد ومحمد سليم العوا أميناً عاماً له في 19 / 11 / 2004، ليؤكد مرة أخرى على ما تقدم موضحاً: «ولا يسوّغ لأحد ان يعتدي على غير المقاتلين، ولو كانوا من الدول المعتدية فللنفس البشرية حرمتها، والعدوان عليها اعتداء على البشرية جمعاء». ويطالب المقاومين الشرفاء «الابتعاد عن التعرض للمدنيين غير المقاتلين»... «حتى لو كانوا من جنسية القوات الغازية ما داموا لا يتعاطون أعمالاً عدائية...». ويضيف: «وإذا كانت ظروف بعض العراقيين تدفعهم الى العمل في الجيش، أو الشرطة، فإن عليهم أن يسعوا جهدهم لتجنب إلحاق الأذى بمواطنيهم. وعلى المقاومة الشريفة ان لا تتعرض لهم بسوء ما داموا لا يحاربون شعبهم، ولا يوالون عدوهم». بل ويطالب البيان من المقاومين الشرفاء ان يستنكروا الأعمال التي «ظاهرها المقاومة وهي في حقيقة الأمر امتداد للعدوان وتشويه لصورة المقاومة الشريفة». ثم يلحظ البيان ان كثيراً من الجرائم التي ترتكب «انما تأتي في أعقاب افتضاح تصرف وحشي من قبل قوات الاحتلال. فيقترفون جريمة أكثر وحشية تغطي على تصرفات المحتلين وتنسي العالم فظائعهم».

الذي يقرأ ما تقدم يتفهم موقف التطرف الذي يتهم العلماء وفي مقدمهم الشيخ القرضاوي: «بتسليم المجاهدين لأعدائهم». فالشيخ والعلماء يضعفون استناد التطرف الى الاسلام اضعافاً شديداً، وهم ينطلقون من مواقع الفتوى بوجوب مقاتلة المحتلين ودعم مقاومة الشعب العراقي ووحدته، بما يسقط تهمة «علماء السوء والسلاطين والتلفزيونات». وفي المقابل، يمكن تفهم موقف متطرفي العريضة آنفة الذكر كذلك. فالقرضاوي يغيظ البعض غيظاً شديداً حين يؤيد مقاومة قوات الاحتلال ويدعم جهاد شعب العراق لتحرير وطنه والمحافظة على وحدته وهويته الأصيلة. ثم يغيظهم أكثر حين لا يسمح بالخلط بين المقاومة المشروعة والارهاب فيما كل دعواهم ضد المقاومة تقوم على اتهامها بالارهاب. وترفض ان ترى غير الأعمال المشينة وتعميمها بتجن على كل المقاومين في العراق.

ومن هنا تكون وسطية الشيخ القرضاوي واعتداله مؤسسة على مقاومة الاحتلال، وعلى لا شرعية احتجاز الرهائن من المدنيين وقتلهم أو التفجيرات الدافعة الى الفتنة الداخلية. وكلا الأمرين يفسر التقاطع ضده من جانب تطرفين على طرفي نقيض. وهذا قبل الدخول في الموضوع الفلسطيني.


كاتب فلسطيني، الأردن.
http://www.daralhayat.com/opinion/1...d2f1/story.html

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:36

حلقة في نهاية التاريخ..!
إبراهيم عبدالرحمن التركي


(1)
** لم يُطقْ أحدُ أساتذةِ المدرسة النقدية (المثالية) - التي ذاعت خلال القرن الثامن عشر - نهاية مسرحية (الملك لير) بموت (كوردليا) فلم يعدْ إلى قراءتها مرة ثانية، وفضل عليها صيغة معدلة تتجاوز فيها الموت ويعيش معها (لير) سعيداً، وكان هدف (الدكتور جونسون) أن يثبت عدم قدرة (الشر) على الانتصار..!
** لعله يذكرنا ببساطة (مسلسلاتنا) و (أفلامنا) وأحياناً (رواياتنا) العربية التي تُختتم بما يضمن سعادة المتابع.. فيتزوجُ الأبطال، ويلتئم الشمل، ويسود الوئام، ويندحر الشر، وينقشع الظلام..!
** ولو وقف الأمرُ هنا لقلنا إننا لا نزال في مرحلة ما قبل ثلاثة قرون.. وسيهونُ علينا ارتدادُنا في قضية نقديّة أو إبداعيّة أو فنيّة.. بعدما ارتددنا في قضايانا الحيويّة الأخرى.. غير أننا نعيش الواقع (المُعتم) بتفكير (يوتوبي) تأخذُنا فيه عظة عابرة.. أو بيان سياسي.. أو خطابٌ ثقافي.. تقدم حلول أزماتنا عبر قراءات (مبتسرة) أو مواقف (براغماتية) أو مسالك (مؤدلجة) ..!
** بهذا جاء صنعُ النهايات السعيدة عبر برامج موجهة (سياسية وثقافية) تتعصبُ للذات والجماعة والشعارات بمنطق (إقصائي) يحتكرُ البطولة المطلقة في مسرحيّة (الخروج من النفق) ..!
** ولهذا فشلت مشروعات الإحياء والنهضة والبعث والتجديد في رسم الفصل الأخير (المنتظر) .. لأنه - دون إغراقٍ في التنظير - يحتاج إلى (سينارست) يلم (الرؤى) في مسارٍ ذي اتجاه واحد لا اتجاهات متقاطعة..!
(2)
** قبل أربع سنوات تابعنا انتخابات (رئيس العالم) ، وزادت حماستنا من أجل (قيصرهم) على حماسة شعبه حتى كدنا نشارك في المساعدة على إكمال العد اليدوي لأصوات ناخبي (فلوريدا) ، وفرحنا حين فاز..!
** هل كنا نتوقع أنه سيقودنا إلى (القدس) ..؟ بالتأكيد.. لا.. لكن (المهزوم) يبحث عن ضوء نجمة تهديه إلى أي طريق..!
** لم يجئ - حسب مواصفاتنا - بل قال بلسانه: إنه سيقود - بمباركة منا - حرباً (صليبية) ضدّنا، وأيقن بعضنا أن إقصاء (الدين) عن المعركة أكبر خطيئة ارتكبت في هزائمنا المعاصرة، ولم يزل آخرون مصرين على أن (النصر) قادم بالتحالفات والأدلجات والتنازلات..!
** ومرت سنوه العجاف فعاد متحمسونا ليراهنوا على سقوط القيصر مرة أخرى.. وإذ لم فقد أدرك من قرأ الحدث أن سيدة العالم تتجه نحو أقصى اليمين بتطرف غير مسبوق تلعب فيه القيم المسيحية دور البطولة.. وظل فينا من لا يعترف بالدين عاملاً أهم في صراعنا الحضاري الظاهر والمستتر مع (السيدة) وربيبتها.. وباتوا يوجهون المعالجة الدرامية للأحداث بصورة محايدة لا تعرف مثلما لا تعترف بحسابات التاريخ المتكئة على (القوة) و (السيطرة) ..!
(3)
** في الوقت الذي يحاربُ فيه العالم ما يسمى (تطرفاً) فإن الخيار الأمريكي اتجه اتجاهاً (يمينياً) بشهادة الأصوات (الشعبية) إلى جانب الأصوات (الانتخابية) مما يجعلُ حكاية الحرب الموهومة خدعة كبرى، وبمقاربة بسيطة ندرك انتشار الإرهاب اليوم أكثر من الأمس لأن المتطرف الأمريكي جاء وقوداً لتطرف أشد..!
** ورغم مشروعية مواجهة التطرف فإن قراءته لم تجئ صادقة، كما أن توظيفه - مثلما فعل الأمريكيون - لم يلق مناوأة كتلك التي وجدها العرب والمسلمون، غير أن هذه القراءة لا تتجه إلى (المتطرفين) الذين وجهوا حرابهم صوب أمتهم فقتلوا الآمنين والمستأمنين وروعوهم وأعطوا صورة مشوهة لهذا الدين..!
(4)
** مَن الأحقُّ بوصف (التطرف) .. أنحنُ أم هم..؟ سؤال ساذج لا قيمة له غير إشارته إلى بُعدٍ نغفل عنه وهو أن (المتطرف) - في البناء الحضاري - قادر على إمداد أمته بإمكانات جديدة تضمن لها البقاء وربما النجاح في دوائر الصراع..!
** فالمجرم (شارون) ضروري لبقاء دولة يهود، ومثله بقية متطرفي الصهاينة، ولو لم يوجدوا، وحل مكانهم من يفاوض ويتنازل ويحكم لغة العقل والسلام لاندثرت (إسرائيل) منذ زمن..!
** وهكذا كان بإمكان المتطرف (قيصر) أن يكمل مسيرته الاجتياحية لولا مقاومة من لا يزال بعضنا مصراً على أنهم متطرفون أو إرهابيون..!
** ويكشف صدق هذه النظرية أن الأمة خرجت من الواجهة حين تصدر فيها من دعا للتفاوض والسلام وأصبحنا نحارب من يحارب أعداءنا، ثم رأينا في (حماس) و (الجهاد) ونحوهما من المنظمات الموسومة (بالإرهابية) (المتجهة للعدو الخارجي) ملمح أمل لاستعادة الحق.. ولو بعد حين..!
** السادات الفائز بجائزة نوبل للسلام.. والشيخ أحمد ياسين - غفر الله له - الموسوم بالإرهاب صورتان متناقضتان لما يمكن أن نصنعه للقضية أو نصفعها به.. فمن منهما سيحترمه التاريخ..؟!
(5)
** في قراءته لمجموعة الراحل (محمد شكري 1956 - 2003م) (مجنون الورد) أشار (محمد برادة) إلى أنه مقابل النصوص المعتمدة على نصوص غائبة يأتي شكري بمنطق آخر.. فالأشياء قبل الكلمات، والمعيش قبل التخيل، والموشوم أخاديد على الجسد قبل التبشير بالأفضل ومناجاة الثورة المنتظرة ودفن الإحباطات في القصائد والنصوص..!
** لم يأْبَه شكري بما سببه (عُريُه) الإنساني من صدمة عنيفة هزت اقتناعات كثيرين كانت ورقة التوت تحول بينهم وبين إدراك السقوط (القيمي) الذي تردّت فيه مجتمعاتنا العربية، ولم يَعنِ (شكريا) أن يستتر من عوراته المأزومون بخيال التطهر، فقد شاء أن تجيء حلقتُه الأولى كما حلقته الأخيرة كاشفة مواجهة نائية عن تجذير التملق ورتق التمزق، وإظهار الوجه الملمع وإخفاء الحقائق المنطفئة..!
** صاغ (شكري) لغةً مختلفة يواجه بها المجتمع قُبحه، وحق الساسة والقادة أن يشخصنوا ثم يعالجوا ملامح التشويه بعيداً عن عمليات التجميل والتخدير وأجهزة الإنعاش..!
** هنا يبدو الدور التاريخي (للرائد) الذي (لا يكذب أهله) .. وهنا ينحسر دور الممثلين والمطبلين والحالمين..!
(6)
** التاريخ - إذن - ليس فيلماً عربياً نخطط لنهايته وفق ما نريد.. فآلام اليوم آمال الغد، والحلقة التعيسة إرهاص لحلقات سعيدة، والأمة تحتاج إلى أن تناضل في كل الاتجاهات وليس فقط في قاعات المفاوضات..!
** الاعتدال خيال وخلل..!



ibrturkia@hotmail.com
http://www.al-jazirah.com/

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:39

الكتاب
43101 ‏السنة 127-العدد 2004 ديسمبر 8 ‏25 من شوال 1425 هـ الأربعاء


القشة التي قصمت ظهر البعير‏!‏
بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي



إذا كان علينا أن نحدد المسافة الفاصلة بيننا وبين الغربيين من خلال الواقع الذي نعيشه والأفكار والمسلمات التي نخضع لها‏,‏ فبيننا وبينهم أربعة قرون أو تزيد‏.‏لقد خرجوا من العصور الوسطي وبدأوا نهضتهم في القرن الخامس عشر الميلادي‏,‏ ونحن ماكدنا نفتح عيوننا في القرن التاسع عشر علي النهضة ونسير في طريقها خطوات حتي نكصنا علي أعقابنا في القرن العشرين‏,‏ وعدنا الي ماكنا عليه في عصور الظلام التركية والمملوكية‏.‏ وهذه هي الحقيقة التي كان علينا ان نعيها جيدا‏,‏ ونحسب حسابها ونحن في طريقنا الي فرانكفورت لنحاور الألمان والغربيين‏.‏

لم يكن علينا ان نتجاهل وجود هذه المسافة الفاصلة‏,‏ ولم يكن مطلوبا منا أن ننكرها‏,‏ فلن يفيدنا التجاهل أو الأنكار شيئا‏,‏ والغربيون يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا‏,‏ لأن لهم وسائل كاشفة وعيونا ناقدة تري مالانراه في أنفسنا من عيوب‏,‏ لكنها تستطيع ان تسلم أيضا بوجود الجوانب الايجابية فينا وفي ثقافتنا‏,‏ إذا أتيح لنا ان نكشف عنها‏,‏ وأن نقدمها للمنصفين فنكسب تعاطفهم‏,‏ ونفوز بصداقتهم‏.‏

ولابد ان أكون أمينا وصريحا مع نفسي ومعكم فأقول إننا لم نستعد لهذا اللقاء كما يجب‏,‏ ولم نفهم أبعاده‏,‏ ولم نتعرف جيدا علي الطرف الآخر الذي سنواجهه‏,‏ ولم نقدم في اللقاء أفضل مالدينا‏,‏ وربما عجزنا عن أن نتصور أهميته بالنسبة لنا في هذه المرحلة من تطورنا‏,‏ فتصرفنا فيه بكثير من اللامبالاة وبقليل من الشعور بالمسئولية‏.‏

وسأكتفي هذه المرة بالحديث عن مجال واحد كان يتحتم ان ننجح فيه حتي ننجح في غيره‏,‏ وهو الترجمة الألمانية للنصوص المختارة من أعمال الكتاب والشعراء الذين اختيروا لتمثيل الثقافة العربية في هذا اللقاء‏.‏

مسألة أظنها بديهية من البديهيات‏,‏ فبدون هذه الترجمة يصبح اللقاء مستحيلا‏,‏ وتصبح الرحلة كلها صيحة في واد‏,‏ ونفخة في رماد‏.‏

‏***‏
في أواخر يوليو الماضي‏,‏ أي قبل الموعد المحدد لافتتاح المعرض بأكثر من شهرين اتصل بي الأستاذ محمد غنيم المسئول عن تنظيم المشاركة العربية في معرض فرانكفورت‏,‏ ليطلب مجموعة من قصائدي التي أرشحها للترجمة الي اللغة الألمانية‏.‏ وأنا أعلم ان ترجمة الشعر مسألة دقيقة صعبة يشترط فيها مالايشترط في ترجمة أي كلام آخر‏,‏ لأن جودة القصيدة في لغتها الأصلية لاتضمن لها بالضرورة ان تكون جيدة في اللغة التي ستنتقل اليها‏.‏ فلكل لغة أدواتها التي تختلف عن مثيلاتها في اللغات الأخري‏,‏ ولكل لغة ذوقها الذي تشكل عبر القرون ومزاجها الذي يتحكم في ترجمة أي نص من أي لغة أخري‏,‏ خاصة في النصوص الأدبية والشعرية بالذات‏.‏

ترجمة الشعر يشترط فيها مالايشترط في ترجمة النثر العادي‏.‏ فالنثر العادي يجد دائما مقابلة في اللغة الأخري‏,‏ لأن أدواته بسيطة‏,‏ ومعانيه مباشرة‏,‏ والكلمة فيه لاتساوي إلا كلمة‏,‏ والنقطة لاتساوي إلا نقطة‏,‏ وما علي المترجم الا ان يعرف المقابل ليحصل علي الترجمة‏,‏ كما نفعل في السوق حين ندفع الثمن فنحصل علي ماتريد‏.‏

أما ترجمة الشعر فعمل يتطلب مايتطلبه الحب الذي لايكفي فيه ان يكون المحبوب جميلا‏,‏ أو غبيا‏,‏ أو ذكيا‏,‏ بل يجب قبل كل شئ أن يملك ذلك السر الخفي الذي يجعله محبوبا لدي من وقع في حبه‏.‏ من هنا يكون علي مترجم الشعر أن ينظر في عشرات القصائد ليترجم منها مايحرك عواطف اللغة الأخري‏,‏ ويستفز ملكاتها‏,‏ ويستثير قواها لتحتضن القصيدة المهاجرة اليها وتعيد خلقها من جديد‏.‏ علي المترجم أن يلعب دور الأمير الذي أراد ان يختار شريكة حياته‏,‏ فكان عليه أن يرقص مع كل فتيات المدينة حتي يعثر في النهاية علي سندريلا‏!‏

ولقد كان من المقرر أن أقدم في فرانكفورت أمسيتين من شعري تستغرق كل منهما ساعة ونصف الساعة‏,‏ فأنا إذن في حاجة الي نحو عشر قصائد تقدم للجمهور‏,‏ مرة بالعربية‏.‏ وأخري بالألمانية‏,‏ ولهذا أرسلت للأستاذ محمد غنيم نحو عشرين قصيدة ليختار المترجم مايراه قادرا علي أن يدخل في الألمانية‏.‏ وانتظرت عدة أسابيع متوقعا من يوم ليوم أن يتصل بي الأستاذ غنيم ليطمئنني‏,‏ لكنه لم يفعل‏,‏ فقدرت انشغاله بمسئولياته العديدة وبادرت للاتصال به‏,‏ واذا هو ينبئني أن ماأرسلته أكثر مما يجب‏,‏ وأنه لايريد أن يتحمل مسئولية الاختيار أو يحمل المترجم إياها‏,‏

وعلي أن أختار بنفسي عشر قصائد وأرسلها إليه من جديد ففعلت‏,‏ وانتظرت حتي أزف موعد السفر فعاودت الاتصال بالأستاذ غنيم فوجدته في ألمانيا‏,‏ واستبشرت خيرا‏,‏ وسألته عن أخبار الترجمة فطمأنني‏.‏ ومرت أيام قليلة ليتصل بي الدكتور عماد أبوغازي الأمين العام المساعد للمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ ويطلب مني أن أرسل إليه ماأملك من ترجمات انجليزية وفرنسية لأشعاري طلبها الأستاذ غنيم لترسل اليه في ألمانيا‏,‏ فتوجست خيفة من هذا الطلب الذي فهمت منه أن الترجمة الألمانية متعثرة‏,‏ وأن هذه الترجمات المطلوبة ربما قصد منها أن تكون بديلا عنها‏,‏

غير أني تبينت فيما بعد أن المترجمين الذين عهد لهم بترجمة أعمالنا لايعرفون العربية معرفة جيدة‏,‏ وأنهم في أغلب الظن طلبوا هذه الترجمات الانجليزية والفرنسية ليستعينوا بها علي فهم الأصل العربي الذي عجزوا عن قراءته‏.‏ وقد أفضيت للدكتور عماد أبوغازي بمخاوفي‏,‏ لكنه طمأنني‏,‏ فأرسلت اليه مع ذلك الترجمات التي طلبها‏,‏ ثم حان موعد الأمسية الأولي فذهبت الي مكانها المحدد في الموعد المحدد لأفاجأ بأن الترجمة الألمانية غير موجودة‏,‏ وان المترجم الذي كان عليه ان يقدمني للجمهور الألماني غير موجود‏,‏ وأن هذا الجمهور الألماني غير موجود كذلك‏,‏

والذين حضروا أفراد وجماعات من العرب كانوا يأتون وينصرفون‏.‏ وانفجرت غاضبا بالطبع‏,‏ وقررت الانسحاب من هذه الأمسية ومن الأمسية التي ستتبعها‏,‏ لكن الأستاذ غنيم اعتذر لي وأكد من جديد أن الترجمة جاهزة وأنها ستكون مع المترجم الذي سيشاركني تقديم الأمسية الثانية‏,‏ وكانت قد مرت علي افتتاح المعرض بضعة أيام تابعت ماقدم خلالها من عروض وندوات طامنت من حماستي‏,‏ فاستسلمت للأمر الواقع‏,‏ وانتظرت حتي حان موعد الأمسية الثانية وذهبت فلم أجد هذه الترجمة المزعومة‏,‏ وان كنت وجدت عدة ترجمات لعدد من قصائدي ظهرت من قبل ضمن مختارات من الشعر العربي المعاصر أصدرتها دور النشر الألمانية‏,‏

كما وجدت جمهورا كبيرا معظمه من العرب وفيه نسبة لابأس بها من الألمان‏,‏ فاضطررت لتقديم الندوة التي صاحبني فيها شاب لبناني يجيد اللغة الألمانية‏,‏ وغادرت ألمانيا في اليوم التالي بعد ان تأكدت ان الأستاذ غنيم خدعني عدة مرات حين ظل يؤكد لي ان اشعاري ترجمت‏,‏ وربما كان هو نفسه قد تعرض لما عرضني له‏,‏ وأن الذين كلفهم بترجمة قصائدي لم يتمكنوا من ترجمتها‏,‏ ولم يصارحوه بذلك فخدع فيهم‏,‏ وظن ان كل شئ علي مايرام‏!‏

والذي حدث معي حدث مع كثيرين من الشعراء والقصاصين المصريين وغير المصريين الذين شاركوا في هذا الحوار الذي لم يتحقق‏,‏ لأنه كان أشبه بحوار الصم كما قلت في الأسبوع الماضي‏,‏ أو حوار الطرشان كما يقول الاخوة الشوام‏.‏ ليس فقط لأن الترجمة كانت غائبة أو شبه غائبة‏,‏ ولكن أيضا لأن الجمهورد الألماني كان غائبا أو شبه غائب‏,‏ فمعظم الذين حضروا لقاءاتنا كانوا من زملائنا أو من المصريين والعرب المقيمين في ألمانيا‏,‏ أما الألمان فكان عددهم محدودا‏,‏ وهم معذورون‏,‏ لأن الاعلان عن البرنامج كان خافتا جدا‏,‏

ولأن الدعوة لم تصل للجمهور الألماني بالطريقة التي تثير فضوله وتشجعه علي الحضور‏,‏ ولأن اللقاء كان محكوما عليه بألا يتحقق‏,‏ لأن وسيلة الاتصال وهي الترجمة لم تكن حاضرة‏.‏ وأنا أتحدث هنا عن الترجمة الأدبية التي كان يجب ان تكون قد أعدت وتوافر فيها مايجب ان يتوافر في كل ترجمة أدبية يراد لها ان تصل الي الجمهور وتنال إعجابه‏.‏ صحيح أن الترجمة الفورية كانت متوافرة في معظم الندوات‏,‏ لكن الترجمة الفورية اذا كانت كافية في مناقشة أو لقاء يجيب فيه الكاتب علي أسئلة الجمهور فهي ليست كافية بأي حال في نقل قصة أو قصيدة من فم الشاعر أو القصاص الي إذن الجمهور‏.‏ ولقد كان يحدث في بعض الندوات أن يخطئ المترجم فهم مايقوله المتحدثون وينقل عكس مايقصدون‏,‏ فيضطرب الكلام ويستحيل التفاهم‏.‏

وقد بلغ العبث أقصاه في الكتاب الذي صدر بالعربية والألمانية للتعريف بالأدباء العرب المشاركين‏,‏ فقد حفل بمئات الأخطاء الشنيعة التي تدل علي جهل المترجمين بكل شئ‏,‏ باللغة‏,‏ والأدب‏,‏ والشعر‏,‏ والنثر‏.‏ فقد ذكروا مثلا في هذا الكتاب اني قصاص‏,‏ وأن لي ست مجموعات قصصية‏,‏ وان جابر عصفور يعمل في الجامعة الأمريكية‏,‏ وان رضوي عاشور متخصصة في الآداب الآسيوية‏,‏ وان هدي وصفي هي زوجة نجيب محفوظ‏!‏ والغريب ان يهمل المترجمون ماأرسله اليهم المجلس الأعلي للثقافة من معلومات بالعربية عن الأدباء العرب المشاركين‏,‏ ويعتمدوا علي ماتوافر لهم من معلومات عنا باللغة الألمانية‏,‏ فيترجموه الي اللغة العربية هذه الترجمة الرديئة الحافلة بالأخطاء‏.‏

وقد سارع الأستاذ غنيم حين بلغته هذه الفضيحة فأوقف توزيع الكتاب الذي لم يكن الا القشة التي قصمت ظهر البعير‏!‏

http://www.ahram.org.eg/Index.asp?C...t1.htm&DID=8329

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:40

لغز عصر النهضة

خالص جلبي
ما يزال لغز عصر النهضة في أوروبا محيراً فما الذي يوقظ الأمم من سبات الجهالة؟ وأذكر أنه جاءني في يوم من عبد الحليم أبو شقة صاحب موسوعة "تحرير المرأة في عصر الرسالة" سؤال محدد: ما الذي يعين على إيقاظ الوعي عند الإنسان؟ وما هي الكتب التي تساهم في ذلك؟ ومنذ ذلك الوقت وأنا أنصح كل مهتم بالمعرفة أن يضع في بيته مئة إلى مائتي كتاب لا أكثر، تعتبر حجر الكبريت في إيقاد زناد المعرفة. وأعترف أنا شخصياً أنني نشأت من أبوين شبه أميين، ولم يكن في بيتنا كتاب واحد، ولا أعرف من أين جاءني الشغف بالكتب فلا يغادرني الكتاب. وكما يقول الفيلسوف "إيراسموس":"بيتي هو المكان الذي توجد فيه مكتبتي"؟ ومع هذا فكتب الفلسفة تستطيع أن تصف عصر التنوير دون تحديد سببه "Renaissance"، وكل حدث اجتماعي يخضع لمعادلة تجمع ضفيرة من العناصر فلا يمكن المراهنة على عنصر دون سواه. ويحدد الدارسون عصر التنوير بأنه جمع ما لا يقل عن عشر مزايا: فقد نشأ شيء اسمه "الفلسفة السياسية" في محاولة اكتشاف قوانين اللعبة السياسية مثلها في أوضح صورة كتاب "الأمير" لـ"مكيافيللي". وظهرت بدايات "الاتجاه الإنساني" الذي لا يعبأ بالقومية وقام بنقد النصوص الدينية وقد ظهر هذا واضحا عند "إيراسموس" و"توماس مور". وتقدمت الفنون التكنولوجية سواء في التعدين أو التنجيم أو نظام السقاية. وكانت أوروبا لا تعرف الحمامات، وتقتل الساحرات والقطط في الساحات العامة، وتعالج السعال الديكي بلبن الحمير. وولدت المطبعة على دهشة من أوروبا على يد "جوتنبرغ" ومع الطباعة والورق تحرر عقل الإنسان كما يقول المؤرخ البريطاني "هـ. ج. ويلز" في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية". وبدأت عملية إحياء الدراسات الكلاسيكية في الآداب والفنون والفلسفة. ولأول مرة بدأ تداول "أرسطو" و"سقراط" و"سينيكا" و"ايبيكتيتوس" ولكن بنسخة معدلة. فلم تعد الفلسفة هرطقة. وبدأت العلوم في الانتعاش والتقدم على كل الجبهات. فتحولت معرفة السماء من "علم التنجيم" إلى "علم الفلك". وعلم "الخيمياء" ليصبح علم "الكيمياء". وكما يقول المؤرخ الأميركي "ويل ديورانت" في سفره "قصة الحضارة" أن عام 1543 كان عام العجائب، ففيه تم خرق السماء والجسم والأرض؛ فرسمت الأرض بجغرافيا جديدة، ولم يبق مكان لبحر الظلمات، ولأول مرة دار "مجلان" حول الأرض الكروية بعد أن كانت شيئاً نظرياً متنازعاً عليه. وقلب "كوبرنيكوس" المفهوم الكنسي حول الأرض التي يدور حولها كل شيء، وتحولت إلى كوكب تافه في مجرة عملاقة في نظام شمسي لا نهاية لحدوده. ودخل "فيزاليوس" بجرأة إلى تشريح الجسم بعد أن كان هذا العمل حجراً محجوراً، وعرفنا أن البدن آلة "فيزيولوجية" تعمل بقوانين مثل أية آلة مع فارق التعقيد، وبذلك دخل العلم إلى آلية الأمراض ومعالجتها على نحو انقلابي، فتحرر الطب من الخرافة والسحر والشعوذة. وكان العصر عصر المغامرات والاكتشاف ففي عام 1492 كان "عبد الله الصغير" يسلم مفاتيح غرناطة، وتتحد أسبانيا، وينطلق "كولمبس" في رحلة إلى المجهول بأغرب من ارتياد المريخ هذه الأيام. أما البرتغال ففضلت تطويق العالم الإسلامي تسللا بجانب الشواطئ الأفريقية، وأما "كولمبس" فقد ضرب ضربته التاريخية فنقل الحضارة كلها من حوض المتوسط إلى الأطلسي، ووضع يد الغرب على أراضٍ أكبر من سطح القمر. ولكن أهم ما حصل على الإطلاق كان الإصلاح الديني الذي جاء منه الفتح المبين. ومن سبق "مارتن لوثر" كان الفيلسوف الإنساني "إيراسموس" الذي كتب عام 1517 إلى صديقه الكردينال "يورك":"في هذا الجزء من العالم أخشى أن هناك ثورة عظيمة توشك على الوقوع" وفي أقل من شهرين وقعت ثورة "مارتن لوثر". وحسب المؤرخ البريطاني "توينبي" فإن استعصاءً انتصب أمامه لفهم التاريخ البريطاني واقفاً لوحده. ذكر هذا في مطلع عمله عن "دراسة التاريخ الإنساني"، ليصل في النهاية إلى أنه حتى تنجلي الأمور أمامه كان عليه تتبع مسار الأحداث على نحو تراجعي ليصل في النهاية إلى الإصلاح الديني في العصور الوسطى. ويبدو أن ما ينتظر العالم الإسلامي لوثر جديد.
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/08/04

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:42

العنــف المولِّد للعنــف

د. برهان غليون
نجحت الولايات المتحدة ومن خلفها مجموعة الدول الصناعية في إقناع العالم أجمع، بما في ذلك النخب العربية والإسلامية بأن العنف هو الشر الأول الذي تعاني منه البشرية المعاصرة، وأن الحرب الشاملة ضد العنف هي الحرب المقدسة الوحيدة التي تجتمع حولها وينبغي أن تتوحد عبرها جميع شعوب المعمورة. ليس من المهم بالنسبة لأنصار الحرب الشاملة ضد "الإرهاب" تعريف العنف وأقل من ذلك البحث في أسبابه وشروط نشوئه وتناميه وتفجره. فتلك أمور بسيطة سهلة الإدراك وواضحة وضوح الشمس. ويكفي كي نتأكد من ذلك أن ننظر في سيرة "أسامة بن لادن" أو "أيمن الظواهري" أو "الزرقاوي" ونقرأ رسائلهم وتوصياتهم. فهم رمز العنف وتجسيده. وفي خطابهم يمكن الكشف أيضاً عن منطقه. إنه التعصب الديني وبالأخص التعصب الديني الإسلامي الذي نشأ في حضن ثقافة تقليدية منغلقة بعيدة عن العصر ومعادية لقيم التحرر والانعتاق والعقل.
اجتثات جذور العنف، وتجفيف ينابيعه يمران إذن ببساطة باجتثاث حركات العنف، وتجفيف ينابيع العقائد والمعتقدات التي وسمت بالإسلامية أو بالإسلام السياسي. ويمر هذا الاجتثاث والتجفيف عبر إغلاق الحسابات المالية للمنظمات "الإرهابية"، وتحريم أية تبرعات لصالح ما يشك أنه منظمات لها علاقة بالإسلام السياسي يمكن أن تستفيد منها، وتوسيع دائرة التنسيق الأمني بين أجهزة أمن جميع البلدان وتكوين التحالفات الدولية الضرورية لشن الحرب حيث يكون ذلك ضرورياً، كما حصل في أفغانستان وفي العراق وكما يمكن أن يحصل في بلدان أخرى.

ليس من المستغرب والحالة هذه أن تأتي نتائج الحرب العالمية ضد "الإرهاب" لتعكس الإفلاس السياسي والانحطاط الأخلاقي معاً لمنظريها ومخططيها وممارسيها. فبالرغم من مليارات الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة ولا تزال تنفقها مع حلفائها من الدول الصناعية للحد من "الإرهاب العالمي"، لم يتقلص حجم التهديدات الناشئة عن "الإرهاب"، ولكنه تفاقم كما لم يحصل في أية حقبة سابقة. وهو ما ذكره الرئيس الفرنسي نفسه في تصريح له، خلال الآونة الأخيرة، أثار استياء الإدارة الأميركية. والانحطاط الأخلاقي لأن أنصار الحرب العالمية ضد "الإرهاب" يجدون أنفسهم مضطرين إلى القبول بمعايير سلوك كانوا قد جعلوا من وضع حد لها المبرر الأخلاقي للحرب. وتشعر قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي بأن حرب "الإرهاب" تقود بشكل متزايد نحو القبول بانتهاكات الحقوق الإنسانية، وتبرير ممارسات لا أخلاقية ولا إنسانية سواء ما تعلق منه بالقتل الجماعي والتمييز العنصري، والتلاعب بالقانون كان من الصعب السماح بها من قبل.

يشكل تفكيك شبكات التنظيم العسكري والتمويل المادي لحركات العنف هدفاً لا شك في أهميته في أية خطة جدية للقضاء على مصادر العنف والجريمة في العالم. لكن كما بينت السنوات القليلة الماضية بشكل ملموس، يمكن لاستراتيجية الاجتثاث الأمني للعنف أن تقود إلى نتائج معاكسة، وتخلق بالتالي شروطاً أكثر ملاءمة لتفريخ حركات العنف الجديدة، وتوسيع دائرة عملها وانتشارها إذا لم تندرج منذ البداية ضمن خطة شاملة للتهدئة الإقليمية والوطنية والاجتماعية، أي لبسط الأمل والأمن وفتح آفاق اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية أمام جميع شعوب المنطقة وطبقاتها الاجتماعية وقطاعات رأيها العام السياسية والعقائدية. فلن تكون للحرب ضد "الإرهاب" أية نتيجة إيجابية، ولن تساهم في استتباب الأمن والسلام الأهلي والإقليمي والعالمي ما لم تتجاوز المفاهيم التقنية التي استبدت بها، وما لم تعمل على تغيير التربة التي يعشش فيها العنف وتشكل الحاضنة الحقيقية لكل بذور "الإرهاب". وهذه التربة ليست شيئاً آخر سوى الأزمة الشاملة التي قادت إليها سياسات الهيمنة، وتقاسم النفوذ الغربية والنزاعات المتعفنة والسلطات التعسفية والديكتاتوريات المقيتة والبليدة، والنظم الأبوية المتخلفة، وحالة التقهقر الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية.

وليس من المبالغة القول إن مصير المنطقة التي أصبحت مسرحاً لحرب عالمية تقودها الدول الصناعية الكبرى ضد "الإرهاب"، بتأييد أممي أم من دونه، يبدو اليوم، أكثر من أية حقبة سابقة، معلقاً على رؤية هذه الدول لواقع المنطقة وتصورها لدورها وموقعها في التحولات العالمية والمكانة التي تريد أن تعطيها لها في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية. هل ستظل كما كانت في السابق رهينة منطق تأمين الطاقة العالمية المضمونة والرخيصة وتنظيم سوق النفط من جهة ومنطق الفراغ الاستراتيجي الذي يشكل الحزام العازل الذي يحتاج إليه ضمان السلام والتقدم والازدهار في "أرض إسرائيل الكبرى" من جهة ثانية، أم سيكون مصيرها المشاركة، حسب إمكاناتها وموقعها، في النشاطات الدولية إلى جانب الدول الأخرى النامية وغير النامية، ويتطلب بالتالي تثمير مواردها البشرية والطبيعية وتأهيلها للاندماج النشط والمنتج في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية الدولية وتحمل المسؤوليات التي تقع على كاهلها في إطار بناء أية سياسة عالمية؟.

إذا كان الخيار الأول هو المقصود فلن تكون الحرب العالمية المعلنة والمخوضة اليوم على تراب العالم العربي ضد "الإرهاب" سوى مقدمة نحو محاصرة هذا العالم بصورة أشد، وتعزيز تهميشه وفرض الوصاية والحماية عليه، وتركه مسرحاً سائباً للنزاعات الإقليمية والوطنية التي تفتك بشعوبه وتشل إرادة مجتمعاته، وفي موازاة ذلك وبالارتباط بهذه الأهداف، تدعيم أنظمة القهر والاستبداد والعنف الأعمى التي لا يمكن من دونها ضمان مثل هذا التهميش وتلك السيطرة والوصاية الخارجيتين. أما إذا كان الخيار الثاني هو المقصود، فسيكون من الضروري تبني سياسات عقلانية وبناءة تعزز قدرة العالم العربي على الانتقال، كما حدث في أميركا اللاتينية منذ الثمانينيات من القرن الماضي، من سياسات السيطرة والعزل والتهميش وتمكين النظم الديكتاتورية نحو سياسات قائمة بالعكس على خلق الفرص الجديدة والآمال، أي في النهاية على السعي إلى دمج الشرق الأوسط بعالم عصره، وإخراجه من حالة اليأس التي تقوده إليها سياسات نخب ديكتاتورية محلية ومصالح عالمية قائمة على ضمان الاستقرار الشكلي من دون مراعاة لأية مبادئ سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ولأية معايير قانونية. وبقدر ما سيدفع الخيار الأول إلى تفاقم أزمة العالم العربي وتعميق إحباطاته سوف يزيد من احتمالات النمو المتجدد لحركات العنف و"الإرهاب" التي تصعب السيطرة عليها. وبالعكس، بقدر ما يؤدي الموقف الإيجابي إلى إخراج العالم العربي من أزمته التاريخية ويفتح آفاق التحولات الديمقراطية فيه، يعزز من احتمال نمو قيم الحرية والمساواة والعدالة والإنسانية ويهمش مجموعات "الإرهاب" ويعزلها ويجعل من نشاطاتها نشاطات غير منتجة وغير قادرة على تأمين أي تعاطف معها، أي يجفف الينابيع التي تستقي منها ويجعلها تذبل وتختفي من تلقاء نفسها.

وللأسف ليس هناك بعد ما يدل على أن سياسات الحصار والهيمنة والتسلط وتقاسم النفوذ قد تراجعت أو هي في طريق التراجع في الشرق الأوسط، ولا على أن الأمل يزداد بإمكانية السير في طريق التعاون الإيجابي مع العالم الصناعي للخروج من الأزمة. بالعكس، إن جميع الدلائل تشير إلى أن طريق الآلام لا يزال هو الطريق الوحيد المفتوح، مع ما نشهده من تكالب الدول الكبرى على تقاسم مناطق النفوذ والصفقات التجارية، وخطب ود النخب الحاكمة الفاسدة وما نعاينه من تفاقم العنصرية في العلاقات الاجتماعية، وتنامي الاعتقاد لدى الأوساط الرسمية والشعبية في عموم البلدان الصناعية بأطروحة وجود هوة ثقافية لا يمكن ردمها بين الإسلام والثقافة العصرية، وبأن الحرب بين عالم الإسلام وعالم الغرب حتمية، سواء أسميناها حضارية أم همجية.

باختصار، لا يمكن للعالم العربي أن يفلت من كماشة عقيدة الحرب الوقائية التي أصبحت منهجاً في التفكير الاستراتيجي الغربي، في أميركا وغيرها، بالرغم من المظاهر الشكلية واختلاف التفسير، ما لم ينجح العرب في إعادة طرح مسألة العنف على أسس مغايرة لتلك التي لا تزال مطروحة بها اليوم، أي ما لم يتطور الوعي عند الشرقيين والغربيين معاً بأن العنف ليس سمة ثقافية ولا حتمية تاريخية ولكنه ثمرة شروط مادية، أي يمكن تحليلها بالعقل وتغييرها أيضاً، يمكن لجميع الشعوب والمجتمعات أن تجد نفسها حبيستها وأن تسقط في شرك إرادة القوة الناجمة عنها. وبقدر ما ننجح في ترسيخ الاعتقاد بأن العزل والتهميش والإذلال والقتل ليست الوسيلة الأنجع لدرء العنف، وأن تنمية العالم العربي ودمقرطته هما بالعكس الطريق الوحيدة لإخراج هذا العالم من أزمته التاريخية وتمكينه من تمثل معايير القياس الكونية فنحن نساعد الرأي العام الغربي على تبني مقاربة أكثر عقلانية وندفعه إلى إعادة النظر في السياسات الدولية المدمرة تجاه المنطقة العربية.
http://www.wajhat.com/details.asp?i...ournal=12/08/04

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:44

محمود سامي البارودي
جابر عصفور الحياة 2004/12/8

محمود سامي البارودي (1839- 1904) واحد من الشخصيات الاستثنائية في تاريخ الشعر العربي الحديث. وهو لا يختلف عن غيره من الشخصيات الاستثنائية التي تقطع تواصلاً, وتؤسس تغيراً واعداً, واتجاهاً مغايراً, في علاقة جدلية بالتاريخ, فالشخصية الاستثنائية تأتي في لحظة متعينة من الزمن كأنها على موعد مع القدر, لحظة هي مفرق فصول, ومسافة واصلة وفاصلة بين نقائض: الموت والميلاد, الذبول والنماء, الخريف والربيع, الليل والنهار, الانحدار والنهضة, التقليد والابتكار. هذه اللحظة الزمنية تصنع الشخصية الاستثنائية التي تنطلق بإمكانات الدفع فيها, وذلك بالقدرالذي تسهم به الشخصية الاستثنائية في تفعيل طاقات الحياة المحتبسة في زمنها, فتصنع زمنها في التفاعل الذي يحيل مفرق الفصول إلى ابتداء جديد للفصول, مستبدلاً الميلاد بالموت, والنماء بالذبول, والربيع بالخريف, والنهار بالليل, والنهضة بالانحدار, والابتكار بالتقليد. ولا تفعل الشخصية ذلك إلا لأنها تنحاز إلى كل الإمكانات الموجبة الواعدة في زمنها النوعى, مهما صغرت أو قُمعت, أو كُبِحَتْ, فتدفعها وتندفع معها, بادئة أول المسار المختلف الذي يغدو استهلالاً متجدداً وتحقيقاً لحلم البعث.

وحياة البارودي وإنجازاته الشعرية بوجه خاص تحقيق لذلك وتأكيد له, فقد جاء في اللحظة التاريخية التي كانت تجمع بين نقائض الثبات والتحول, لكنها اللحظة التي كانت تغلب فيها عناصر الثبات, وتتمطى فيها عناصر التحول كالبذور الدفينة التي تشرئب إلى النور, في حركتها من باطن الأرض إلى الشمس, فمنح البذور الدفينة قوة العزم, وحرارة الاندفاع, والشوق إلى رؤى المستقبل الواعد بالشمس والنسيم, مؤسساً لعلاقة المخالفة والمنافسة التي وصلته بالشعراء العظام في تراثه, الشعراء الذين بدأ بهم ليمضي بعدهم, وعرف أسرار إبداعهم بالمحاكاة التي سرعان ما تحولت إلى معارضة فاتحة أبواب الاختلاف الذي يحقق الحضور, والحضور الذي ينتقل بالوجود من شروط الضرورة إلى أفق الحرية.

وكان من الضروري - والأمر كذلك - أن ينحاز البارودي إلى قوى التقدم ورموزه في عصره, ويبحث عن أشباهه من الذين اندفعوا بحركة النهضة في كل مجال فكانوا "زعماء الإصلاح" كما أطلق عليهم أحمد أمين (1886-1954) في كتابه الشهير الذي يحمل الاسم نفسه, أو دعاة التجديد ورواد التحديث: رموز النهضة وصانعيها في الإبداع (شعراً ورواية ومسرحاً) والفكر (مدنياً ودينياً) والمجتمع والسياسة. هكذا, انحاز البارودي العسكري, ذو الأصل غير المصري (وغير العربي) إلى العسكر المصريين في نزوعهم الوطني, وسعيهم المناقض للاستبداد والظلم والتمييز العرقي, كما انحاز إلى دعاة العقل من مفكري عصره الذين أعادوا فتح أبواب الاجتهاد, مؤسسين استنارة الزمن المقبل, وأعان بشعره على نشر أفكار طليعة المجتمع المدني الذي لا يعرف التمييز الغليظ بين فئاته وطبقاته وطوائفه, جنباً إلى جنب الدولة المدنية التي تعرف الدستور والبرلمان. وكان أولاً في مجال التجديد الشعري كما كان أقرانه أوائل في استحداث فن الرواية وفن المسرح في اللحظة الزمنية نفسها للنهضة التي صنعها كل واحد في مجاله.

وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص, قلنا إن محمود سامي البارودي الذي توفي منذ مئة عام كان بشير النهضة الإبداعية التي منحت الشعر العربي من حيوية التجدد ونضارة الإبداع ما أعاد للشعر العربي عافيته, وانطلق به في أفق من التغير الواعد, الذي أعاد للشعر علاقة الندية بالتراث الزاهر, وعلاقة التفاعل مع الحياة والأحياء, وعلاقة الإبداع مع الآداب المجاورة والمقاربة. وكانت البداية هي الإيمان بقيمة الشعر التي لا يمكن اختزالها في الاحتراف, أو السعي وراء الأمراء, والتي تمتد لتشمل الوجود وما بعد الوجود, واصلة ما بين الثرى والثريا, مقترنة بالإنسان الذي يصنع مستقبله مستهديا بالعقل الذي هو ميزان الرؤية, والخيال الذي هو مركبة الإبداع, والحرية التي يجاوز بها العقل والخيال شروط الضرورة وقيود التقليد. وأصل الحركة في ذلك كله هو الإحساس بالمكان الذي ينطلق منه الشعر ليعود إليه في الزمان الذي يتعامد على المكان في حركته التي تدفع الشعر وتندفع برؤاه. ولذلك ظل الشاعر - عند البارودي - في المرتبة الأسمى بالقياس إلى السلطان, أو من في حكمه, فالشاعر هو صاحب الرؤية التي تصنع المستقبل وتدل عليه, وهو الرائي الذي يرى ما لا يراه غيره, و:

له البَلْجةُ الغراء يسري شعاعُها/ إذا غام أفُق الفهم, والتبس الأمر

والشعر هو إبداع الشاعر الذي يبقى بعد فناء الجسد, ليظل كالنور المتنقل بين الأزمنة:

تبلى العظامُ, ويبقى ذكره أبداً/ في كل عصرِ له سَجْعٌ وترنام

هذا الإيمان بقيمة الشعر - بكل ما ينطوي عليه الإيمان من إعلاء لدور الشاعر في الحياة - هو الأصل في علاقة البارودي بأسلافه. وهي علاقة جمعت بين السلب الذي هو تكرار الماضي بحكم الضرورة, ومن منطلق مبدأ الواقع, والإيجاب الذي هو إضافةٌ في أفق الحرية, ومن منطلق مبدأ الرغبة. ولقد كان البارودي واعياً بأهمية الإضافة, والبدء من حيث انتهى السابقون, والاختلاف عنهم بما يؤسس حضوره المستقل واستهلاله المغوي. ولذلك مضى في الطريق الذي وصله بنا في عصرنا, ووصلنا به في عصره, فأصبح حياً بيننا بعد مئة عام من وفاته. ولم يبقه حياً إلا وعيه بأهمية المخالفة, لا على سبيل الإضافة الكمية, وإنما على سبيل الإضافة الكيفية التي تغير المسار, وتنقض الاتِّباع والتقليد, مجسِّدة شروط الزمن الواعد وأفق وعيه المختلف. ولا أزال إلى اليوم أذكر مطلع قصيدته: بقوة العلم تقوى شَوكةُ الأممِ/ فالحُكْم في الدهر منسوبٌ الى القلم /كم بين ما تلفظُ الأسياف من علـــق/ وبين ما تنفث الأقلام من حِكَمِ. وهو مطلع يعارض قصيدة أبي تمام الشهيرة: السيفُ أصدق إنباءً من الكتب/ في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب / بيضُ الصفائح لا سود الصحائف/ في متونهن جلاءُ الشكِّ والريب

ولا تهدف المعارضة في هذا المثال إلى استعادة الرؤية القديمة لأبي تمام, والإعلاء من شأن السيف على القلم, وإنما نقض الرؤية القديمة, والاختلاف عنها, والإعلاء من شأن القلم على السيف, فالقلم قرين الإبداع وعلامة الفكر, وكلاهما السبيل إلى التقدم الذي لا نهاية له أو حَدّ. ولذلك كان الشاعر المبدع كالمفكر أو العالم أهم من الحاكم أو السلطان, وأعلى قدراً من القوة المادية التي يمكن أن تكون غاشمة أو عمياء, فإبداع الشعر مثل إبداع القلوب والعقول - في العلم - هو قوة الحركة الدائمة في الأمم, وعلامة مجدها, والتعبير الأزلي عما تقرأه هذه الأمم الناهضة في كتاب الكون الذي يظل في حاجة إلى الكشف. وقد انحاز البارودي الذي جعلوه "رب السيف والقلم" إلى القلم نهائياً, بخاصة بعد أن رأى ما فعلته القوة الغاشمة للخديو توفيق, والقوة الغاشمة للإنكليز الذين احتلوا وطنه بالسلاح العاري من الحق, والقوة الباطشة التي نفت البارودي مع أقرانه الثوَّار عن وطنه. وكان من نتيجة ذلك إدراك أولوية ما يرمز إليه "القلم" بصفته القوة العاقلة ورؤى المستقبل العادل الواعد. ولم ينفصل عن ذلك تحول بعض معاني الشعر لتقترن بنموذج الباحث عن دلالات كتاب الكون في الطبيعة والكائنات, يتأمل فيها, وينطق عجائبها, كما لو كان يقول لقارئه:

رموز لو استطلعتَ مكنون سرها/ لأبصرتَ مجموع الخلائق في سطر

وقد ظل هذا التأمل في الطبيعة والكائنات قرين إحساس روحي عميق في شعر البارودي, يقترب بالتدين من التصوف, خصوصاً حين يصفو العقل, وتنداح الحجب عن الروح, فتتحول الرؤية إلى رؤيا, فتغدو الأبياتُ "أزاهيرَ علم", و"معاريض" أقفال لرموز لم تفتح إلا للقلوب الصافية, وبصيرة الشاعر الذي يمشي على قدم الخضر, كأنه الباحث الأبدي عن المعنى حين يغيب المعنى, والرائي الذي يرى ما لا يُرَى من علاقات بين الأشياء, أو بين الأشياء والكائنات, أو بين عناصر الكون التي تتجاوب في خياله, فلا يملك سوى أن يقول:

وكيف؟! وإن أوتيتُ في النظم قدرةً/ أضمُّ شتات الكون في بعض أحرفِ؟!

ولا شيء يكافئ هذا الوعيَ المرهفَ بالكون سوى ذات مرهفةٍ كالنصل, لا يغيب شعورها بحضورها الفاعل والمتميز, في التاريخ وبالتاريخ, وذلك إلى الدرجة التي تتعدد معها تجليات هذه الذات في تحولاتها, أعني التحولات التي تبدأ من الصبا, وتمضي إلى آخر أيام العمر, خصوصاً حين تتراكم المعارف ويكتهل الشاعر الحكيم الذي ناوش الأيام وناوشته أحداثها الجسام, فأدرك المعنى والمغزى من تراجيديات الصراع الإنساني.

وقد كانت هذه الذاتية العالية - في بدايتها - قرينة شخصية الفارس الجسور - في شعر البارودي - الذي خاض المعارك, ووصف ميادين القتال, مؤكدة شجاعته التي اقترنت برهافة العين الشاعرة في التسجيل البصرى لكل شيء, ابتداء من تأكيد ملامح المكان - الوطن, وخصوصية طبيعته ومشاهده التي تجمع ما بين "الجيزة الفيحاء" و"روضة النيل", مروراً بذلك الكرى الذي أخذ بمعاقد الأجفان, وانتهاء بالمنفى سرنديب الذي احتوى ذكرى صور الوطن, في علاقة الضد يظهر حسنه الضد.

وقد كانت هذه الذاتية العالية قرينة الثورة على ظلم الحكام, والمطالبة بالعدل, والدعوى إلى الشورى, والخروج على الحاكم الظالم حين يجور. وهو المسعى الذي انتهى إلى الانكسار نتيجة الخيانة والتحالف بين الخديو المستبد - توفيق - والجيش البريطاني. وعلى رغم الانكسار, ظلت هذه الذاتية عالية, لا يعتذر صاحبها عن اشتراكه في الثورة على الخديو, مؤمناً بسلامة موقفه, يردّ على من اتهموه مدافعاً عن نفسه, وعن رفاقه في الثورة العرابية بقوله: يقول أناس إنني ثُرتُ خالعاً/ وتلك هناتٌ لم تكن من خلائقي / ولكنني ناديتُ بالعدل طالباً/ رضا الله, واستنهضتُ أهل الحقائق / أمرتُ بمعروف وأنكرت منكراً/ وذلك حُكمٌ في رقاب الخلائق / وإن كان عصياناً قيامي فإنني/ أردت بعصياني إطاعة خالقي / وهل دعوةُ الشورى عليّ غضاضةٌ/ وفيها لمن يبغي الهدى كلَّ فارق / بلى! إنها فرضٌ من الله واجبٌ/ على كلِّ حيٍ من مَسُوقٍ وسائقِ

وقد كانت هذه الذاتية العالية الدرعَ الذي احتمى به البارودي في سنوات المنفى التي تطاولت, ووصلت إلى ثمانية عشر عاماً من الغربة والاغتراب والبعد عن الأحباب, في بلاد أجنبية, وصحبة سرعان ما دبّ بينها الشقاقُ وأمراضُ الهزائم والانكسارات. لكن الألم يصقل النفوس القوية كالمعدن الذي تزيده النار صلابة وقوة. ولقد استقطر البارودي من ألمه شعره الذي كان التأسيس الأول - في العصر الحديث - لقصيدة المنفى, تلك القصيدة التي كتبها بروح لا تزال تسري في الأسطر إلى اليوم, فتزيدنا قرباً منه, خصوصاً عندما نضع في اعتبارنا أن المنافي لا تزال ممتدة في عالمنا, موصولة بدوافعها ولوازمها التي بدأت من شعر البارودي, وظلت تجاوباتها قريبة من دلالة قوله: واطـولَ شـوقـي إلـيك يا وطنُ/ وإن عرتني بحبكَ المحن / أنت المنى... والحديثُ إن أقبل الصُّـ/ ـبحُ, وهمّي إن رنَّقَ الوسنُ / فكيف أنساك بالمغـيبِ ولي/ فـيك فــؤادٌ بالود مرتَهنُ؟!

ولقد كانت هذه الذاتيةُ العالية وراء الحكيم الذي استعان بالعقل ليواجه عبث الدهر, وخيانة الزمان, مفلسفاً انكسار ثورته بردّها إلى قوانين الوجود الذي ينوس ما بين النور والظلمة, الميلاد والموت, النماء والذبول, الشروق والغروب, كأنه الدائرة التي لا تتوقف عن الحركة, أو الفلك الدوار الذي لا يبقى على حال, أو الدولاب الذي يرتفع صاعداً بالبشر ليعود هابطاً بهم, ليعود من جديد صاعداً, مؤكداً الطبيعة اللانهائية بين نقائضها - أعني الحركة التي وصفها بقوله:

تغيب الشمسُ, ثم تعود فينا/ وتذوي, ثم تخضرُّ البقول /طبائعُ لا تغبُّ مرددات/ كما تعرى وتشتملُ الحقول.

وإذا كان السقوط والانكسار والهزيمة لازمة من لوازم هذه الحركة, فالصعود والانتصار والنهضة لازمة أخرى لا بد منأن تأتي, فبعد الليل النهار, والخصب يتبع الجدب, والأنجم تغيبُ إلى ميقاتها ثم تشرق:فلا تبتئس من محنةٍ ساقها القضا/ إليك, فكم بؤسٍ تلاه نعيمُ / وقد تورق الأشجار بعد ذبولها/ ويخضرُّ ساقُ النّبتِ وهو هشيمُ

وقد أورقت أشجار البارودي بعد موته, وذهب الخديو توفيق والاستعمار البريطاني وبقي شعره غنياً بحضوره الذي غاص في زمنه إلى أن وصل إلى القاسم المشترك الذي يصله بزمننا. وها نحن - اليوم - نقرأ شعره الوصفي في الطبيعة فنشعر بحيوية المنظور التي تضعنا في قلب المشهد, وتجعلنا لا نبدأ من نجد أو وادي الغضا بل من مراعي صبا البارودي ما بين الجيزة والقاهرة, وتدفعنا إلى مواصلة رحلة الكشف - في رموز الأهرام وأبي الهول - عن كل ما يظل في حاجة إلى الكشف. ونقرأ هجومه على الظلم ودعوته إلى الشورى الحقيقية وضرورة إقامة العدل المقترن بالحرية فنشعر أنه ينادي بما ننادي به في هذه الأيام, ويعاني ما تعانيه أقطار عربية عدة, فنصرخ معه قائلين: وكيف يصلحُ أمر الناس في بلد/ حكّامُه لبنات اللهو خُدَّام؟!

ونقرأ مراثيه للأحباب الذين فقدهم وهو بعيد عنهم, فيتجدد شعورنا بالتوحد الإنساني, وتتجاوب في جوانحنا أشجان المنفيين الذين لا يزالون خارج الأوطان, وأحزان المنفيين داخل أوطانهم, فنعرف معنى قوله الموجع: وفقدُ الخلِّ في غربةٍ: حَبْسُ. وأخيراً, نقرأ ما كتبه في تجاربه الروحية فتصفو أرواحنا, كما تصفو أذواقنا عندما نقرأ ما كتبه عن الشعر الذي جعله مرادفاً لقوة الخلق التي تتجدد بها الحياة على الدوام, والتي تجعل من الشاعر - إذا عرف سرها - متوهجاً بنار الوصل التي تلامس أفئدتنا بعد مئة عام من وفاته في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1904.


http://www.daralhayat.com/culture/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:45

نوال السعداوي في "الرواية": شخصيات تبحث عن الحب والحرية وأشياء أخرى
القاهرة - أمل الجمل الحياة 2004/12/8

تختلف رواية نوال السعداوي الجديدة في الأسلوب الفني عن أعمالها السابقة, هي رواية درامية تشكيلية من نوع خاص, لا تعتمد على التسلسل المنطقي أو التدفق الطبيعي لأنها لا تقوم على الأحداث بل على تيار الشعور أي على الأفكار التي تطوف برأس الأبطال, تهتم بالوصف والحركة الخارجية للأماكن والشخصيات, تعتمد على التحليل والغوص في أعماق النفس, الى جانب التميز الواضح للبناء الفني في هذه الرواية والذي ربما كان من أنضج أعمال الكاتبة فنياً... ظهرت شخصياتها النسائية تحمل بعضاً من الضعف الانساني الذي لا تخلو منه الحـياة.

الرواية خالية من الأحداث العظيمة بالمعنى المعتاد, هي رواية غارقة في حياة ومشاعر أفراد يبحثون عن الحب المستحيل, لكن الكاتبة استطاعت الاحتفاظ بالقارئ من طريق الحبكة.

فالمؤلفة تستحضر أبطال روايتها داخل رواية احدى البطلات - هي فتاة شابة فاقدة الهوية - ويتحقق كسر مفهوم وحدة الشخصية, ويلتبس على القارئ تحديد الشخصية هل هي الشخصية الحقيقية - في رواية المؤلفة - أم أنها شخصية من رواية البطلة الشابة, أم من رواية كاتبة ثالثة هي كارمن احدى بطلات الرواية, ويصيب القارئ عدم اليقين تجاه بعض أحداث وشخــوص الرواية, مــثلما هو الحال في كثير من أمور الحياة التي لا نصل الى حقيقتها, لا تكتفي الكاتــبة بالشك على مستوى الشخصيات ولكنها تتجاوزه الى خلط الأزمنة والأمكنة مما يؤدي الى توليد دلالة عامة بالخلط والفوضى.

الشخصيات الرئيسية في الرواية هي:

1- كارمن: عاشقة لكتابة الرواية, لم تجد في زوجها رستم مواصفات فتى أحلامها, فانشغلت عنه بالبحث عن رجل آخر لا تكاد تعرفه, رجل يسكن فقط خيالها الروائي.

2- رستم : كاتب روائي في منتصف الخمسين من عمره, يعمل في مؤسسة صحافية كبرى, أحد أعضاء مجلس الشعب, علاقاته النسائية متعددة.

3- سميح: صاحب دار نشر ورثها عن أبيه, تفرغ لها وجعلها مركز اشعاع للأدب والفن, وتخلى عن حلمه في أن يكون روائياً.

4- جمالات: صحافية متوسطة العمر, في الستينات كانت اشتراكية ثم أصبحت من الداعين الى الانفتاح والاسلام, تجمع في شخصيتها كثيراً من التناقضات.

5- مريم الشاعرة: الشعر هو ما يحدد هويتها.

انها تبحر في عالم الأدباء المتناقض والمشحون بالسحر والغموض والهموم, تغزو المناطق المجهولة والمتفجرة فيه, تكشف سطوته وضعفه, عشق الكتابة الى حد الهوس, مرارة عجز القلم في بعض الأحيان وما يتبعه من احساس باليأس سرعان ما تمحوه الرغبة المتوقدة لخلق ابداع جديد. تقول المؤلفة على لسان احدى بطلاتها: "لا يمكن لجروحنا أن تلتئم الا بالكتابة, لا شيء يهزم الجنون أو الموت الا الكتابة".

تمتد الخطوط في "الرواية" (دار الهلال طبعة أولى, ودار الآداب طبعة أخرى) لتصل بين النقاط المتناثرة لتتقاطع وتتكامل, وتضع خريطة لأبطالها. فبينما تنتمي جمالات الى الوسط, يتأرجح رستم بين اليسار واليمين, يتنقل سميح ما بين المعارضة والحكومة, تقف كارمن على الحياد, تقول الفن للفن وليس للسياسة, أما مريم الشاعرة فتنشد قصيدة بعنوان "عصر الهزيمة والنفاق". نوال السعداوي من رائدات توظيف الأدب لخدمة الحركة النسوية. "كارمن" زوجة رستم تحب زوجها, لكن يسيطر عليها عشق آخر هو كتابة رواية جديدة, كانت الرواية عندها أهم من الرجل,"كانت... تتطلع نحو الكتابة بشهوة تفوق كل الشهوات" الفتاة مجهولة الهوية - صاحبة الرواية - شاركت كارمن عشق الكتابة. يصفها رستم في أحد مشاهد الرواية قائلاً:

"أنت وكارمن نقيضان, لا شيء يجمعكما إلا جنون الكتابة, لا يتسع فراش الواحدة منكما لرجل أو نصف رجل, فالمساحة كلها مشغولة بأوراق الرواية, والأقلام المقصوفة والدموع الجافة, تحتضن كل واحدة منكما روايتها وهي نائمة كأنها رجل تعشقه".

وهي تستخدم الموروث الشعبي والعقائد التقليدية والأعراف السائدة لا لتكرسها, بل لتسخر منها وتكشف زيفها, مثلما فعلت في رواية "سقوط الامام"... فيها تختار شخصية الامام الحاكم بكل ما يكتنفها من رياء وخداع وظلم, وتضعه في مواجهة ابنته البريئة التي تمثل الحقيقة, تجعلنا الكاتبة نفحص الأشياء, ولتحقيق هدفها لجأت إلى تشكيل درامي تتسق وطبيعة مادتها من ناحية, وتجسد رؤيتها التحليلية من ناحية أخرى, كما تصل الماضي بالحاضر, وان وصلت الى تلك النتيجة في أحدث أعمالها "الرواية" لكن بأسلوب مختلف. رواية "سقوط الامام" يغلب عليها الطابع الأسطوري, بينما تتميز "الرواية" بالمزج بين الأسلوب الواقعي والتعبيري.

السعداوي ترى الأشياء في ضوء علاقتها ببعضها, فيلتحم عندها الطب بالأدب, والأحداث العامة تذوب في الأحداث الخاصة, عندها لا يمكن الفصل بين حياتها الخاصة وحياتها العامة, في سياق ينساب تلقائياً. كما نرى النساء أحياناً في روايتها الجديدة أشبه بمزيج من الضحية والمتهم, مثل شخصية جمالات التي كانت ضحية نزوات أبيها وزوجها, لكنها سرعان ما تحولت الى أداة قهر لفلذة كبدها غير الشرعية, وشخصية سوزي الحبيبة الأولى لسميح, التي جمعت بين القوة الى حد التنمر, وبين الضعف والهزيمة.

وترسم المؤلفة في "الرواية" شخصيات مختلفة سواء من النساء أو الرجال. "سميح يختلف عن الفتاة... هو أنيق الشكل والملبس, هي لا تنظر للمرآة, تعيش القلق وعدم الاستقرار, يتمتع هو بالهدوء والراحة... كان رستم أقرب الى فتى أحلامها, جذبها الى رستم ضعفه, تناقضه, تخبطه, تردده, لم يكن مثل سميح قادراً على اخفاء حقيقته...".

تنجب الفتاة الشابة طفلة اسمها "نورية" لا تعلم على وجه اليقين من هو أبوها, فليس هذا هو المهم, تمنحها الفتاة اسمها مثلما يفعلون في أسبانيا حيث يسمون الأطفال بأسماء أمهاتهم... تجعل الأديبة من هذه "النورية" الحلم أو الضوء الذي ينير حياة أبطال الرواية... نسمع كارمن تقول في الرواية:

"هي طفلتنا نحن الثلاثة أنت الأم الأصلية, وأنا الأم الفرعية, ورستم الأب الأصلي, وان شئت يمكن إضافة سميح... هذه الطفلة محظوظة لها أمان وأبوان". "يولاندا" هي الآخرى تصر على أن "نورية" حفيدتها من ابنها فرانسيسك. الجميع يتشبث بالطفلة وكأنها الحلم المفقود, الهوية الجديدة للانسان. "جاءت نورية على رغم أنف الدنيا وضد ارادة الجميع مثل شعاع الشمس لا تقدر القوى النووية على منعه...".

اهتمت الروائية بالشخصيات الثانوية, فمثلاً شخصية "محمد" الغرسون خريج كلية الآداب والحاصل على الماجستير في الأدب العربي المعاصر لم يجد عملاً في تخصصه, مزق شهادته الجامعية, وألقى بها في سلة القمامة.. تفرد له الكاتبة مساحة من الوصف المؤلم, كأنما تضع يدها على الجرح وتضغط...

أثارت المؤلفة عدداً من المتناقضات المتبادلة التي طبعت العلاقات المشّكلة للرواية, المتعلقة بفكرة محورية هي "الحب المستحيل" والتي تحققت عبر:

كارمن ورستم - الفتاة وسميح - الفتاة ورستم - الفتاة وفرانسيسك, من خلال هذه الثنائيات قامت بتشكيل بطولة مزدوجة. فكارمن والفتاة تشكلان معاً وجهين لعملة واحدة, كذلك رستم وكارمن يجمعان بين التناقض والتمزق, يحاول كل منهما أن يمتص الآخر داخل مشروعه, وهذا يتحقق أيضاً مع كل من سميح والفتاة, وجمالات والفتاة... كانت جمالات نقيض المرأة المبدعة على المستوى المادي والمعنوي, كان رستم وجهها الآخر الذي يصف نفسه قـائلاً:

"أنا غير مخلوق للكتابة... أنا في الحقيقة غير موهوب... عملوني كاتب كبير بالوراثة... بالواسطة... بالفلوس... وحفلات العشاء والخمرة والنسوان...".

تحقق التناقض أيضاً على مستوى الأحلام بين عالم النساء والرجال. تمكنت معظم بطلات الرواية من تحويل أحلامهن الى واقع, بينما فشل الرجال. سميح شغلته أعمال الطباعة والنشر عن حلم حياته في أن يكون روائياً, عمله كان السلسلة الحديد التي تربطه بالماضي, لكنه استسلم. فرانسيسك كانت أحلامه ذكورية مريضة, يري نفسه فناناً مشهوراً مثل سلفادور دالي, يصبح من الأثرياء, تتهافت عليه النساء.

تنتهي الرواية بموت الزوجة بعد أن أتمت روايتها, وانتحار الزوج, وموت جمالات, ورحيل سميح في مشهد أقرب للموت, ولا ندري شيئاً عن مريم الشاعرة, كما أن الطفلة "نورية" لا تتحقق عودتها. لا يمكن الجزم اذا كانت أعمال الكاتبة تنتمي الى الرواية أم الشعر أم النثر أو السيرة الذاتية, أو أي شيء آخر من الأجناس الأدبية المعروفة... وربما لا يحق لنا أن نصر على تصنيف ابداعها وتحــديده بإطار.
http://www.daralhayat.com/culture/f....txt/story.html

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:47

التحديات التي تواجه أوروبا كما يراها لوران فابيوس
جورج طرابيشي الحياة 2004/12/5

"هل أجرؤ أن أقول إنني قد كوّنت, طيلة أمد حياتي, فكرة ما عن أوروبا, مستوحياً إياها من عقلي وعاطفتي معاً؟".

بهذه العبارة يبدأ لوران فابيوس, الزعيم الاشتراكي الفرنسي والرئيس السابق للحكومة في عهد الرئيس ميتران, كتابه عن أوروبا, أو بالأحرى مساهمته الشخصية في السجال الدائر حالياً حول مشروع دستور الاتحاد الأوروبي. فهل يلبي مشروع الدستور هذا التحديات الكبرى الثلاثة التي تواجهها أوروبا:

1 - تحدي العدد: إذ كيف السبيل الى بناء منظومة أوروبية من 25 بلداً, وقريباً من 30 بلداً أو حتى أكثر؟

2 - تحدي القوى: فكيف السبيل, في مواجهة الولايات المتحدة والصين والهند والدول/ القارات, الى تكوين اتحاد أوروبي يتمتع بعناصر القوة الثلاثة: حكومة اقتصادية وديبلوماسية موحدة ودفاع مشترك؟

3 - تحدي التضامن: فكيف السبيل الى وضع الاتحاد الأوروبي على سكة العمالة المنتجة والتآزر الاجتماعي والثقافة والبحث العلمي والابتكار والتنمية المستدامة؟ وبكلمة واحدة: كيف السبيل الى التقدم نحو المزيد من أوروبا ونحو أوروبا أفضل؟

في اعتقاد لوران فابيوس ان مشروع الدستور الأوروبي, الذي يفترض به أن يغدو ساري المفعول عام 2009, لا يلبي هذه التحديات الثلاثة.

أولاً على صعيد العدد. فالمشروع إذ يعتمد مبدأ الاجماع في آلية اتخاذ القرار, لا يشل هذه الآلية فحسب, بل يؤسس نفسه أيضاً في نص مطلق, أشبه ما يكون بالنص المقدس, وبالتالي غير قابل للتعديل أو للتجديد, ولا حتى للتطبيق أصلاً ما دام يتألف من 448 مادة, و36 بروتوكولاً, وملحقين, و50 بياناً. فمرونة الدستور هي شرط أول لقابليته للحياة, ولقابليته للتطبيق, ولقابليته للتطوير. وفي الديموقراطية لا يجوز أن يوجد شيء - باستثناء الآلية الديموقراطية نفسها - لا يمكن الرجوع عنه. وكل دستور, ما لم يدع لنفسه حق إلزام الأجيال القادمة, مفترض فيه أن يكون قابلاً للتعديل والتصحيح وإعادة النظر.

والدستور القابل لإعادة النظر ليس هو فقط ذاك الذي ينصّ على آليات قانونية لإعادة النظر فيه, بل هو أيضاً ذاك الذي يجعل هذه الآليات قابلة للاشتغال الفعلي. والحال ان مشروع الدستور الأوروبي, إذ يقيّد نفسه بقاعدة الاجماع, يشل سلفاً كل آلية لإعادة النظر فيه. ولكن إذ يفترض بالدستور ألا يكون عادم المرونة الى حد التجميد, فإنه لا يفترض فيه في المقابل أن يكون مفرطاً في المرونة الى حد فقدان القدرة على الاستقرار في الزمن. ومن ثم, وحتى يبقى الدستور مجدداً ومستقراً في الزمن في آن معاً, لا بد من الغاء مبدأ الاجماع والاستعاضة عنه بمبدأ الغالبية: ولكن ليس الغالبية البسيطة, بل الغالبية المعززة. وعلى هذا النحو يقترح لوران فابيوس تعديل آلية إعادة النظر في الدستور الأوروبي بحيث تربط بغالبية أربعة أخماس المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي, وبمصادقة ثلثي البرلمان الأوروبي, وبموافقة أربعة أخماس الدول الأعضاء على ألا يقل تعداد سكانها مجتمعة عن نصف سكان الاتحاد الأوروبي البالغ تعدادهم الانتخابي اليوم 350873420 ناخباً مسجلاً.

وثانياً من منظور بناء القوة: فالاتحاد الأوروبي, المؤلف اليوم من 25 دولة تحتل مكانها جميعاً, على ما بينها من تفاوت, في خانة الدول المتقدمة اقتصادياً, مؤهل لأن يشكل قوة عظمى. بل انه سيكون القوة العظمى الوحيدة في العالم المكافئة للقوة الأميركية. والحال ان هذا العملاق الاقتصادي يحكم عليه مشروع الدستور الاوروبي سلفاً بأن يبقى قزماً عسكرياً. ذلك ان هذا المشروع يتجاهل مفهوم "الدفاع الأوروبي" بقدر انه يضع الدفاع الجماعي عن الاتحاد تحت وصاية الحلف الأطلسي, ويرهنه بالتالي بـ"الارادة الطيبة" للولايات المتحدة. وهذا في زمن أدارت فيه الادارة الأميركية, في عهد الرئيس جورج بوش الابن, ظهرها أكثر من أي وقت مضى للشراكة التعددية وجمحت جموحاً خطيراً في سياستها الاحادية الجانب وفاقمت من مظاهر انعدام التوازن في العلاقات الدولية. والواقع ان افتقار أوروبا الى دفاع جماعي سهّل انقسامها - بدلاً من اتحادها - الى أوروبا اطلسية وأوروبا قارية, وقد أخذ هذا الانقسام أكثر أشكاله خطورة مع الحرب الأميركية في العراق حيث قدم الأوروبيون مشهداً لا يُحسدون عليه لقارة منقسمة على نفسها وفاقدة لوحدة الارادة السياسية الى حد مثير للسخرية.

وثالثاً على صعيد الهوية والتضامن الأوروبيين. فأوروبا غير مرشحة, بموجب مشروع الدستور الأوروبي, لأن تكون أكثر من سوبرماركت كبيرة أو منطقة اقليمية كبرى للتبادل الحر, لا تعرف شكلاً آخر للتضامن سوى القاعدة الأميركية القائلة: "السوق للجميع, والجميع للسوق". ولئن كان مشروع الدستور الأوروبي يكرس عسكرياً "أوروبا أطلسية", فإن لوران فابيوس لا يتردد في أن يضيف, بمنتهى السخط, ان مشروع الدستور إياه يكرس اقتصادياً "أوروبا انكليزية", بل "أوروبا تاتشرية". فالميكانيكا الاقتصادية الوحيدة التي يعترف بها مشروع الدستور هي تلك التي تطلق حرية المنافسة وتقيد مبادهات الدول وتلجم السياسات الارادية. وبالفعل, يلاحظ مؤلف "فكرة ما عن أوروبا" ان مشروع الدستور الأوروبي قد استخدم كلمة "السوق" 78 مرة, وكلمة "المنافسة" 27 مرة, لكنه لم يذكر تعبير "التقدم الاجتماعي" سوى 3 مرات, وتعبير "اقتصاد السوق الاجتماعي" سوى مرة واحدة يتيمة.

ان الغائب الكبير عن المشروع هو النموذج الأوروبي ذاته مقابل حضور ملموس للنموذج الأميركي الذي فرض نفسه بوساطة بريطانية: أي "الحرية بلا تضامن". وهذا التغييب لـ"أوروبا الاجتماعية" هو ما يحمل الزعيم الاشتراكي الفرنسي على توجيه الخطاب مباشرة الى صنوه الزعيم العمالي الانكليزي توني بلير: "بصراحة يا توني, اذا لم نكن, نحن الاشتراكيين, مهندسي أوروبا الاجتماعية ومحاميها, فما دورنا إذاً".

أوروبا الاجتماعية من منظور لوران فابيوس هي أوروبا المتضامنة, لا أوروبا المتنافسة. والمنافسة لا تصح أصلاً إلا بين عدلاء ومتساوين. والحال ان أوروبا المتحدة غير متساوية فدخل الفرد الانكليزي أو الفرنسي أو الألماني يزن بضعفين على دخل الفرد البرتغالي أو السلوفيني, وبثلاثة أضعاف أو أربعة على دخل الفرد التشيكي أو الهنغاري, وبعشرة أضعاف أو حتى خمسة عشر ضعفاً على دخل الفرد في بلغاريا ورومانيا المرشحتين لاكتساب عضوية الاتحاد الأوروبي قريباً. وهذا معناه أن أول ما تحتاجه أوروبا لكي تكون متضامنة فعلاً هو نوع من مشروع مارشال جديد يأخذ بيد الدول الداخلة حديثاً الى الاتحاد أو المرشحة للدخول اليه لتكون قادرة فعلاً على تطبيق سياسة موحدة. والحال ان مشروع الدستور الأوروبي, بانتصاره لمبدأ المنافسة المطلقة, قد غسل يديه سلفاً من كل سياسة ارادية تضمن للمتنافسين حداً أدنى من المساواة. وهذه السياسة الارادية كان ينبغي أن تتجلى على صعيد السياسة الضريبية. فمشروع الدستور لا يلزم الأعضاء بانتهاج سياسة ضريبية موحدة, مما يخل أيضاً بالمساواة في المنافسة. فإيرلندا واستونيا مثلاً قد اتبعتا سياسة الاعفاء الضريبي تجاه الشركات مما أحدث حركة ترحيل للرساميل الأوروبية باتجاههما. والحال ان مثل هذه "المنافسة الضريبية غير الشريفة" ليس من شأنها أن تخلّ بمبدأ التضامن الأوروبي فحسب, بل قد تؤدي أيضاً الى قتل فكرة الوحدة الأوروبية بالذات.

نقطة أخيرة يتوقف عندها لوران فابيوس في مرافعته هذه ضد مشروع الدستور الأوروبي: كثرة مواد هذا الدستور وكثرة النصوص الملحقة به. فالدستور لا يُمتلك من قبل المواطن إلا اذا كان, نظير الدستور الأميركي, واضحاً ومختصراً في مواده. وامتلاك المواطن لمواد الدستور هو شرط لما سماه الفيلسوف الألماني هابرماس بـ"الوطنية الدستورية", أي شعور الفرد بانتمائه الى جماعة مدنية مؤسسة على المشاركة في القيم الأساسية. والحال ان دستوراً من 448 مادة ليس من شأنه توليد وطنية دستورية أوروبية
http://www.daralhayat.com/culture/b....txt/story.html

ابن الشاطيء 08-12-2004 14:48

د. أحمد القديدي
.. وحينما قال القرضاوي: إقرار الحريات مقدم على تطبيق الشريعة
تاريخ النشر: الأربعاء 8 ديسمبر 2004, تمام الساعة 01:35 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة


أعجب كيف مرت هذه الكلمة الحكيمة التي نطق بها العلامة الصديق الشيخ يوسف القرضاوي منذ أيام قليلة في البرنامج التلفزيوني الذي يعده ويقدمه السيد غسان بن جدو بقناة الجزيرة، كيف مرت مرور الكرام، ولم يعلق عليها لا الفقهاء ولا المفكرون المسلمون؟! ولم تأخذ حظها من الحوار الثري الدائر في عالمنا العربي؟ أعجب من هذا الصمم التقليدي الذي يجعلنا لا نعير اهتماما للأفكار الحية الجريئة التي تحرك العالم وتطور المجتمعات وتنير الطرقات، خصوصاً وأن ما قاله الشيخ الدكتور يوسف يعتبر مرجعا فكريا للأمة الإسلامية ومنارة حضارية لنهضتها من كبوة التخلف والتبعية والفتنة.
في لقاء تلفزيوني مباشر وغير متوازن مع داعية أمريكي للسياسات الإسرائيلية كان يتكلم بلسان المحافظين الجدد بدون اطلاع معمق وضروري على خلفيات صراع الشرق الأوسط، أعاد الشيخ بهدوء العلماء وحكمة الوسطيين للأذهان ما كان أعلنه في مؤتمر العلماء المسلمين المنعقد في الاتحاد الأوروبي، حين صدع برأي غاية في الأهمية، يعتبر ثورة حقيقية في الفكر الإسلامي المستنير، وهو تقديم مبدأ إقرار الحريات والديمقراطية في المجتمعات المسلمة على مبدأ تطبيق الشريعة. وهو رأي فصل راعى فيه شيخنا الجليل مقاصد الشريعة والتحولات التاريخية الكبرى التي طرأت على العالم منذ الهزيع الأخير من القرن العشرين.

وعادت بي الذكرى وأنا أستمع لهذا الرأي القوي الجريء، إلى السنوات الإثنتي عشرة التي قضيتها في الدوحة وأكرمني الله سبحانه فيها برفقة العلامة الفاضل الشيخ يوسف وتذكرت الأحاديث المنعشة في بيته وفي مكتبه وفي الاجتماعات العديدة التي جمعتني به على مدى حول كامل لإنشاء أول موقع إسلامي كبير على شبكة الانترنت وهوموقع إسلام أون لاين، وما كان يدور بيننا من حوار حول أسبقية إقرار الحريات وصيانة حقوق الإنسان والعمل بالآليات الديمقراطية على مجرد رفع شعار الإسلام من أجل بلوغ مقاعد السلطة ثم الانقلاب على كل القيم وفي مقدمتها قيمة الحرية باسم الإسلام والإسلام من ذلك براء. وأذكر أنني في يوم من الأيام سألت الشيخ قائلا له :" أعتقد والله أعلم بأن القرآن إذا ما جعله البعض دستورا فهو ربما يجيز به بعض الطغاة طغيانهم، والأرشد للأمة أن تتخذ لنفسها دساتير من وضع الناس تحدد الحقوق وتعين الواجبات وتنظم علاقات الشعوب بدولها" فقال لي الشيخ :" إن القرآن هو دستور الدساتير ولا ينفيها بل في محكم آياته يدعو إلى إقرارها حفظا للمجتمع من الشطط والارتجال والظلم".

وحين أربط بين جواب العلامة ذاك ورأيه هذا المعلن على الملأ أستنتج أننا على أبواب ثورة فكرية حقيقية مباركة في العقل الإسلامي وأننا بصدد قطع شوط عظيم على درب العودة لدورة التاريخ لا كأمساخ ذليلة للأمم القوية المهيمنة بل كأصحاب حضارة عريقة مجيدة متجددة أثبتت أنها قادرة على إنجاب العبقريات وإنتاج المعرفة وتحريك السواكن. وأنا لا أتردد في القول: إن الثورة الشاملة التي تنتظر المسلمين هي ثورة العقل على التبعية والجمود والغلو والجهل والاستبداد بكل أشكاله والهرب من الواقع المرير إلى الوهم الأمر منه، لا الثورات الوهمية التي نرفعها شعارات منفصلة عن الواقع وعن تحولات العالم وتطور الإنسان، فنعلنها تمردات عشواء على كل من يخالفنا في الرأي أو الدين أو الجنس أو الانتماء ونقدم للمتربصين بنا وهم كثر ذرائع سهلة لمعاداتنا وتأليب العالم ضدنا وعزلنا عن المجتمع الدولي كالبعير المعبد. ولكن حين تأتي الحكمة من أكثر علمائنا وسطية وتسامحا لإعلان رأي كهذا علينا أن نتابع ما انقطع من حوار ونعيد ما انفرط من تواصل بين ذوي النوايا الخالصة من النخبة المثقفة والحاملة لهموم الأمة، حول ضرورة الإصلاح واتباع مناهج الحكم الراشد، لأن تحقيق ذلك المبدأ يفتح باب الاجتهاد المطلوب في شؤون الدنيا والدين ويعيدنا إلى الانخراط الذكي والحي في دورة الحضارة الحديثة بدون أن نفقد لا هويتنا ولا مقومات أصالتنا. وإني واثق من أن شيخنا الجليل سيعمق رأيه الحكيم هذا بالبحث والتفسير والتيسير، لأنه كعهدنا به يمد الأمة بقبس من النور الذي يهديها، وسبق أن صدع فضيلته بآراء لا تقل جرأة حول الحوار الإسلامي المسيحي والحوار الإسلامي اليهودي وسبق أن وقف منددا بالإرهاب إذا ما أصاب الأبرياء. ولكن كل هذا التاريخ الشخصي المشحون بالتسامح وإعمال العقل لم يسعف الشيخ ولم ينقذه من الحملات الجهولة والعنصرية والمغرضة التي شنها عليه غلاة الأديان الأخرى وأزلامهم ممن لا يؤمنون بأي دين، حين منعوه من زيارة الولايات المتحدة وضايقوه في المملكة البريطانية، وما يزالون.

http://www.al-sharq.com/site/topics...57&parent_id=50

ابن الشاطيء 10-12-2004 02:01

حوار المشرق والمغرب.. أم تقويض سقف التقليد ؟
كمال عبد اللطيف

تلقيت دعوة من مجلة «العربي» للمشاركة في ندوة فكرية تتناول بالبحث موضوع «حوار المشارقة والمغاربة، الوحدة في التنوع». وافترض أن خلفية الندوة تحتمل أحد أمرين على الأقل، فقد يكون دافعها في ظروفنا الراهنة، وكما يوحي بذلك ظاهر العنوان، هو بحث كيفيات تعميق أواصر القربى الثقافية، وذلك بنقد عوائقها واستحضار أوجهها الحاصلة في تاريخنا المشترك، كما قد يكون التفكير في محدودية الشعارات السياسية، وذلك بالتوقف أمام ظاهرة تقلص وتراجع إرادة دعم التواصل الثقافي والسياسي. وفي كل الأحوال، قررت دون تردد المشاركة في هذا اللقاء، الذي تصورت أنه سيدفع المشاركين في اللقاء إلى تطوير النقاش في ثنائية مشرق ـ مغرب، التي بدأ التداول الحديث في شأنها في منابر ومحافل الثقافة العربية، منذ ما يزيد عن ربع قرن.
لم اقتنع في يوم من الأيام بمبدأ المفاضلة بين منتوجات الثقافة داخل الفضاءات الفكرية ذات المرجعية النظرية المتشابهة، والإطار التاريخي الجامع، مثلما هو عليه الحال في العالم العربي، وذلك رغم علامات التميز والتمايز العارضة في التاريخ هنا وهناك في المشرق وفي المغرب وفيما بينهما. مثلما أنني لا أقبل الحديث الايجابي في المجال السياسي باستعمال المفردات الدارجة في بعض الخطابات القومية، من قبيل «الاقليم القاعدة» أو «الاقليم المركز»، مقابل الأطراف والهوامش والبواقي. فهذه المفاهيم تتخلى عن آليات التفكير بالتوافقات التاريخية والعهود الإرادية، وهو التفكير الذي يسلم بتساوي الأقطار الأطراف المعنية بموضوع تكامل العلاقات، ويتجه لرسم المواثيق التي تؤسس لقواعد التكامل والتعاون والتنسيق. ولهذا السبب اتجهت للتفكير في إعداد ورقة تعنى بأسئلة الفكر العربي اليوم، بدل الانخراط في تكريس المفاضلات المغفلة للشروط المؤسسة للثقافة، والشروط اللاحمة لسقف النظر هنا وهناك، متجنباً استدعاء مفاهيم الجغرافية المركبة بحسابات سياسية وسيكولوجية ظرفية وعارضة.
لنسلم جدلاً بوجود حساسيات في الثقافة المغربية، تميزها داخل فضاء المشهد العام للفكر العربي، ولنسلم تاريخياً بوجود أسبقية تاريخية في كثير من أجناس وأنماط المنتوج الثقافي لبعض الأقطار العربية، لكننا لن نستطيع إقناع أحد بأن الحساسيات المذكورة والأسبقيات المؤكدة، تمنح امتيازاً لروح الفكر العربي وتمظهراته المختلفة. وإذا كان محمد عابد الجابري قد اتجه في منتصف سبعينات القرن الماضي لبلورة أطروحة تتجه لترسيخ التقابل والاختلاف بين مشرق، يهيمن فيه وعليه فكر الغزالي وابن سينا، ومغرب تمنحه العقلانية الرشدية والواقعية الخلدونية خصوصية ترفع مكانته الرمزية في تاريخ الفكر الاسلامي في عصورنا الوسطى، فقد تم في نظرنا تفنيد هذا الموقف من أقطار عربية متعددة، نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر علي أومليل، محمد أركون، فهمي جدعان الخ.. وقد عمل هؤلاء في ردودهم على إبراز مستويات التداخل والترابط ومحدودية التمايز، بحكم هيمنة نظام مرجعي فكري واحد على آليات النظر في فكرنا، وذلك رغم حصول بعض التنويعات في الأداء الفكري العام. فالتنويعات التي حصلت لم تقلب نظام النظر بحكم أن شروط القلب لم تتوفر بعد.
حاصرت الانتقادات المذكورة مسوغات الجابري البانية لمبدأ القطيعة بين المشرق والمغرب، وعمل أصحابها على ترتيب حدود التقابل المذكور، بل وساهم بعضهم في إعادة قراءة منتوج الفكر الاسلامي بمفاهيم وحدة المرجعية ووحدة النظام المعرفي، ومحدودية الاختراقات التي تحصل بصور مختلفة في مراحل مختلفة من تاريخ الفكر، دون أن يتمكن أي منها كما قلنا من كسر سقف المرجعية المنمطة لعمليات التفكير ومنتوجه في الثقافة الواحدة، بل وفي الثقافات المتعددة ذات المرجعيات المشتركة.
لم انشغل إذن بموضوع المفاضلة، ولم أهتم برصد التمايز، وقد بدا لي أن استخدام المعايير الجغرافية في رسم معالم تيارات الفكر العربي وملامحه قد لا تكون مجدية، فنحن نستطيع معاينة جوانب من القوة في الفكر في مختلف الأقطار العربية وبدون استثناء، ونحن لا نقول هذا من قبيل المجازفة والتعميم السريعين، بل إن متابعة عامة لما يجري في المشاهد الثقافية لمختلف الأقطار العربية، تؤكد ما نحن بصدده مع اختلاف في الكم تؤسسه شروط تاريخية ونظرية تتجاوز مجال الأفكار، كما تتجاوز الأفراد والأقطار، ولا تنطبق على مختلف عقود الزمن المتلاحقة.
وعندما نتجه على سبيل التمثيل للتفكير في أسئلة الفكر العربي المعاصر، سنجد أن العرب يواجهون مشاكل واحدة، بمستويات في الحضور والكثافة متقاربة، إن لم تكن متجانسة. لنأخذ كمثال على ما نحن بصدده صور العودة العنيفة إلى النزعة النصية التقليدية في التعامل مع التراث، وصور انتقال الصراع في الفكر من الجدل والسجال والرأي إلى مستوى التكفير والتهديد والتفجير، وغير ذلك من اللغات الجديدة التي أصبحت عنواناً كبيراً في كثير من الساحات العربية. ففي مختلف الأقطار العربية تنتقل اليوم نصوص وظواهر، لتحاصر شرارات الفكر النقدي وبؤر الاجتهاد وإرهاصاته الساعية إلى تركيب الفكر الأكثر تاريخية، والأكثر قدرة على مجابهة أسئلة زماننا وأسئلة أزماتنا ومآزقنا في السياسة والثقافة والمجتمع. ومعنى هذا أن مستقبل العمل الثقافي العربي المشترك ينبغي أن يتجه صوب مزيد من الإعداد لمحاصرة مرجعيات التقليد، بهدف بناء ما يسعف بشروط انتعاش الثقافة القادرة على كسر قيود النصية الكابحة للاجتهاد، وسلوكيات العنف المستخدم لكاتم الصوت.
تسمح لنا الأمثلة السابقة بإدراك أن منطق التمايز والمفاضلة، لا يتأسس بناء على معطيات تاريخية نظرية محددة، قدر ما تمليه في الأغلب الأعم حسابات سياسية ومواقف قبلية مؤسسة على نوع من التمركز الذاتي، الموصول بدوره بسياقات فرضتها وتفرضها الأوضاع العربية المأزومة، بحكم ثقل التحديات والضغوط التي تواجهها المشاريع العربية في النهضة، وبحكم عجز أغلب الأنظمة السياسية السائدة على بناء البرامج الاصلاحية، المساعدة على التقليص من حدة الأزمات التي ازدادت تفاقماً في نهاية القرن الماضي وبدايات هذا القرن.
إن عدم قدرة العرب على إنحاز الاصلاحات التاريخية المطلوبة في عالمهم، سواء في المجال السياسي أو في المجال الثقافي العام، وعدم قدرتهم على إنجاز تواصل إيجابي مع العالم، كلها عناصر ساهمت وما تزال تساهم في مراكمة الأخطاء المعطِّلة لمشروع النهوض العربي في مختلف أبعاده.
وإذا كان بإمكاننا أن نتحدث في العالم العربي عن وجود تمايزات ظرفية أو تنويعات عرضية، في هذا المجال الثقافي العربي أو ذاك، في هذا القطر العربي أو ذاك، في هذا العمل الابداعي المخصوص أو ذاك، فإن الأمر لم يبلغ بعد عتبة التجاوز والقطيعة بين مشرق ومغرب، وبين قطر وآخر داخل المشرق أو داخل المغرب.
فنحن جميعاً لم نتمكن من فك قيود التقليد، ولم تنفتح أمامنا أبواب ودروب الإبداع على مصراعيها، ولم ينجح أي جناح من أجنحة هذا الوطن الفسيح في ترتيب إعادة فضائه السياسي، بأساليب التدبير الديمقراطي المساعدة في نظرنا في عملية تأهيل العلاقات العربية العربية، لتركيب آليات في العمل الديمقراطي الجماعي المساعدة على تجاوز الحساسيات والحسابات الصغيرة، التي تعد في نهاية التحليل محصلة دالة على عدم قدرتنا على الاستفادة من تجاربنا وتجارب الآخرين في التاريخ.
وعندما نواصل تفكيرنا في المستويات الفكرية لثنائية مغرب مشرق، لإبراز محدوديتها في الإحاطة بإشكالات تطور الفكر العربي المعاصر، نكتشف السمات العامة والمشتركة لأغلب مشاريع الفكر، ومنظومات النظر السائدة في مختلف الأقطار العربية، كما نكتشف محدودية مشاريع المثاقفة بآليات الترجمة وقنواتها المساعدة على إنجاز تواصل فاعل وفعال، في علاقة فكرنا بالانتاج الفكري العالمي في مختلف فروع وتجليات المعرفة في العالم المعاصر، فقد انشغلت مختلف الأقطار العربية في إنشاء مؤسسات بحثية متعددة، إلا أنها لم تفكر في إنشاء شبكة قادرة على تنظيم الجهود، ووقف مسلسلات سوء التدبير، المتمثلة في التبذبر، وفي غياب الحدود الدنيا من التنسيق القادر على إنجاز المشاريع بنوع من الترتيب، الذي يصوغ الأوليات ويضع الأولويات المطابقة لحاجاتنا الراهنة اليوم وغداً. فما أكثر الجهود المعادة دون حساب ودون تجاوز للعثرات والأخطاء. فنحن في العمق أشبه ما نكون بجزر معزولة فعلاً، ومجتمع متضامن قولاً وشعارات، وضمن هذا الأفق فكرت في موضوع الحوار، معتبراً أن سؤالنا المركزي في المجال الثقافي اليوم، هو سؤال التفكير في كيفية تكسير سقف النظر السائد والمرجعية الفكرية المهيمنة في مختلف مجالات الفكر العربي..
http://www.asharqalawsat.com/

ابن الشاطيء 10-12-2004 02:06

مدارات: ترحلٌ آخر, ضفافٌ أُخرى
ادونيس الحياة 2004/12/9

ترحلٌ آخر, ضفافٌ أُخرى

1 - الحِلْف

أظن أنني رأيت أرضاً تدور, خلافاً لأرضنا - الأمّ, في جسد تلك المرأة.

وخيّل إليّ, فيما أنظرُ إليها, أنّني أبني كاتدرائيّة وصلٍ فوق أسرارها, بأعمدةٍ من الكلمات أسكبُ عليها ندىً يجيء من غيم الطّبع.

خُيّل كذلك إليّ أنني أعيش, فيما أنظر إليها, لحظاتٍ نسيت فيها من أين يقبل اللّيل وكيف يرتطم النهارُ بسريره, تاركاً جراحي عاريةً ترفرف عليها أجنحتي.

لا أجنحةَ لي.

وكان حلفٌ يُعقد بيننا, كمثل الحلف الذي يعقد بين رأس اللغة وقرنِ الشيطان.

2 - امرأة

ترسمُها المصادفة, وجراحُها لون أوَّل في هذا الرسم. هكذا لا تحظى بالحياة إلاّ بين شكلٍ للعذاب وشكلٍ للموت. هكذا لا ترى اسمها مكتوباً إلاّ في دفتر الرَّمل.

*

لو أنّ الماءَ ذاكرةٌ لها,

لكان أصبح, من زمانٍ, تراباً.

*

لا تَقبل أحداً إلاّ إذا التهمته.

*

لا يفاجئها أيّ شيء:

تحيا, تعمل, تفكّر, تحلم دون أن تنتظرَ أيّ شيء.

*

المِمحاةُ أجملُ وِسادةٍ لأيّامها.

*

3 - ترحلٌ آخرُ, ضفافٌ أُخرى

- 1 -

ستقولون عن الطّاهر لبيب بلغتكم العلمية (1), أيها الأصدقاء المشاركون في هذه الندوة, ما أثق أنه سيحول دون قدرتي على أن أضيف شيئاً متميزاً. هكذا أحيد عنكم, محاولاً أن أقول بلغةٍ مختلفة ما قد يجيء, كما آمل, مختلفاً. واعذروني إن كنت لا أشارككم في شيء إلا في أفق التأويل.

- 2 -

ثمة بحر خاص يمكن ان نصفه بأنه "عربيّ", داخل ذلك "الآخر" - البحر المتوسّط الذي سمّاه العرب أنفسهم "البحرَ الأبيض" و"بحر الرّوم". كأنّهم, بدئيّاً, رأوا في الزرقة بياضاً. كما لو أن بياضَ سمائهم فوق الصحراء, أو بياضَ صحرائهم, ينعكس في ماء هذا البحر ويتمازجُ معه في خلاسيّةٍ, ذكوريةٍ هذه المرة, تُقابل خلاسيّة الأنوثة, التي طالما افتُتِنوا بها, وغنّوها.

لكنّهم رأوا فيه, من جهةٍ ثانيةٍ, الآخرَ الروميَّ, وقبلوا بأن يتركوا لهذا البحر صفةً الانتماء الى هذا الآخر المختلف. اكتفوا بأن يضفوا عليه صفةً لغويّةً أكثرَ قرباً الى الفن منها الى السياسة. كأنّهم رأوا فيه الحدّ الأخيرَ لملكهم, على صعيد السيّاسة, ونقطةَ لقاءٍ معه, على صعيد الثّقافة. لم يفعلوا كما فعلَ من قبلُ أسلافُهم الفينيقيون الذين رأوا في هذا البحر, على العكس, مداهم الخلاّقَ الحيّ, سياسةً وثقافةً, ورأوا فيه مادّتهم الحضاريّة, أو لعلّهم فعلوا ما فعلوه لأنهم لم يروا فيه الفينيقيين أسلافاً لهم, أو لأنّهم كانوا قطيعةً معهم, لا امتداداً لهم.

ربّما لهذا نجد أنّ لهذا البحر العربيّ الخاصّ لغةً واحدة, وأن له أكثر من جسد, حتى عندما تكون قرطاج صورةً ثانيةً للمعنى الذي أَسَّست له صور, أو تكون الاسكندرية وانطاكية أختين لبيروت.

"بحر الرّوم" لوحة أسطوريّة ضخمة, أفقيّاً وعموديّاً, ترقى الى عمقٍ تاريخي يرقى الى آلاف السنوات. جاورت هذه اللوحة قصصٌ عربية كثيرة, واخترقتها قصصٌ كثيرة أخرى, خصوصاً في قسنطينة وصقلية والأندلس. وكان الخلاقون - معماريّينَ, وكتّاباً وفلاسفةً وشعراءَ أشبه بالمنمنمات التي عاشت غالباً على هامش الحياة, لكن التي شكّلت إبداعيّاً, وعلى نحوٍ مُفارق, المتن الحضاريّ العربيّ.

نعرف جميعاً هذه المنمنمات, قبلَ ابن رشدٍ وابن عربيٍ, وبعدهما. لكنّنا غالباً لا نرى حياتهم بقدر ما نَرى موتهم, أي أنّنا لا نراهم إلا في الهامش الذي ترسمه السياسة. وبدلاً من أن نرى السياسةَ جزءاً من الكلّ الثقافي, نرى على العكس الكلّ الثقافي جزءاً من السياسة. هكذا يشارك أهل المتن أنفسهم في الخلل الذي نتدحرج تحت عربته الجارفة, منذ حوالى خمسة عشر قرناً. وها يستطيع كلٌ منا, اليوم, أن يرى كيف نتدحرج, وأن يرى كيف أن الفراغ الذي نهوي فيه كيف يزداد تضخّماً وهولاً, يوماً يوماً.

اسمحوا لي إذاً في هذه اللحظة, الآن, في هذه القاعة, أمامكم جميعاً أَلاّ أرى السياسة إلا بوصفها, حصراً جزءاً من الثقافة, أن أقول تِبعاً لذلك: لا يمكن السياسة أن تكون حرّةَ وعظيمةً إلا إذا نهضت على ثقافةٍ حرّةٍ وعظيمة. اسمحوا لي, في ضوء ذلك, أن أرَى في كلٍ منكم منمنمةً ثقافيّةً تكمل المنمنمات السّالفة حتى عندما تناقضها, وتتوحد معها حتّى عندما تفترق عنها. ذلك أن الكثرة في الإبداع انما هي وحدة. ذلك أن الاختلاف في الابداع انما هو ائتلاف.

وفي البدء كانت الكثرةُ, لا الوحدة.

اسمحوا لي أخيراً أن أعبّر عن غبطتي في كوني أُشارككم الاحتفاءَ بواحدةٍ من هذه المنمنمات اسمها الطاهر لبيب, الصّديق. والصّديق, كما يقول التوحيديّ, "آخَرُ هو أنت".

- 3 -

أيّها الأصدقاء المنمنمات, أو أيّتها المنمنماتُ الصّديقات, منذ أن عرفت الطّاهر لبيب رأيتُ فيه هذه المنمنمة, بذلك المعنى الذي تحدّثت عنه. هكذا التقينا في ذاكرةٍ بعيدةِ الغور, تَصل بين صورٍ وقرطاج, وتتأصّل في أسطورة الطّائر فينيق الذي لا يكاد أن يموت حتّى ينبعث من جديد. كأنّه يموت لكي يحيا. كأنّه يغيب لحظةً لكي يظهرَ وقد غيّر قميصه. كأنّ غيابه نوعٌ من الدخول في ينبوعٍ يغوص فيه, يغتسل, ثم يخرجُ واضِعاً ثوباً أكثرَ نقاوةً على جسدٍ أكثر شهوةً.

التقينا, وكان ملتقانا نوعاً من المفترقِ في الوقت نفسه. ذلك أن الاختلاف هنا, في سياق ما أقصده, مُؤسسٌ هو كذلك, كمثل الائتلاف.

هكذا, منذ التقينا رأيتُ أن ما يفرّقنا هو نفسهُ الذي يوحّد ما بيننا. رأيت فيه شاعراً, لا يكتب القصيدةَ, بتحديدها الاصطلاحي المعجميّ. فمجرّد كتابة القصيدة بهذا التحديد لا يعني أنّ كاتبها شاعرٌ بالضرورة. الطّاهر لبيب, المنمنمة, شاعرٌ بمعنى أنّه لا يرى العالم بمجرّد عيني رأسهِ الثقافيتين, وانما يراه بعيونٍ أخرى تملأ كيانه, ترجُّ الثقافة وتتخطّاها: عين الذاكرة والقلب والحدس والحاسةِ والحبِ والصداقة. يراه بحضوره الخلاّق كمثل سنفونيةٍ كاملةٍ تظل في حاجةٍ الى مزيدٍ من الاكتمال.

- 4 -

في بيروت صار لقاؤنا طَقساً, أو يشبه الطّقس. وكثيراً, فيما كنّا نجلس معاً على شاطئ "بحر الرّوم", كنا نُعيد اكتشافنا فيه. اكتشاف البحر العربي الخاص. وكنت أتخيّله على شاطئ هذا البحر, يدير وجهه نحو قرطاج, ويرى اليها كأنها آتيةٌ إليه, في موجةٍ, كمثل إلآهةٍ يحفُّ بها زبدُ السّفَر. ثم أنظر إليه, وهو جالسٌ, فأتخيّله, كأنه ينهض ويجمعُ, احتفاءً بها, كمثل الطّفل, الأشياء المبعثرةَ على هذا الشاطئ, بين بيروت وقرطاج - أنواعَ الزّهر والنّباتات والطّحالب, أنواعَ الحصَى, وأنواع الخلائق الحيّة التي تتغلغل بين كُتَلِ الموج وذرّات الرَّمل. ولم يكن يتردّد كذلك في جَمع النّجوم تلك التي تتجلّى, بخاصّةٍ, في المرأة, أو تلك التي (تبدو كأنها) تجلس فوق صخرةٍ, أو على غيمةٍ, أو في سرير الأفُق. يَجمعها كلَّها, وينسلُ فيها خيوطاً, أو يحوّلها هي نفسَها الى غَزْلٍ ناسِجاً صورةً مشتركةً لتونس ولبنان, وجهاً مشتركاً عالياً لحياةٍ مشتركةٍ عالية. وكان يبدو في هذا كلّه كأنّه يمزج الجسدَ بالهواء, والقلبَ بالموج, والتموّج بخاصرة أُنثى.

- 5 -

ثُمّ, إذ تهدأ المخيّلة, نأخذ بالحوار حول الهويّة المنفصلة المتّصلة في قلب هذه الحركة البحريّة التي تربطُ بين قرطاج وصور, بين تونس ولبنان. وكنت أرى اليه, عبرَ حوارنا, كيف تنعكس في وجهه صورة عوليس (أوليس) لكن في طريقٍ معاكسة. فَعُوليس, كما تعرفون, عودةٌ في المقام الأخير, أمّا الطّاهر لبيب, المنمنمة, فترحُّل في المقام الأخير. أو قلقٌ, - ذلك النّوع من القَلقِ الرَّجيم الرَّحيم, الذي يَحارُ كيف يَجِدُ مُستقراً. كأنّه نقيضٌ لنرسيس, في العُمق, وإن بدا في الظّاهر أنّه تَوأمٌ له. نرسيس يعشق صورته, يتأمّلُها, سائِلاً الماءَ: من أنا؟ والطّاهر - المنمنمة نرسيس آخرُ, يرى صورته ويُحبّها, لكنه يترحلُ, يأتي ويذهب, لكي يراها حقّاً معشوقةً, سابحةً في ماءٍ آخر لا أحدّده, على ضفافٍ أخرى أتركها تبحث عن نفسها هي نفسها.

تونس 24-11-2004

( 1) نص الكلمة التي ألقاها أدونيس في افتتاح الملتقى الذي نظمه المعهد العالي للعلوم الإنسانية, جامعة تونس, - المنار, بين 24 - 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004, تكريماً للأستاذ الطّاهر لبيب, ولمنجزه الفكري. وكان الملتقى ندوةً علميةً حول "الثقافة والآخر".
http://www.daralhayat.com/culture/1....txt/story.html

ابن الشاطيء 10-12-2004 02:07

الطريق الفلسفي الى «باب الحرية»
جورج زيناتي الحياة 2004/12/9

لعل كتاب ناصيف نصار «باب الحرية» الصادر عن دار الطليعة (بيروت) يطرح قبل كل شيء مسألة أسلوب الكتابة الفلسفية التي تشكل مفتاحاً للكتاب بأكمله. فلقد عرف عن الفلسفة أنها تحب التعقيد وتميل الى الغموض، وتكتب لفئة متخصصة مغلقة على ذاتها. والشرط الأول لأية فلسفة والكتابة الصارمة المترابطة بالمنطق والمحاججة والتجريد. غير ان مثل هذه المقولة هي أقرب الى فكرة مسبقة منها الى الحقيقة، فقد اعتبر هيدغر ان مؤسس الميتافيزيقا التي هي الفلسفة هو أفلاطون، ومغلقها وقافل بابها الأخير هو نيتشه، وهذان لم يكتبا بأسلوب فكري مجرد بل ان الحوار الأدبي الذي يكاد يكون حواراً مسرحياً يطغى على أسلوب أفلاطون، الذي يروي أيضاً داخل حواراته أساطير ويضرب الأمثال، وكلما بحث في مسألة ميتافيزيقية نراه يلجأ الى سرد أسطورتها أو اختراع واحدة منها، حتى انه يمكننا الى حد بعيد أن نشرح كل فلسفته تقريباً متناولين إياها من مجموعة أساطيرها وحدها من دون نص آخر. أما نيتشه فكان يكن للفلسفة في شكل عام الكثير من التهكم ويكفي أن نعرف تشبيهه لسبينوزا بالعنكبوت المختبئ من الحياة وراء ما ينسجه. وكتاباته بغالبها مصاغة على طريقة شذرات وحكم. كل شيء في الفلسفة إذاً مباح إلا التفاهة والابتذال والإسفاف، لأن الفلسفة هي بالضبط خطاب الحرية المنفتحة على الأفق اللامحدود في تناهيه. وباب الحرية/ انبثاق الوجود بالفعل لا أقول انه على مستويات ثلاثة، أو ثلاثة أساليب مختلفة ومتباينة، ولكنه حتى في دفقه السيال ينم عن توترات ثلاثة تحمل الكتاب وتعطيه سمته الخاصة، التوتر الأول الحاجة الملحة وأسلوبها اللجوء الى الكلمات الكبرى والحض على التنفيذ. أما التوتر الثاني فهو المناقشة الفكرية مع الواقع الفلسفي الغربي الحالي وأسلوبها محاولة فتح الحوار، أما التوتر الأخير فهو الاستراحة من التوتر في حضن الفن.

1 - الحاجة الملحة للخروج من الواقع الراهن: الكتاب منذ مطلعه تجتازه روح التغيير ومحاولة اعادة حركة التاريخ الى المنطقة العربية، اننا أمام متغيرات كبيرة حدثت، والنهضة العربية الأولى أصبحت تنتمي الى الماضي، وما يهم بعد اليوم هو الزمن الراهن والمستقبل القريب، ان النهضة العربية الثانية هي حاجة ملحة في عالم يريد أن يبتلعنا، أو على الأقل نحن ما زلنا فيه مهمشين، في معزل عن كل ما يجري في أرض الحرية والتقدم. ما العمل؟ ماذا علينا أن نفعل لتكون لنا مساهمتنا التي نستحق في مسار البشرية؟ مثل هذه الروح وهذه العجلة التي ترزح فوق رؤوس العرب كلهم لتحثهم على لعب دورهم التاريخي الذي لا يزال يناديهم. له الكثير من السوابق الفلسفية، وهو يذكرنا الى حد ما، مع مراعاة الظروف والأحوال، بكتاب فخته Fichte خطابات الى الأمة الألمانية الصادر سنة 8081 بعد أن انزل نابليون أكثر من هزيمة بالمانيا والنمسا في أكثر من معركة، جاءت هذه الخطابات من مؤمن بالديموقراطية والمثل الأعلى الجمهوري لتقول للشعب المهزوم انه يستطيع من طريق التربية أن يستعيد مكانته وأنه يدعو الى مستقبل مهم والأفق الجديد مفتوح أمامه. (ي غ. فخته - خطابات الى الأمة الألمانية - ترجمة د. سامي الجندي - دار الطليعة بيروت 9791). هناك أيضاً في الفلسفة كتابات مهمة جاءت تعبر عن روح الإلحاح التاريخي، وكانت أقرب الى البيانات ولعل من أشهرها مقالة كانط ما هي الأنوار؟ التي يلح فيها على البشرية جمعاء أن تخرج من كونها قاصراً الى سن الرشد وان تجرؤ فقط على عمل ذلك. ولن أتوقف هنا كثيراً ولكني أقول فقط ان خيار الليبرالية التكافلية للولوج من «باب الحرية» الى أنوار «انبثاق الوجود بالفعل» وعدم الخوف من العولمة بل اللعب معها في لعبة الأمم من أجل اعطاء العولمة وجهاً جديداً. ان مثل هذا التأكيد يفترض مسبقاً ان العرب قد اختاروا المدينة التي يريدون والمدن الفاضلة التي نادى بها الفلاسفة من أفلاطون الى القديس أغسطين الى الفارابي الى لاوياتان هوبز الى العقد الاجتماعي لروسو الى غنى الأمم عند آدم سميث الى توزيع عدالة رولز كثيرة. هل اختار العرب؟ هل عرفوا ماذا يريدون بالضبط وهم في حالهم الحاضرة ما زالوا يتلقون أكثر مما يفعلون؟ وهناك حركة جديدة غربية سميت أنصار العولمة الجديدة altermon dialistes ويريدن عولمة انسانية عادلة تستفيد منها البشرية كلها، غير ان العرب ما زالوا بعيدين عن أية مساهمة فيها.

ثم ان الليبرالية التكافلية غير واضحة وتكاد تحوي نوعاً من التناقض، فأنصار الليبرالية كانوا دوماً يعتقدون بالحد الأدنى من تدخل الدولة في الشؤون العامة، لأنهم اعتقدوا دوماً ان النظام الليبرالي كفيل بتصحيح نفسه من داخله. وهذا ما جعل غالبية المفكرين الفرنسيين يتحفظون دوماً على الليبرالية وفكلها، على رغم ان توكفيل كان من أكبر دعاتها. والتكافلية لا تعني نوعاً من التدخل الرسمي من الحكومات. نحن اليوم نعيش أكبر فروقات اقتصادية لم تشهد لها البشرية من مثيل بين بلد وآخر، وداخل البلد الواحد، عدا الاحتكارات الضخمة التي تشكل يداً خفية تلعب من وراء شعارات الليبرالية، بتاريخ الدول ومصير الشعوب.

الليبرالية التكافلية مرتبطة كذلك بالديموقراطية وملازمة لها، وليس من ليبرالية من دون ديموقراطية، غير ان كلود لوفور الفرنسي يؤكد بأن الديموقراطية هي تاريخية بامتياز، لقد جاءت ثمرة حروب ونضالات مريرة. بدأت بالغرب مع عصر النهضة، وناضل من أجلها الفلاسفة الانكليز في القرن السابع عشر، وانكلترا تفاخر دوماً بأنها قامت بثورتها قبل الثورة الفرنسية بأكثر من قرن، ولم تستطع الديموقراطية أن تثبت في فرنسا نفسها إلا بعد نحو قرن من ثورتها التي أعلنت حقوق المواطن. ان التجارب الديموقراطية في العالم العربي أقل ما يقال فيها انها لا تزال يافعة.

الحرية، الليبرالية، العدالة، الديموقراطية، النهضة الثانية، المصلحة العامة كلها كلمات رائعة ضخمة وهي تنتمي الى ما سماه ريكور الكلمات الكبرى وأخطر ما في هذه الكلمات هي أنها كانت الطريق التي تهوى كل الديكتاتوريات استخدامها. ان مثل هذه الكلمات لها سحر فتان ووقع مدوٍ في أذهان الناس وهي في استخدام بعض السلطات تصبح تعني نقيضها تماماً. هذه الكلمات ما زالت يافعة تحتاج الى رعاية كل الديموقراطيين كي تستطيع أن تزهر في أوانها لا أن تتحول شعاراً يبرر كل المحرمات.

2- مناقشة الواقع الفلسفي الغربي الراهن: أمر واضح خلال الكتاب برمته هو محاولة المؤلف تبيان موقف مما يعرضه من آراء الكثير من الفلاسفة الغربيين الحاليين وكأنه يريد أن يدفع سلفاً في مساهمته في مسيرة الإنسانية، ولعل مناقشته لرتشارد رورتي هي الأبرز الى جانب فوكوياما، ونحن هنا نعتبر ان هذا ميدان واسع جداً، وان كل ما في الكتاب حوله من فكر سياسي وأخلاقي وانطولوجي تمت مناقشته في الغرب، ولا تزال حوله مناظرات مفتوحة كبيرة. غير ان ما يسترعي الانتباه هنا نقطة انطلاق الكتاب فهي تبدو كأنها لا تزال تعيش وهم المطلق والمسيرة نحو الحقيقة الكاملة المنجزة، وباختصار تبدو وكأنها فلسفة ماهوية تحاول أن تدافع عن عقلانية هي نفسها كانت موضع شك عنيف خلال كل القرن الماضي. العلم في الغرب من زمان تخلى عن البحث عن الحقيقة المطلقة الأساسية بل هو تخلى عن الحقيقة كلها وعن المطلق بأكمله، العلم يكتفي بحقيقة صغيرة في ميدان صغير جداً ويصحح ما توصل اليه باستمرار، والأخلاق تكتفي بنسبية للعيش على قيم تجعل العيش معاً ممكناً وتحاول تحسينه، الفلسفة بدورها تخلت عن الحقيقة الكاملة وهي تكتفي بكيفية تحقيق حياتها ناجحة. ولعل أهم ما في ذلك كله ان يقينية الكوجيتو الديكارتي قد تحطمت على صخرتها بعد نيتشه منذ القرن التاسع عشر حين حول كل فلسفاتنا المطلقة الى مجموعات من الاستعارات الميتة، وها هو ريكور يؤكد في أكثر من مصنف استحالة الرجوع الى انا مغرورة تعتقد انها تستطيع أن تكتشف ذاتها وان تصبح شفافة تماماً في كل حقيقتها. الأنا التي ظنت انها تثبتت وقويت مع ديكارت، قد تلقت الإذلال بعد الآخر مع فلاسفة الريبة، وعليها أن ترضى بعد اليوم بذات تدخل جحيم العلوم الإنسانية والبيولوجية فتخرج، وقد تغيرت نظرتها نفسها الى نفسها وفقدت الكثير من أوهامها. ولعل في سخرية رورتي من كل الثنائيات التي لا يزال يعيش عليها قسم كبير من البشرية كيلا نسمي مجرد منطقة أو شعب تسجيل لواقع توصل اليه الفكر الغربي في نقديته المستمرة. ورورتي كان قد بدأ سخريته من الثنائية الديكارتية منذ كتابه الفلسفة ومرآة الطبيعة الصادر سنة 9791. وقد أكد فيه أن أناساً عقلاء آتين من كوكب آخر لو شرحنا لهم مفهوم الروح عند ديكارت لما فهموا منه شيئاً. اني هنا لا أدافع عن رورتي ولا أقول بقبول أية فلسفة كما هي آتية من وراء البحار غير ان طريق الحوار الفكري العربي الغربي لا تزال أمامه طريق طويلة.

3 - الاستراحة من التوتر في حضن الفن. ما قلناه لتونا يمهد لخاتمة الكتاب التي جاءت على شكل قصيدة صوفية. لقد شدد روجيه ارلنديز كثيراً على أن أهم نقطة لقاء بين الغرب والعرب قد تكون لدى المتصوفة من هذين العالمين. وارلندز كان مستشرقاً عاش فترة في مصر، ولكن لماذا لجأ المفكر الى القصيدة النثرية، الى الاستعارة الفنية ومن العلاقة بين مطلع الكتاب ذي النبرة الملحاح، والنداء الذي في عجلة من أمره والفن؟ اقتبس من هيدغر: «بين الفكر والشعر تسود قرابة منسحبة في العمق لأن كليهم يكرسان نفسيهما لخدمة اللغة ويعطيانها بلا حساب، ولكن على رغم ذلك تظل بينهما هوة ساحقة، لأن كلاً منهما يظل على الجبال الأكثر تباعداً». الانتقال من جبل الى آخر فيه متعة تجديد الوجود ولقد افتتانه هيدغر بشعر هولدرلين أكثر من افتنانه بالكثير من كبار الفلاسفة.

أكثر من خدمة اللغة ومن خدمة الحقيقة يقول الشعر بأن البشر خلقوا ليتلاقوا ويتحاببوا وان الكتابة، كل كتابة أصيلة مثلها مثل الفلسفة أقوى من الموت والدماء لأنها خطاب الحياة، وشوقها الأبدي للتطلع الى ما لا ينتهي في نشوة الحرية.


* كاتب لبناني.
http://www.daralhayat.com/opinion/1...15f5/story.html

ابن الشاطيء 10-12-2004 02:11

إدوارد سعيد والإستقبال الغربي للإسلام - أ.د. محمد الدعمي / جامعة بغداد



علي الرغم من مرور سنوات عديدة علي صدور كتاب الأستاذ الراحل إدوارد سعيد الموسوم (تغطية الإسلام: كيف يقرر الإعلام والخبراء أسلوب رؤيتنا لبقية أرجاء العالم) 1981، فإن جدل الكتاب لم يحظَ بالكفاية من العناية لدينا نظراً لعدم تحقيقه الشيوع الذي يوازي شيوع كتابه الرائد (الإستشراق) الذي أثار زوبعة إعلامية وثقافية منقطعة النظير في الشرق والغرب علي حد سواء. ولسنا هنا بصدد الإحاطة بالأحداث الساخنة التي شهدها المشرق العربي التي غلفت تأليف الكتاب، ولكن يتوجب علي المتابع التنويه إلي أن هذه الأحداث قد ادت دور السبب والدافع المباشر الذي جعل الراحل يراجع الأدبيات الغربية المتاحة له والمتعلقة بالحضارة والتاريخ العربي الإسلامي، علي سبيل إماطة اللثام عن حقائق إستثمار الإعلام الغربي ومصممي الثقافة الشائعة هناك لهذه الأدبيات المتراكمة بهدف إساءة تمثيل الإسلام وتشويه الأقوام التي تدين به. لقد إلتقط سعيد هذه الحملة الإعلامية البعيدة المرامي والتاريخية التجذر للإنطلاق نحو تحقيق فرضية كتابه الجوهرية المتبلورة في طرائق توظيف الحرب العراقية الإيرانية من قبل وسائل الإعلام الغربي (الأميركية خاصة) علي طريق إسترجاع خزين أدبيات الإستشراق، من أفكار نمطية متوارثة وتشويهات متعامية تعود بجذورها إلي العصر الوسيط في أقل تقدير.يباشر إدوارد سعيد جدله بإفتراضية كتابه السابق (الإستشراق) التي تتأسس علي مواشجة المعرفة بالقوة، إذ يرنو هذا التواشج داخل العقل الغربي إلي تحقيق هدف فرض الهيمنة والسيطرة علي الشرق عامة، وعلي الشرق العربي الإسلامي خاصة. ويذهب سعيد إلي أن مجرد إستحضار لفظة "إسلام" يكفي لإستثارة عدد كبير من الأفكار والمفاهيم المتلازمة علي نحو حزمة داخل العقل الغربي، وهي (لسوء الحظ) أفكار نصف حقيقية ونصف أسطورية، حيث يقفز في الوقت ذاته إلي الخيال الغربي عدد ضئيل من الصيغ والصور المنمطة التي تم توصيلها بالعالم الإسلامي عبر القرون. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر حتي اللحظة، كانت الإستجابات الثقافية الغربية للإسلام تقبع تحت ظل أسلوب تفكير تبسيطي ومخل يعكس الإحساس الغربي الشائع بوجود عالمين جغرافيين مختلفين ومتنافرين، الأول هو "عالمهم" الشرقي (كبير الحجم والمزدحم بالأقوام الغريبة والعجيبة والتقليدية)؛ والثاني هو "عالمنا" الغربي الصغير والمنتظم (غير التقليدي والأكثر ذكاءً). لقد إرتبط إسم الإسلام بالعالم الشرقي بوصفه واحداً من عناصره التي لا يمكن عزلها عنه أو التغاضي عنها في أي نشاط ثقافي أو تاريخي يخص الشرق، بينما بقي الفكر الغربي حبيساً يسترجع المصادمات العسكرية والإحتكاكات الفكرية والفقهية التي شهدتها العلاقات بين الشرق وأوربا منذ بواكير الوعي بالإختلاف، مروراً بعصر الفتوحات الإسلامية ومن ثم الحروب الصليبية، وإنتهاءً بالعصر الذهبي لحركة التوسع الإمبراطوري الأوربي. وعبر هذه الحقب تعامل العقل الغربي مع الإسلام بوصفه تحدياً عسكرياً كامناً ومنافساً فقهياً وثقافياً للمسيحية الأوربية. هذا الإستذكار المرير والمترسب في قعر الذهنية الشعبية الغربية كرس الشعور الوسواسي بوجود تنافر يبيح الإقلال من شأن الحضارة العربية-الإسلامية ووصم ثقافتها وتراثها بالإستكانة السلبية غير القادرة علي الإبداع الأصيل.يرصد سعيد الأدبيات الغربية التي تناولت الحضارة العربية الإسلامية، ملاحظاً كيفية تأثيرها في تشكيل الأفكار الشائعة هناك، وهي الأفكار الطافية علي صفحات الكتابات الأدبية والتاريخية والثقافية عامة. فخلال القرون الوسطي وعصر النهضة بدا المسلمون لأوربا وكأنهم يعتنقون دين "ردة وإنتقام"، كما أكد ذلك نورمان دانيال في كتابيه الفذين (العرب وأوربا الوسيطة) و (الإسلام والغرب: تكوين صورة). لقد كانت النتاجات الثقافية والأدبية آنذاك منهمكة بإساءة تصوير الرسول (ص)، بينما ترادف ذلك مع التعميمات المتعامية التي واشجت كل ما هو عربي أو إسلامي بشخصية النبي محمد (ص) من خلال إعتماد تسميات "محمدي" و "محمديين"، أسلوباً للحصر والتحجيم. وعبر قرون طوال بقي الإسلام والعرب وثقافتهم يمثلون تهديداً عسكرياً وفقهياً، ذلك أن المسلمين مثلوا ديناً جديداً مفعماً بالشباب والتجديد مقارنة بأوربا التي كانت (عبر القرون الوسطي) مظلمة وراكدة ومتخلفة، تمتطيها الخرافة ويتلاعب في مصائرها رجال دين يتاجرون بصكوك الغفران. حتي بعد بداية مرحلة التراجع والنكوص التي أصابت الحضارة العربية الإسلامية (بعد سقوط بغداد عام 1258 علي يد هولاكو خان) تواصل الخوف الهاجسي من الإسلام وثقافته ومن إمكانية حدوث يقظة ثقافية يمكن أن تشكل تهديداً لأوربا. لقد كانت لفظة "الشرق"، عامة، رديفاً للعرب وللإسلام بالنسبة لأوربا طوال هذه الحقب التي شهدت توسع الإمبراطورية العثمانية (الإسلامية إسماً)، ذلك أن الشرق الأقصي (الهند والصين علي نحو خاص) كان يبدو لأوربا شرقاً قاصياً وواهناً وضئيل الأهمية بسبب بعده الجغرافي وتخلفه الذي لا يمكن أن يوازي العالم العربي الإسلامي الملاصق لأوربا، بل والمحيط بها، في أهميته.ويحدد سعيد مرحلة معينة من تاريخ أوربا (بين نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر) بوصفها مرحلة "النهضة الإستشراقية" Oriental Renaissance إذ شهدت أوربا يقظة الإهتمام المنظم والعلمي (في بريطانيا وفرنسا وألمانيا علي نحو خاص) بالشرقين الأوسط والأقصي، إذ أخذت بلدان مثل العراق ومصر والخليج وفلسطين والصين والهند تتصدر قائمة الأقاليم المغرية التي تستقطب إهتمام العلماء والمستشرقين والهواة والمختصين في مختلف الحقول والأنظمة العلمية علي سبيل "إعادة" إكتشاف الشرق بروحية جديدة وذهنية موضوعية مرتكنة إلي شعور هاجسي بالتفوق العلمي والمادي. ولكن علي الرغم من هذه "النهضة الإستشراقية" بقي الإسلام يمثل خطراً وتهديداً كامناً، بغض النظر عن آفاق التطور الوردية التي أفرزتها الثورة الصناعية وما رافقها من توسع إمبراطوري. يقع هذا الشعور في قلب آلية التنافر المعقدة التي طالما شابت التطلع الغربي إلي التوسع والإستغلال عبر عصر بناء الإمبراطوريات الأوربية الزائلة. ولكن ثمة إستجابة مختلفة نحو العالم العربي والإسلامي عبرت عنها النتاجات الفكرية للشعراء والكتّاب الخياليين وبعض الباحثين المتخصصين الذين حاولوا تحقيق "تجربة مباشرة" داخل العالم العربي الإسلامي علي نحو رومانسي من خلال أنشطة الإرتحال والحج والمعايشة.لم يتمكن هذا التفوق الغربي من إزالة غيوم الضغينة والسلبية التي كانت تلبد العلاقات الغربية بالشرق العربي الإسلامي علي نحو خاص، وهذا أمر لا يتجلي في الثقافة الأوربية الشائعة فحسب، بل هو يتجلي كذلك في كتابات كبار الفلاسفة الغربيين، إذ يقول سعيد بالحرف الواحد أن "أغلب فلاسفة التاريخ، من هيغل حتي شبنغلز، تناولوا الإسلام بدون أي شعور بالتعاطف معه"، منوهاً إلي خلاصة ألبرت حوراني المطابقة لخلاصته التي خطها في بحثه الموسوم "الإسلام وفلسفة التاريخ".وبدلاً من تناول الإسلام علي نحو متكامل وغير مجتزأ، عمد أساطين الفكر الغربي إلي التركيز علي جوانب معينة مما يسمي بـ"عالم الإسلام"، كالإهتمام بالتصوف وبـ"الحكمة الشرقية" و "الحريم" وغيرها من الجوانب التي تخفق في تجهيز القاريء الغربي بصورة الحياة العربية الإسلامية غير مشوهة. لقد جاءت خلاصة إدوارد سعيد المهمة، برغم تعميميتها، لتلقي الضوء علي اشكالية الشرق العربي الإسلامي في الثقافة الغربية، إذ يقول: "لم أتمكن من إكتشاف أية مرحلة في التاريخين الأوربي والأميركي، منذ القرون الوسطي، تم خلالها تناول الإسلام خارج الأطر المؤسسة علي العواطف والتحامل والمصالح السياسية". لا يستثني سعيد من هذه الأطر المهيمنة علي الذهنية الغربية حتي الأنشطة الأكاديمية والعلمية التي إضطلع بها العلماء والمتخصصون الذين نطلق عليهم لفظ "مستشرقين".بالنسبة لفرنسا ولبريطانيا كان الإحتلال هو النتيجة الحتمية أو التلقائية التي تتبع عملية الدراسة العلمية والأكاديمية للأقاليم العربية الإسلامية وسكانها. وكمثال علي ذلك، يورد سعيد الكيفية التي درس بها الفرنسيون الجزائر طوال عقدين، إجراءً يستبق الإحتلال المباشر عام 1850 ولا ريب في أن إستقدام نابليون بونابرت العلماء والمتخصصين الفرنسيين في حملته علي مصر يقدم بينة أخري علي ضرورات "المعرفة" التي تمهد الطريق لممارسة "السلطة أو الهيمنة بالقوة".وهنا يتوقف سعيد طويلاً عند رصد الإستشراق وإستقصائه كنظام معرفي مصلحي متخصص بدراسة الأقاليم الشرقية في آسيا وأفريقيا، ذاهباً إلي أنه لولا وجود وجهود المستشرقين (من أمثال لين Lane وجونز Jones) لما أقدمت بريطانيا علي إحتلال مصر علي هذا النحو المنظم مؤسساتياً كما فعلت وقتذاك. طوال هذه الحقبة المزدحمة بالأحداث الجسام، كان المستشرقون المتخصصون بالإسلام وبفقهه يتعمقون في دراسة هذا الدين الحنيف، مثابرين علي تأكيد المفاهيم المشوهة التي توارثها العقل الغربي منذ عصور الظلام. وهكذا ظهرت "نقابة" الدراسات الإسلامية التي كانت تتألف من متخصصين رددوا لازمات العداء والتشويه بضمن أطر فكرية قسرية لا يمكن الإفلات منها عبر الأجيال. يقول سعيد "إن المعرفة بالإسلام كانت تنبع دائماً من فكرة المقابلة العدائية و البغض الثقافي".لذا يعمد سعيد إلي تحليل فطن لمنهج الدراسات التاريخية، ذاهباً إلي أن كل المعرفة بالبشر تاريخية في جوهرها، لأنها تعتمد أساليب الإدراك التقليدية ، ولأن الحقائق التاريخية تكتسب دلالاتها من خلال طرائق المعالجة والمواقف المسبقة. ومن ناحية ثانية، ينوه سعيد إلي أن طرائق معالجة الحقائق التاريخية تعتمد ما يأتي:
1. لشخص المنوطة به المعالجة
2. طبيعة الجمهور الذي تستهدفه هذه المعالجة (القرّاء)
3. الزمن الذي تتم خلاله كتابة المعالجة
إن جدليات الراحل إدوارد سعيد تستحق عناية الأنتلجنسيا العربية، ليس فقط لإماطة اللثام عن الإرباكات التي شابت الذهنية الغربية في نظرتها للعرب وللمسلمين، بل كذلك لأنها كانت موجهة أصلاً إلي القاريء الغربي وليس إلي القاريء الشرقي، الأمر الذي يمكن أن يساعدنا علي إستمكان مواطن الخلل ومسببات تواصله حتي عصرنا الراهن.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1985 Date 10/12/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1985 --- التاريخ 2004 - 12 -10

http://www.azzaman.com/azzaman/http...2/12-08/699.htm

ابن الشاطيء 10-12-2004 17:31

«مصير أ. د.» لفون سالمون: الانسان وحده ضحية التاريخ
ابراهيم العريس الحياة 2004/12/9


المانيا العسكر بعد هزيمة 1918
ربما لا توجد حقبة تاريخية تبدو، في القرن العشرين، اكثر غموضاً من تلك الحقبة التي عاشتها المانيا، بعد انجاز هزيمتها الكبرى في الحرب العالمية الاولى، في العام 1918 . واضح ان التاريخ والمؤرخين ينحون دائماً في معرض حديثهم عن تلك الحقبة الاستثنائية، الى الافتراض انها فترة واضحة بل شديدة الوضوح، مفسرين في طريقهم صعود النازية وشعبيتها الصارخة بـ«الذل» الذي لطخت به الهزيمة، ثم معاهدة فرساي من بعدها أفئدة الالمان وعقولهم، بعد عواطفهم، دافعة اياهم نحو هتلر وحزبه القاتل. وعلى هذا النحو تكون معاهدة فرساي، المذلة، سبباً في استشراء الشر واندلاع الحرب العالمية الثانية. وطبعاً هناك ألوف البراهين التي تؤكد هذا التحليل، مجيبة عن السؤال الاساس: كيف قيض للعقل الألماني وارث انسانية غوته وعقلانية هيغل ونزعة كانط الانتقادية، ان ينتج كل ذلك المزيج بين الغباء والشر، الذي كانته النازية وكل ما تفرع عنها في المانيا وفي العالم كله؟

قد لا يكون من الممكن الزعم هنا ان هذا التحليل خاطئ، او ان هذه السببية مبتسرة. ولكن ثمة بالتأكيد آراء اخرى، تبدو في بعض الاحيان قوية وفي احيان اخرى خجولة، تتنطح لتعطي صورة مغايرة، كلياً او جزئياً، لذلك التحليل. ومن اللافت هنا ان هذه الآراء تبرز عادة من خلال الآداب والفنون، اكثر مما تبرز من خلال التحليلات التاريخية. واذا كانت المقولة المؤكدة عادة ان المنتصر هو دائماً من يكتب التاريخ على هواه وبحسب مصالحه، فإن نظرة الفنون والآداب الى ذلك التاريخ، لا تخضع عادة الى المعايير نفسها. وحتى لو كانت، كما هي حال العمل الادبي الذي نتناوله هنا، من ابداع اشخاص مثيرين للأسئلة القلقة. ذلك ان مؤلف رواية «مصير أ. د.» التي نحن هنا في صددها، هو الكاتب الالماني ارنست فون سالمون، الذي عُرف واحداً من مناضلي اليمين المتطرف منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى، اي منذ تخرج في الكلية العسكرية الالمانية.

> اهمية رواية فون سالمون هذه، والتي يحدث كثيراً لعالم النقد الادبي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تكمن في انها تروي لنا تاريخ المانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن ليس من وجهة نظر التاريخ الرسمي، سواء أكان المانياً نازياً او معادياً للنازية. هذه الرواية تروي الاحداث من وجهة نظر الانسان، تحديداً. وفي شكل اكثر وضوحاً من وجهة نظر بطل الرواية المدعو بالحرفين الاولين لاسمه أ. د. وحتى وان كان هذا الشخص يمثل المؤلف او يعكس بعض حياته وأفكاره، فإنه في الحقيقة يختلف عنه كثيراً... وربما كان هذا الاختلاف في الظاهر فقط، طالما ان فون سالمون يوحي لنا بأنه هو نفسه، في حقيقة حياته، قد لا يكون الشخص اليميني المتطرف الذي نعتقد. طبعاً سيكون ثمة كثر ينكرون على الكاتب هذا الاستنتاج، الذي يتناقض منطقياً مع تاريخه ومع ما هو معروف عنه. ولكن من يدري؟ أفلم نقل اعلاه ان التاريخ يكتبه المنتصرون دائماً بحسب مصالحهم؟ فلا يكون ممكناً ان يكون من كتب تاريخ فون سالمون قد كتبه ايضاً على هواه، ولم يفعل الكاتب في هذه الرواية اكثر من تعديل الصورة... او تصحيحها!

> مهما يكن من امر، سيكون اهم ما في الامر ان نكتشف في هذه الرواية، ان شخصيتها الكانديدية (نسبة الى «كانديد» فولتير) الرئيسة، شخصية يتعاطف معها الكاتب ان لم تمثله كلياً. وهي شخصية تبدو لنا في بعض الاحيان نازية، وفي بعضها الآخر شيوعية او متعاطفة مع الشيوعيين متواطئة معهم... وفي مطلق الاحوال ضحية من ضحايا النازية... ولكن ليس النازية وحدها، ذلك ان السيد أ. د. أمضى من حياته 27 عاماً في السجن توزعت بين كونه معتقلاً لدى النازيين، وكونه معتقلاً لدى الاميركيين (فون سالمون نفسه، اعتقل مرة واحدة، ولعام واحد فقط لدى الاميركيين بعيد انقضاء الحرب العالمية الثانية).

> أ. د. انسان يعبر التاريخ كما يمكن أي انسان بسيط طيب ان يعبره. ومن الامور ذات الدلالة ان يروي لنا فون سالمون تاريخ المانيا خلال ثلاثين سنة، عبر مرآة شخص يعبر التاريخ بكل براءة: فشخص مثل هذا هو الذي يمثل عفوية حضور المرء في التاريخ... وكون المرء في نهاية الامر ليس اكثر من دمية في هذا التاريخ. انه مجرد ضابط صف يحس دائماً انه يعيش خطأ ويعامَل في شكل مخطئ ويحاكم خطأ ويحكم عليه خطأ... وهو في خضم ذلك يكون دائماً - ومن دون ان يتنبه غالباً - ضحية الديكتاتورية النازية، ثم ضحية الحلفاء المحرِّرين.

> منذ البداية يضعنا فون سالمون في قلب موضوعه: ان المانيا بعد الهزيمة الاولى في حاجة الى دولة قوية كما انها في حاجة الى بطل قومي زعيم يلم اشلاء ما تبقى من كرامتها... بيد ان مثل هذا الرجل يحتاج جيشاً، ومعاهدة فرساي منعت المانيا المهزومة من ان يكون لها جيش. وحياة المانيا تعتمد على طيبة المنتصرين ورضاهم الدائم، لذا فهي في حاجة الى شهادة حسن سلوك دائمة. وللتعبير عن هذا يجب على الدولة ان تبرهن على نضالها ضد الشيوعيين. وهكذا تقبض على البائس أ. د. في العام 1923 وتحاكمه - محاكمة صورية بالطبع - بتهمة الانتماء الى الشيوعية. وهكذا يودع صاحبنا السجن، على ان يطلق سراحه قريباً بعد ولوج الحلفاء غفلة عما يحدث، لكنه سرعان ما ينسى هناك!

بل انه يعتبر شيوعياً، من دون ان يكون في الحقيقة كذلك وينقل الى معسكر اعتقال ما إن يصل النازيون الى السلطة... وهو لن يخرج من معسكر الاعتقال النازي إلا في العام 1945 . وفي السجن - الذي من خلاله يصف لنا فون سالمون في شكل بديع تاريخ المانيا وصراعاتها كلها - يشتغل أ. د. ممرضاً ويعاون طبيب المعتقل... وفي الوقت نفسه، وفي غفلة من المسؤولين، يساهم في تهريب الكثير من المعتقلين، من افراد شبكات مقاومة تعمل وتنطلق من داخل السجن... واللافت هنا ان فون سالمون الذي يتحدث عن شبكات المقاومة تلك، بكثير من التفاصيل، لا يقول في شكل واضح ان الشيوعيين هم الذين ينظمون شبكات المقاومة ويقودونها. المهم ان الكاتب - في المقابل - ينجح في وصف حياة صاحبنا أ. د. وبؤسه ومغامراته، منذ تأسيس معسكر بوشنغالد، وحتى إقفاله. وعند نهاية الكتاب، يبدو من الواضح ان الكاتب انما يتعمد معاملة كل الاطراف سواء بسواء، أكانوا نازيين او شيوعيين او اميركيين او غيرهم... فهؤلاء هم - في نظره - التاريخ، اما أ. د. فهو الضحية الذي يدفع الثمن من دون ان تكون له ناقة في ذلك او جمل. وهنا يستطرد فون سالمون ليقول لنا كم ان التاريخ كذبة كبرى، وكم تتساوى معسكرات الاميركيين، مع معتقلات الديكتاتور النازي، مؤكداً لنا، في طريقه، ان محاكمات نورمبورغ نفسها، انما هي محاكمات مغشوشة مفبركة!

> ولد أرنست فون سالمون العام 1902، وهو بعد تخرجه في الكلية العسكرية في العام 1918 انضم الى بعض تيارات اليمين المتطرف داخل الجيش وحارب الحركة العمالية في برلين. كما انه لاحقاً شارك في كل ضروب القمع التي طاولت التقدميين، وكان جزءاً من كل مؤامرات اليمين المتطرف في سبيل ايصال النازيين الى السلطة. كما شارك في المؤامرة التي ادت الى اغتيال الوزير راتنو، كما في انقلاب كاب. وهو، بعد ان تحول لاحقاً الى الكتابة، روى هذا كله في نصوص عدة، كان آخرها هذه الرواية «مصير أ. د.» التي كتبها في العام 1960، ورأى فيها كثر من النقاد محاولة للتبرير المتأخر.
http://www.daralhayat.com/culture/1...aa1b/story.html

ابن الشاطيء 11-12-2004 08:21

ظاهرة عالمية: الإسلام والمسلمون في «عمق» السياسة الدولية
زين العابدين الركابي

نظمت دائرة شؤون الاعلام التابعة للأمم المتحدة ندوة، كان موضوعها وعنوانها «مجابهة التعصب ضد الإسلام: التثقيف من أجل التسامح والتفاهم» وألقى الأمين العام للأمم المتحدة «كوفي عنان» كلمة في الندوة قال فيها: «كثيرا ما تشوَّه مبادئ الإسلام وتعاليمه، وكثيرا ما يُستشهد بها في غير سياقها. هذا إلى جانب أخذ أفعال وممارسات معينة باعتبار أنها تمثل هذا الدين الثري بالقيم أو ترمز إليه.. ويسمح في كثير من الدوائر بتجريح المسلمين ولا يجد هذا التجريح نقدا ولا استهجانا مما يضفي على التعصب ضد الإسلام هالة زائفة من القبول.. إن الجهود المبذولة لمكافحة التعصب ضد الإسلام لا بد أن تعنى كذلك بقضية الإرهاب والعنف الذي يرتكب باسم الإسلام، فلا ينبغي الحكم على الإسلام بأفعال المتطرفين. فالقلة تسيئ إلى الأغلبية، وفي الحكم الخاطئ على الأغلبية ظلم، وينبغي على المسلمين بوجه خاص أن يجهروا بإدانة الأفعال الشريرة التي ترتكب باسم دينهم. ومن الضروري ان تنبع الحلول من داخل الاسلام نفسه. ربما في إطار مبدأ الاجتهاد الذي يعني التفسير الحر للأمور. ولا بد لأي استراتيجية تتوخى مكافحة معاداة الاسلام: أن تعتمد بقوة على التثقيف. ولا شك ان الحاجة ماسة إلى أن تقوم السلطات العامة بدورها في شجب معاداة الإسلام».
هذه صورة من صور «الاهتمام الدولي» بالشأن الاسلامي: دينا وأمة.
وثمة صورة ثانية من هذا الاهتمام المكثف: رسمها تقرير أعدته لجنة استشارية تابعة لوزارة الدفاع الأميركية. فمن مضامين هذا التقرير ووقائعه: ما نصه: «ان الولايات المتحدة بدأت تخسر الحرب على الأفكار المتشددة في العالم الإسلامي، وأنها ارتكبت خطأ في عدم توضيح تحركاتها العسكرية ودبلوماسيتها واستراتيجيتها بشكل صحيح للعالم الإسلامي. إن اخطاءنا تزعج أصدقاءنا. وتقدم مساعدة غير متعمدة لأعدائنا، فنحن اليوم نقارن غريزياً: الجماهير الإسلامية، بتلك التي كانت مضطهدة في ظل السيطرة السوفياتية، وهذا خطأ استراتيجي«.
أما الصورة الثالثة فنراها في تصورات كاردينال كاثوليكي بارز، وفي مفاهيمه ومقترحاته، وهو الكاردينال «جود فرايد دانيلز«. كاردينال بلجيكا، وكبير أساقفة بروكسل، ميشلان، وأحد أبرز المرشحين لخلافة البابا يوحنا بولس الثاني.. لقد قال هذا الكاردينال: «إن على المسلمين ان يستعدوا لتفسير القرآن بقدر أكبر من المرونة. وأنه يجب على المسلم الأوربي: ألا يرى تناقضا بين اعتناق الإسلام وبين الاندماج في الثقافة الأوروبية.. من جهة أخرى: يجب أن يتخلى الجانبان ـ المسيحي والمسلم ـ عن افكار الماضي، وأن يتوصلا إلى افكار يقبلها الطرفان، فهناك الكثير من الأشياء الملتصقة بالذاكرة، وعلى سبيل المثال: لدى الطوائف المسلمة ذكرى الصليبيين التي ما زالت حية في الأذهان بدرجة كبيرة».
إن هذا «الاهتمام الكبير» بالعالم الإسلامي: دينا وبشرا. ينبغي أن يقابل ـ على الأقل ـ باهتمام مماثل من قبل المسلمين الذين لا يزال كثير منهم «محشورا» في الصغائر البيْنيّة، أو في الأفق الضيق الذي يتعامل من خلاله مع عصرنا وعالمنا.
ولنناقش ـ الآن ـ: طرح كوفي عنان.. وتقرير البنتاجون.. ومفاهيم الكاردينال دانيلز:
1 ـ من أظهر دلالات كلمة كوفي عنان: الاعتراف ـ على هذا المستوى ـ بأن هناك «حملة معادية للإسلام» ومحرضة عليه، وان هناك «دوائر» تستغل أفعالاً شريرة يمارسها غلاة مسلمون فتصعد الاتهام والإجرام ضد الإسلام نفسه، وضد المسلمين جميعا، وان عدم نقد واستهجان ما تقوم به هذه الدوائر: أضفى على التعصب ضد الإسلام هالة زائفة من القبول.. وهذا محور يقضي بقلب الصورة قلبا كاملا، أو تعديلها بطريقة جوهرية على أقل تقدير.
فالصورة النمطية الرائجة ـ ولا سيما بعد مصيبة 11 سبتمبر 2001 ـ هي: أن المسلمين هم صانعو الكراهية والتعصب وهم الذين يمارسونهما ضد الآخر. بيد أن في الطرح الجريء الأمين لكوفي عنان: ما ينتقل بالوعي العالمي إلى صورة مضادة، وهي: أن المسلمين هم ـ في الحقيقة والواقع ـ: ضحية الكراهية والتعصب، وأن «آخرين» ـ في مستويات مختلفة ـ يمارسون معاداة الإسلام، والتعصب ضد أتباعه.. ولو ان في العالم الاسلامي «مؤسسة رصد» قوية ـ على نسيج ما في الغرب من مؤسسات مماثلة ـ لرصدت ـ من دون تحريض ـ ما يملأ موسوعة ضخمة من معاداة الاسلام، والتحريض على المسلمين، وهو كم هائل من العداوات يصغر بجانبه ـ حتماً ـ: الكم الصادر من حفر الظلام في العالم الاسلامي ضد الغرب. وهذه الفروق هي ذاتها الفروق التي تفصل بين عالم غربي متقدم مدرع بوسائل التقنية، ومؤسسات الدراسة والبحث، ووسائل الاتصال النافذة، والميزانيات الهائلة المرصودة لذلك كله، وبين عالم اسلامي شديد التخلف.. وليس في هذا القول ذرة واحدة تسمح بالتهوين من أمراض مسلمين: تنغل نفوسهم بالحقد والكراهية والتعصب، وتوجه ضد الغرب. فليس يصح ـ لا عقلا ولا شرعا ـ الاستهانة بأي كم، وأي نوع من الهجاء والقذف والسب. فمن سب إنسانا، فكأنما سب الناس جميعا.. ثم اننا نشكر كوفي عنان على قوله: ان الحل ـ فيما يخص المسلمين ـ ينبع من مبدأ الاجتهاد المتمثل في التفسير الحر للأمور، فهذه حقيقة لا نرى للمسلمين نهضة صحيحة بدونها.
2 ـ بالنسبة لتقرير البنتاجون، فإنه إذا كان صحيحا فيما يتعلق بـ «المصلحة الوطنية الأميركية» بعيدة المدى، فإنه صحيح أيضاً فيما يتعلق بالعالم الإسلامي. وهكذا فإن كل تفكير عقلاني رشيد، إذ ينفع أصحابه، فإنه ينفع الآخرين، أو لا يضرهم كحد أدنى للنفع.. فليس للولايات المتحدة، أي مصلحة في معاداة العالم الإسلامي، ولا في ان تكون صورتها لديه شائهة قبيحة عدوانية. فبمقياس الاعلانات.. والسياسة.. والاقتصاد، يدرك عقلاء الناس: ان الصورة القبيحة تترتب عليها أضرار وخسائر مادية.. ولقد ادرك المسؤولون الأميركيون هذه الحقيقة فرصدوا ـ منذ قليل ـ 600 مليون دولار لتحسين صورة أميركا لدى الرأي العام العربي الإسلامي. ولكن المال والقوة وحدهما لا يكفيان، ولذلك دعا المفكر الأميركي «جوزيف ناي» في كتابه «مفارقة القوة الأميركية»، دعا إلى ما سماه (القوة الطرية) وهي إقامة علاقات مع العالم وفق (القيم النبيلة) الجذابة. ويمكن للولايات المتحدة أن تستفيد في هذا المجال من حكمة قالها نبي الإسلام وهي: لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق«.. يمكن أن تستفيد أمريكا من هذه الحكمة بمقتضى مبدأ «فلسفة المنفعة» الأميركية التي من خصائصها: تقويم الأفكار وتثمينها بمقدار ما فيها من نفع ومصلحة: عاجلة وآجلة في هذه الحياة الدنيا.
3 ـ ثم نفرغ للكاردينال «دانيلز» وجملة مضامين كلامه هي:
أ ـ تفسير القرآن بقدر أكبر من المرونة.
ب ـ التحرر من الإرث التاريخي المملوء بالعداوات والذكريات الأليمة.
أولاً: تفسير القرآن بقدر أكبر من المرونة.. فهذا طرح يحتمل مفاهيم ثلاثة 1 ـ ثورة في ذات النص القرآني كما حدث في المذهب البروتستانتي.. هذا المفهوم مستحيل في الاسلام لأن القرآن لم يبدل، ولن يبدل. 2 ـ المفهوم الثاني هو: توسيع باب الاجتهاد الإسلامي وتنشيطه. وهذا مفهوم مقبول 100% على ان هذا المفهوم نفسه هو المانع من تبديل النص: بمعنى ان النص القابل للاجتهاد في كل زمان ومكان لا داعي لإلغائه.
ولقد اضطر لوثر إلى تبديل النص لان باب الاجتهاد كان مقفولاً.. يضم إلى ذلك ان الكاردينال دانيلز نفسه لا يوافق البروتستانت على ما فعلوه في المسيحية، وإلا لما ظل على كاثوليكيته. 3 ـ المفهوم الثالث هو: تفسير الاسلام على نحو يتسع لتقبل الأصول المشتركة. وهذا حاصل: نصا من غير تأويل ولا تفسير. فقد نص القرآن على وجوب إيمان المسلمين بالاصول المشتركة مع أهل الكتاب: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا أمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون».. فالمسلم الذي لا يؤمن بعيسى ـ عليه السلام ـ ولا بإنجيله، إنما يكفر بالنبي محمد، ويكفر بالقرآن.. ان القرآن سجل مقدس حافظ لأصول الكتب التي أنزلها الله، ولنبوات إبراهيم وموسى وعيسى واسحاق ويعقوب ويوسف وزكريا وداود وسليمان.. وحافظ لحصانة مريم وطهارتها واصطفاء الله لها.. فلماذا يبدل؟!!
ثانياً: التحرر من الارث التاريخي الأليم.. ونحن نقول للكاردينال دانيلز: إذا أتيتنا تمشي في هذا الحقل: أتيناك هرولة.. فهذه أمنيتنا ورغبتنا وروح نفوسنا.
فنحن أجيال يفصل بينها وبين تلك المآسي ألف عام تقريباً، وليس من الشرع ولا من العقل: أن تتحمل الأجيال المعاصرة تبعة ما وقع قبل ألف عام.. ولكن هل تكفي الرغبة وحدها في بناء علاقة متينة بين الأمم؟. الرغبة مهمة. إذ هي قرينة على «الاستعداد». على ان ذلك كله لا يكفي. فقوام العلاقة الصحيحة أ ـ التقدير العادل المتبادل للمصالح المشتركة ب ـ الكف الناجز عن كل مظلمة جديدة: معنوية أو مادية جـ ـ الاعتراف الصدوق الموضوعي المتبادل بـ «التعددية الحضارية» والتحرر الإرادي من كل نزوع لجعل العالم كله خاضعا لـ «نموذج حضاري واحد» فهذا أمر لم يرده الله نفسه، ولم يفعله.
http://www.asharqalawsat.com/

ابن الشاطيء 11-12-2004 08:33

د. أسعد عبد الرحمن
معاداة السامية: الاسطوانة الصهيونية المكرورة
تاريخ النشر: الخميس 9 ديسمبر 2004, تمام الساعة 03:33 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة


تستدعي الدوائر الصهيونية، من حين لآخر، تهمة العداء للسامية لتفسير حادثة ما أو لوصم سياسات أو للتهجم على شخصيات سياسية أو ثقافية أو فنية، حتى وإن انتمت هذه إلى عصور طويلة خلت. ومؤخراً كانت العاصمة الفرنسية باريس مسرحاً لحادثتين اعتبرتا «دليلاً» على «اتساع» نطاق العداء للسامية!! ففي الأولى، زعمت سيدة فرنسية تبلغ من العمر 23 عاماً أنها كانت ضحية اعتداء عنصري للاعتقاد بأنها يهودية حيث ادعت أن ستة شبان مسلحين بالسكاكين تدل ملامحهم على أنهم ينحدرون من شمال افريقية هاجموها أثناء سفرها بالقطار ومزقوا ثيابها ثم رسموا الصليب المعقوف على بطنها وسرقوا حقيبتها ولاذوا بالفرار!! وقد أثارت هذه «الحادثة» موجة من الاستنكار والغضب في فرنسا حيث أدانتها مختلف القوى السياسية والاجتماعية بما فيها الجالية الإسلامية كما ندد «بالحادث» الرئىس جاك شيراك الذي اعتبره «عملاً مخزياً»! وبدلاً من التعامل مع الحادث باعتباره عملاً جنائياً معزولاً، سارع بعض السياسيين والمعلقين في إسرائيل إلى استحضار ظاهرة العداء للسامية ووصفوا الحادث بأنه تعبير عن «تنامي» تلك الظاهرة في المجتمع الفرنسي بل في أوروبا، إلا أن استثمار تلك «الحادثة» لم يدم طويلاً إذ سرعان ما اعترفت «الضحية» بأنها كاذبة وأن الرواية بأكملها لاتعدو أن تكون من نسج خيالها كما أضافت أنها هي التي رسمت إشارة الصليب المعقوف على جسدها بمساعدة صديق لها.
أما الحادثة الثانية فحظيت بقدر أكبر من الاهتمام الإعلامي والسياسي. فقد أضرمت النار في مركز اجتماعي يهودي في باريس وكتبت على الجدران عبارات وصفت بأنها معادية للصهيونية فقامت الدنيا ولم تقعد. وكان وزير الخارجية الإسرائىلي سيلفان شالوم ممن أدلوا بعبارات شديدة اللهجة للتعبير عن «قلق إسرائىل العميق نتيجة وقوع اعتداء آخر مخز ينطوي على معاداة السامية في فرنسا». ولم يكد يمر أسبوع على الحادث حتى ألقت السلطات الفرنسية القبض على رجل يهودي اعتبرته المشتبه به في القضية وألمحت إلى أنه كان يعمل حارساً في المركز في وقت ما، ثم فصل دون استبعاد أن يكون قد أقدم على إحراق المركز بدافع الانتقام. وفي حادث ثالث، تعرضت انتقادات أدلى بها (آلان مينارغ) رئىس قسم الأخبار في إذاعة فرنسا الدولية ضد إسرائىل، تعرضت لموجة عارمة من السخط خصوصاً في الجمعيات اليهودية التي اعتبرتها «معادية للسامية» وطلبت منه الاعتذار. كما أثارت تصريحاته ردود فعل شديدة في أوساط أعضاء «جمعية صحفيي إذاعة فرنسا الدولية» الذين دعوا إدارتهم إلى «تحمل مسؤولياتها» فيما اعتبرتها وزارة الخارجية الفرنسية تقولات «غير مقبولة». وإزاء ذلك، وأمام موجة الانتقادات هذه، اضطر مينارغ إلى تقديم استقالته من منصبه لكنه لم يتراجع عن موقفه الذي وصف فيه إسرائىل «بالدولة العنصرية» لأنها تسعى إلى إقامة دولة لليهود مع إقصاء غيرهم، مؤكداً أنه يجب التعامل مع إسرائىل وفقاً للقوانين الدولية. وفي تطور رابع حديث، وجهت انتقادات شديدة للمفوضية الأوروبية مع اتهامها بتشجيع معاداة السامية عندما رعت «استطلاع رأي» قالت نتائجه إن إسرائىل تمثل «أكبر تهديد على السلام العالمي».

تاريخياً، استغل اليهود معاداة السامية بعد قيام إسرائيل لابتزاز الدول الأوروبية ففرضوا على ألمانيا دفع مبالغ كبيرة تعويضاً عن «الهولوكوست» كما استخدم الصهاينة مصطلح «معاداة السامية» للتعتيم على جرائم إسرائىل بحق الشعب الفلسطيني. ووصل الخطاب الصهيوني إلى قمة الإثم حين أعلن أن نضال ذلك الشعب ضد الاحتلال الإسرائىلي «تعبير عن معاداة السامية»!! وفي الغرب، خاصة في فرنسا، أصبحت تهمة معاداة السامية سلاحاً فتاكاً ضد حرية التفكير والتعبير والبحث العلمي والتحقيق التاريخي حيث منعت أبحاث عديد من العلماء (منهم المفكر الفرنسي روجيه غارودي) بل إن بعضهم طرد من منصبه (مثل المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس) لأنه انتقد اسرائىل ووضع كتاباً بعنوان «هل مسموح انتقاد إسرائىل؟» واصفاً الدولة العبرية «بالدولة المحتلة». إن عملية تدمير سمعة بونيفاس مستمرة لكن الرجل لايزال يتحدى، وبالإضافة إلى غارودي وبونيفاس، طرد بعض المثقفين الفرنسيين من مناصبهم الجامعية. وقد صدر في هذا الإطار تشريع جنائي يعاقب بالسجن كل من يكذب وقائع «الهولوكوست» أو من يشكك في الأرقام الصهيونية التي تقول إن ستة ملايين يهودي أحرقهم هتلر في أفران الغاز!!

جميع هذه الأحداث التي برزت إلى السطح مؤخراً في أوروبا وغيرها، دعت الرئىس جورج بوش إلى توقيع قانون جديد مثير للجدل لإحصاء الأعمال المعادية للسامية حول العالم وتقويم موقف الدول من هذه المسألة. والقانون، الذي مرره الكونجرس بغالبية الأصوات بناء على طلب النائب اليهودي توم لاتنوس وبدعم من عدد آخر من القادة اليهود، يطالب وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج الأنشطة والممارسات كافة التي تنتقد أو تتعرض لليهود في أي بقعة من بقاع الأرض ضمن تقرير سنوي حول حقوق الإنسان. هذا المنحى في التعامل مع هذه القضية المثيرة للجدل يثير الاستغراب، كما يثير أكثر من تساؤل عما إذا كانت معاداة السامية تعني إسرائىل بعينها وليس أحداً غيرها، ولماذا لا يوسع «التقرير» بحيث يعنى بالعنصرية كممارسة ضد أي عرق أو جنس بشكل عام وليس لمجموعة محددة دون سواها كما هو حاصل الآن. ومع أن هذا القانون لن يضيف شيئاً لإسرائيل لأن الولايات المتحدة كانت ومازالت تقف إلى جانبها في كل المجالات، ومع أن الحقوق العربية في فلسطين وغيرها لن تتأثر بمثل هذا القرار لأنها حقوق سياسية ليست موجهة ضد اليهودية كدين بل ضد ممارسات إسرائىل كدولة، إلا أن الخوف هو من أن توظف واشنطن وغيرها هذا القانون توظيفاً سياسياً. وقرار معاداة السامية كان يمكن أن يكون له قيمة أكبر لو شمل التمييز الديني والعرقي ككل! لكن اقتصاره على اليهود، دون غيرهم، قلل من شأنه كثيراً لأنه يعطي هذه الفئة ميزة على الآخرين.

وتلخيصاً واستخلاصاً، يتوجب على العرب التمسك بحقوقهم وإطلاق مبادرات لمواجهة العنصرية الممارسة ضد جميع الأعراق والأديان بشكل عام وليس ضد اليهود وحدهم، وكذلك فضح الوضع الاستثنائي الذي تتمتع به إسرائيل وجعلها تخضع للقانون الدولي حالها حال الآخرين، بدلاً من أن تكون فوقه كما هو حاصل الآن. كذلك، يجب تعرية سعي إسرائىل منذ قيامها إلى لعب دور «الوصي» على يهود العالم والتحدث باسمهم والتعبير عن مصالحهم وتطلعاتهم أينما كانوا!

وفي هذا النطاق، يجب الاستفادة من حقيقة رفض قطاعات واسعة من يهود البلدان المختلفة لهذا التوجه. ولاشك أن أجواء معاداة السامية، سواء أكانت فعلية أم مزعومة، توفر لإسرائىل طاقة للمضي في مسعاها وادعاءاتها، ومن هنا تنبع أهمية الفعل العربي (والإنساني) المضاد!

http://www.al-sharq.com/site/topics...66&parent_id=50

ابن الشاطيء 11-12-2004 08:42

مهم

بدعوة من مؤسسة كونراد أديناور والجامعة التونسية بمنوبة عقدت ندوة بعنوان: "قانون الأسرة في البلاد الاسلامية والضوابط العقدية والقانونية في العالم العربي". وقد طُرحت طوال يومين وعبر عشر محاضرات ثلاثة اسئلة اساسية
http://www.daralhayat.com/classics/....txt/story.html


جميع الأوقات بتوقيت القدس المحتلة. الساعة الآن » 21:00.

Powered by: vBulletin Version 3.0.7
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd.